خلال النقاش الحاد الذي دار بين أعضاء إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بشأن إعادة تحديد الأهداف الأميركية فيما يتعلق بالحرب في أفغانستان، أبلغ وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس المسؤولين بأنهم لا يحتاجون لقتل مسلحي «طالبان» في كل مدينة وبلدة أفغانية. وقال غيتس: «الأهم من ذلك أننا نحتاج لتصفية تنظيم القاعدة، أما حركة طالبان فكل ما نحتاجه هو إضعاف قدراتها».
وتحدث غيتس بسلطة الرجل الذي شاهد عن كثب ما الذي حدث عندما لم تركز إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بحسب رأيه، أفكارها ومواردها كثيراً على الحرب في أفغانستان. وفي النهاية قال غيتس إن الوسيلة التي تستخدمها إدارة أوباما سوف تعتمد في نجاحها أو فشلها على الأفغان أنفسهم، وما إذا كانوا سيستطيعون توفير الظروف الملائمة التي تحول دون عودة «طالبان». وبكلمات أخرى ما إذا كانت الحكومة الأفغانية وجيشها يستطيعان، بعد 8 سنوات من الفساد والوعود الكاذبة، توفير الأمن وتوصيل الماء والكهرباء للمناطق النائية، وبناء مدارس جديدة وإدارتها.
والآن، وبعد أشهر قليلة من تطبيق الرئيس أوباما لاستراتيجيته الجديدة في أفغانستان، سوف يتم اختبارها أولاً في بلدة مرجة، التي تعد معقل «طالبان»، حيث دارت معركة عنيفة في هذه البلدة الحصينة. والعبرة ليست بالمعركة، ولكن بالنتيجة النهائية التي سيحققها الجيش الأميركي. وهذا يعتمد بالطبع، في المدى الطويل، على قدرات الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، الذي بدا متردداً كثيراً في المشاركة بمعركة مرجة. كما تعتمد النتيجة، في الوقت نفسه، على قادة العشائر، الذين لا يثقون على الإطلاق بالرئيس قرضاي والولايات المتحدة. وبالنسبة إلى كثير من المراقبين في واشنطن، فإن هذه التركيبة، هي التي تجعل مرجة، والاستراتيجية الأهم التي تقف وراء إرسال 30 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان، مخاطرة كبيرة جداً.
وفي سنوات بوش، عندما كانت تبدأ العمليات العسكرية الكبيرة، كعملية مرجة، كان القادة العسكريون يحثون الجيش الأميركي على تطهير المواقع العسكرية، والتمسك بها، وتعزيز القوات. غير أن أوباما أضاف خطوة رابعة لها؛ وهي نقل السلطات.
فبعد ثلاثة أشهر من إعادة النظر في استراتيجيته في أفغانستان، أكد الرئيس الأميركي أنه لن يباشر أية عمليات عسكرية قبل أن تتوفر خطة ملائمة لنقل السلطات في المناطق المحررة إلى الأفغان، بصورة فورية.
لكن هذه الخطة متوفرة في مرجة على الورق فقط. فقد بذل الأميركيون والأفغان كل ما في وسعهم للترويج للضربة العسكرية المقبلة، لكنها كانت تخلو من تحديد موعد العملية وحجمها.
من ناحيته، ذكر القائد العام للقوات الأميركية والحليفة الجنرال ستانلي ماكريستال، الذي أقنع أوباما وغيتس بتجربة نموذجه في مكافحة التمرد، مؤخراً، أنه تم إعداد عنصر نقل السلطات في الاستراتيجية الأميركية، وسيتم تطبيقه حالما تنسحب قوات «طالبان» من ساحة المعركة، أو تتعرض للهزيمة، مشيراً إلى وجود حكومة أفغانية في متناول اليد، جاهزة للتحرك.
والمخاطرة غير المحسوبة هنا هي أنه ما إن يرى الأفغان مظاهر الدولة تترسخ في مرجة، فإن مسلحي «طالبان» سوف يبدأون، على المستويات كافة، بدراسة العروض التي قدمها لهم قرضاي والغرب، بصورة أكثر اهتماماً، والتي تعرض عليهم عدم المشاركة بالقتال مقابل إغراءات مادية كبيرة.
كما يمكن إغراؤهم بعرض بعض الأدوار السياسية التي يمكن أن يلعبوها ضمن المجتمع الأفغاني، وتقديم مبالغ مالية منتظمة لهم، وهذا سيدفعهم للتفكير مرتين قبل محاولة استعادة البلدة.
ويعتقد المراقبون للحرب الأفغانية بأن معظم مسلحي «طالبان» منضوون تحت لواء الحركة بدافع الحصول على المال، وإذا ما قدمت لهم عروض تجعلهم أكثر ثراء، بطريقة أقل تكلفة، فقد يتخلون عن «طالبان» ويقبلون بالعروض الجديدة. لذلك يتعين وضعهم قيد الاختبار ومراقبة ردود فعلهم.
ترجمة: عمر حرزالله
رجل الأسرار
ديفيد سانغر كاتب أميركي معروف عمل مراسلا لصحيفة «نيويورك تايمز» في البيت الأبيض، خلال ولايتي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وهو من أكبر المطلعين على خلفيات وأسرار النشاط السياسي في هرم السلطة.
وقد ألّف كتاباً يحمل عنوان «التركة» يتحدث فيه عن الميراث الذي تحمل أعباءه الشعب الأميركي والعالم جراء ما يصفه بـ «السياسات المتهورة ومغامرات إدارة بوش».
يقول الكاتب: كان بوش يبدو عقلانياً في السياسة الخارجية قبل هجمات 11 سبتمبر، لكنه أصبح بعد ذلك تحت التأثير الشرير لنائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، اللذين أقنعاه بأن الحرب على العراق هي تحقيق لرسالة إنجيلية.
وقد فقدت الولايات المتحدة مصداقيتها حين لم تستطع تبرير تلك الحرب. ويشير في الكتاب أيضاً إلى أن الإدارة الأميركية أضاعت فرصة ثمينة في كسب ثقة إيران التي كانت على استعداد عام 2002 لمصافحة اليد الأميركية الممدودة لها.
بقلم ـ ديفيد سانغر


