لأن الإنسان وسيلة بناء أي تنمية وغاية كل تنمية، فليس هناك تنمية بلا تنمية الإنسان ذاته، ولا مدخل لتنمية الإنسان بدون تعليم وتعلم إلى جانب من الصحة والحرية والعمل والأمان، وإذا أريد لهذه الأمة العربية أن تنمو تنمية حقيقية ومتكاملة وشاملة، بما يحفظ أصالتها ويواكب عصرها، فإن القضية الأولى الأساسية التي يجب أن تكون لها الأولوية على سلم الأولويات الاستراتيجية الوطنية في الوطن العربي هي قضية التعليم.

وتحت هذه المظلة يبدو اهتمام دول أمتنا العربية باستراتيجية متكاملة وطموحة للتعليم بكل أنواعه العام والأهلي والخاص، والمدني والديني، أدني بكثير من دول حولنا أو غيرنا، كما تشير الأرقام المخيفة المتعلقة بحال الأمية ومستوى التعليم والحجم الضئيل للقراءة والنشر والترجمة في الدول العربية، كما أوردتها تقارير التنمية الإنسانية العربية.

ويتضح ذلك من مقارنة نسبة ما ينفق في بلادنا على التعليم من الدخل القومي، وهي ضئيلة للغاية بما لا يضع التعليم الأولوية الأولي لأجندة اهتماماتنا الوطنية والقومية، بما يجعل إسرائيل مثلا التي تبلغ نسبة استثمارها في التعليم 8,2% تتفوق في ذلك ليس فقط على العرب 2,4%، بل على أميركا ذاتها 7,4%. وبينما توجد أربع جامعات إسرائيلية من بين 500 جامعة عالمية متقدمة، لا توجد بينها جامعة عربية واحدة !

لذا اتخذنا قضيتنا الرئيسية في هذه الدراسة «التعليم والتنمية الإنسانية العربية» شكلا ومضمونا، وسائل وغايات في عصر المعرفة وفي عصر العولمة وصلة ذلك بمسائل نشر المعرفة الفكرية والمعلوماتية والمعرفية بعيدا عن التخلف والتطرف والركود والجمود لتحقيق التنمية المطلوبة والتقدم العربي المنشود.

ولأن صورة الواقع المعرفي العربي في عصر العولمة تحتاج لقراءة مكوناتها، لذا لابد لنا من النظر إليها من جميع محاورها، وبحث مدى تكاملها وانسجامها أو تنافرها شكلا ومضمونا مع هوية المجتمع العربي بمكوناته الثقافية والاجتماعية والقومية.

و(التعليم، والتنمية، والدين، والمعرفة) وهي المحاور الأربعة التي تشكل محاور هذه الدراسة تحتاج إلى بلورة المفاهيم، وإلى بحث انعكاسات علاقاتها ببعضها كالتعليم بالتنمية والجامعة بالجامع على الإنسان العربي بناءً لمجتمع المعرفة واستهدافا لمجتمع التنمية، مجتمع التقدم الحضاري والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وتحديد أهدافها وتطوير مضامينها وأدواتها وتحديث أشكالها ومؤسساتها، لحاقا بالعصر.. عصر المعرفة وعصر التنمية، استلهاما لما هو مضيء في الماضي للنهوض بالحاضر والاتجاه للمستقبل