صحيح أن التعليم في الوطن العربي حقق تطوراً كميا ملموسا خلال العقود الأخيرة. حيث انخفضت نسبة الأمية من 60% في عام 1980 إلى حوالي 43% في منتصف التسعينيات. كما تضاعف معدل تعليم المرأة ثلاث مرات منذ عام 1970. ولكن وفقا لما عرضه تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول عام 2002، لايزال هناك 65 مليون أمي عربي بالغ، ثلثاهم من النساء، وهناك عشرة ملايين طفل بين سن 6 و 15 سنة خارج النظام التعليمي.

كما أن نسبة الالتحاق بالتعليم العالي محدودة حيث لا تتجاوز 13%. ومع أنها أعلى من مثيلتها في الدول النامية (9%)، إلا أنها ما زالت أدنى كثيرا من الدول الصناعية والتي تصل إلى 60% ،وما زالت نسبة الفتيات منخفضة في التعليم العالي.

ورغم ارتفاع أعداد الأطفال الملتحقين بالتعليم قبل المدرسي، لا تزال نسب الالتحاق هذه دون مثيلتها في الدول النامية، وبخاصة فيما يتعلق بالفتيات. وتعاني الفئات الأضعف اجتماعيا مثل النساء والفقراء خاصة في المناطق الريفية من حرمان من التعليم يتصاعد في المراحل التعليمية العليا.

وكان لضغط الإنفاق الحكومي، في سياق برامج الإصلاح الاقتصادي، والتضخم وانتشار الفقر وفرض رسوم على التعليم لاسترداد كلفته، آثارا سلبية على تراكم رأس المال البشري، فكان وقعها أشد على الفقراء والإناث. وكانت النتيجة أن جودة التعليم تتوفر بشكل متزايد للقادرين فقط. ولذلك، يفقد التعليم دوره كأداة فاعلة في تحقيق الصعود الاجتماعي. وهناك دلائل على تردي نوعية التعليم كيفيا، وهو ما يعني تدني التحصيل المعرفي والقدرات التحليلية والابتكارية. وأسهم الخلل الحادث بين سوق العمل ومستوى التنمية من جهة وخريجي النظام التعليمي من جهة أخرى في ضعف إنتاجية العمالة واختلال هيكل الأجور وتفشي البطالة وتدهور الأجور الحقيقية للغالبية العظمى مما يعني ضعف العائد الاقتصادي والاجتماعي للتعليم.

مفاهيم الدراسة

1- التعليم والتعلم: التعليم هو عملية نقل العلم والمعرفة من مصادره المختلفة بأهداف محددة وبوسائل متعددة من مصادر العلم أو من عالم أو معلم إلى طالب هذا العلم، بطريقة منظمة ممنهجة ومنضبطة وعبر مؤسسات رسمية من خلال المدرسة والمعهد والجامعة، بهدف نشر المعرفة في المجتمع وصولا إلى بناء مجتمع المعرفة الشاملة، الذي هو سلاح المجتمعات البشرية الأمضى إلى التقدم والتنمية الشاملة.

أما التعلم، فهو عملية نقل العلم ونشر المعرفة، ولاتتم فقط عبر عملية «التعليم» من خلال المؤسسة التعليمية، بل تتم أيضا من خلال عملية «التعلم»، وهي ببساطة تتم باكتساب المعلومات والمعارف بطريقة ذاتية من خلال وسائل نشر المعرفة الأخرى الرسمية والخاصة، كوسائل الإعلام، ودور الثقافة، والانترنت، والندوات، والمحاضرات، والمكتبات العامة، ومن خلال الوسائل الأخرى المقروءة والمسموعة والمرئية.

2- التنمية: هي الفعل الإرادي الإنساني المخطط له فكريا وعلميا لزيادة الإنتاج والدخل في جميع القطاعات، لزيادة معدلات النمو المجتمعي الشامل نموا كميا وكيفيا بمتوالية مستمرة، بما يزيد عن معدل النمو السكاني، وبما يرفع من مستويات الحياة العلمية والعملية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادية والمعنوية في ظل قيم العدالة، وصولا إلى مجتمع العلم والمعرفة والتقدم و الرخاء لتحقيق الأمن والأمان والكرامة الإنسانية.

3ـ المعرفة: هي تحصيل العلوم والآداب والفنون اللازمة لتحقيق الإدراك الواعي بحقائق الإنسان والكون والحياة في تفاعله مع محيطه المادي والمعنوي والروحي لاستخدامها في حماية ذاته وترقية حياته وبالتعامل الفاعل في قضايا مجتمعه وأمته وعالمه بحيث يحيا عصريته دون أن يفقد هويته. وهي حصاد المعلومات والخبرات والمهارات الكمية والكيفية، وهي محصلة الإجابات على كافة التساؤلات بما يعينه على الفهم العميق لحقائق ولحركة الحياة ليمكنه من تنظيم حياته وتوفير حاجاته وزيادة إنتاجه وتحسين خدماته بكفاءة وكفاية، وبما يسلحه بمصابيح للرؤية الواضحة لذاته وحياته وجغرافيته وتاريخه بما يوجه حركته نحو تحقيق أهدافه في الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية وفقا لمعتقداته ومبادئه وقيمه ومثله العليا.

4ـ الدين: هو مجموع العقيدة ممثلة في العبادات والشرائع والمعاملات في الرسالة الدينية التي يؤمن بها الإنسان تسليما بالإله الواحد المعبود أي للديان خالق الإنسان وخالق الأكوان.

وهو إسلاميا الإيمان بالله الواحد الخالق بصفاته العليا ومن بينها الرحمن الرحيم والأعلم العليم، والاعتقاد عن يقين برسله ورسالاته وبكتبه وملائكته وبالثواب لمن صنع الخير في الدنيا وعمر الأرض وأحيا الناس بكفاية وعدالة وكرامة، والعقاب في اليوم الآخر لمن صنع الشر وقتل الناس ونهب ثرواتهم وخرب الأرض ودمر الحياة والحرية والكرامة الإنسانية بالعدوان.

وهو الاقتناع الموضوعي بصحة المنهج الإلهي وتعاليمه إقتداء برسوله، والالتزام الذاتي دون إكراه بأوامره ونواهيه، عبر الضمير كمصدر للإلزام الخلقي في العقيدة وفي العبادات وفي المعاملات التي حملتها الكتب السماوية الصحيحة.

والوطن العربي عموما له خصوصيته الدينية والحضارية والقومية التي تشكل مكونات وملامح وثوابت الشخصية الإنسانية العربية، وخصوصا في مصر والشام والحجاز هو مهبط الرسالات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام ومنبع دعوتها إلى العالمين، بعالمية إنسانية تكرم حقوق الإنسان بلا تمييز باعتباره إنسانا كرمه الله وبعالمية إنسانية، وليس بعولمة لا إنسانية مفروضة لتحقيق مصالح رأسمالية أو أجندة غربية على حساب حقوق الآخرين.

والوطن العربي أيضا هو مهد الحضارة الإنسانية في مصر والشام واليمن والعراق، التي علمت العالم حروف الكتابة وآداب اللغة وعلوم الحياة وفنون العمارة، وبينما كانت أوروبا تعيش «عصور الظلام» كان العالم الإسلامي والوطن العربي في القلب منه يعيش في «أزهى مراحل الحضارة الإسلامية وفي قلب «عصور النور» حين كان الإسلام بوجهه الإنساني المنير الدافع الأول للتقدم الحضاري. ومن هنا أهمية أن يكون التعليم عموما في الحاضر كما كان في الماضي حضاريا وعصريا ومتقدما وإنسانيا.

التعليم في الحالة العربية

تحدث تقرير «التنمية الإنسانية العربية الأول للعام 2002» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاجتماعي والاقتصادي عن ثلاثة معوقات رئيسية للتنمية العربية على رأسها التعليم إلى جانب مسألة الحرية ومسألة تمكين المرأة.

ورصد التقرير الثاني للعام 2003 ببحث أكثر عمقا ونقدا وتحليلا الواقع المعرفي العربي، حيث كان «بناء مجتمع المعرفة العربي» هو عنوانه، وقضية التعليم وعلاقته بالتنمية الإنسانية و بالدين وباللغة، كانت أهم محاوره، وعلى رأس قائمة الأولويات في البحث العميق عن أسباب تردي أحوال العرب في القرن الحادي والعشرين، وعن سبل التحرر من التخلف والانحطاط وإرساء «صحوة معرفية» لا بد منها كي تتمكن المجتمعات العربية من الاندفاع إلى فضاءات مستقبل أفضل.

وحول تحديات اللغة العربية والمعرفة الإنسانية ذكر تقرير التنمية البشرية الثاني أن اللغة العربية تواجه «على أبواب مجتمع المعرفة والمستقبل تحديات قاسية وزمة حقيقية تنظيراً وتعليماً ونحواً ومعجماً واستخداماً وتوثيقاً وإبداعاً ونقداً... وتنطوي علاقة اللغة العربية بنقل المعرفة واستيعابها على قضايا عدة تتقدمها قضيتان محوريتان شديدتا الترابط هما: تعريب التعليم الجامعي وتعليم اللغة العربية... وذلك أن اللغة هي رابطة العقد في منظومة المعرفة الإنسانية. إلا أن تعزيز منظومة المعرفة يتطلب أيضاً أن تتوازى جهود التعريب مع زيادة الجهد المبذول في تدريس اللغات الأجنبية للجميع».

والخبرتان التاريخيتان الكبريان اللتان مرت بهما هذه الثقافة ترجع الأولى منهما الى عصر التدوين العلمي والالتقاء بالحضارة اليونانية وعلومها - بل وطلب هذه العلوم واستيرادها - وبخاصة في القرنين التاسع والعاشر. ثم كانت الخبرة الثانية الكبرى غداة التقاء العالم العربي الحديث بالمدنية الغربية والانفتاح على العلوم والآداب وجملة وجوه الثقافة العربية منذ مطالع القرن التاسع عشر.

وكانت حصيلة ذلك تجددا وتجديدا في التراث الثقافي العربي من منابع الماضي، المشرع على المستقبل، الآخذ من أسباب التحديث بأقدار جليلة، وإنتاجاً غنياً في جميع قطاعات المعرفة والعلوم والفنون والآداب والتقنيات. فمثلاً «لم يكتف العباسيون بالترجمة، ولكن جمعوا المعرفة وأضافوا إليها بحيث كانت هذه الحقبة الإسلامية بحق، بوتقة للثقافات والأديان والتعلم والمعرفة، حقبة أنشأت حضارات عظيمة وأثرت على أخرى من أفريقيا حتى الصين».

بيد أن الثقافة العربية، مثلها في ذلك مثل غيرها من الثقافات، «تجد نفسها الآن، في مواجهة مشكلات الثقافة الكونية وتعدد الثقافات، ومشكلة الذات والآخر ومشكلة الشخصية الحضارية ومن مصطلحات أو مفاهيم تشي بالهواجس والمخاوف والأخطار كانقراض اللغة أو الثقافة، أو تضاؤل الهوية».

التعليم ومشكلات المجتمع

يعاني التعليم في العالم العربي بكل أنواعه ومراحله من مشاكل عامة تعرقل تطوره في خدمة التنمية، ومن مشكلات يسببها للبنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع، لضعف مستواه في المدارس الرسمية،أو بسبب خصخصة التعليم وشيوع التعليم الأجنبي، وأهم مشاكل التعليم وعلاقته ببناء مجتمع المعرفة، كما تعرضت لها التقارير والدراسات العربية،هي الأمية، وعدم الربط بين مناهج التعليم ومتطلبات على صعيد التنمية، ومشكلة البطالة بسبب غياب الربط بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.

إضافة إلى قضايا التوظيف التقني للوسائط الجديدة في التعليم، وغياب مفاهيم الجودة ونظم التعليم عن بعد وغيرها من الإشكالات الجديدة كتقنية المعلومات، إضافة إلى التناقضات الناشئة عن مخرجات التعليم العام والخاص والأجنبي بما يعمق التناقضات الثقافية والاجتماعية ويؤثر سلبا على الهوية الوطنية.

في الماضي كان نشر المعرفة يعتمد على العائلة والمؤسسة الدينية وقلة من الأساتذة، ومع نمو المؤسسة التعليمية وزيادة دورها في نشر المعرفة وغيرها من الأدوار الجديدة كبناء وتطوير ملكات النقد والتحليل وتنظيم واتخاذ القرارات وتنمية الإبداعات والكفاءات السلوكية والعقلية، زادت أعباء المؤسسات التعليمية، بما يتطلب تطوير النظام التعليمي العربي ووضع استراتيجية متكاملة له، حيث لم تعد الأسئلة المطلوب الإجابة عنها هي ماذا تعرف؟. . بل أيضاً هل تعرف كيف تفعل هذا؟ وأين تجد مصادر المعرفة المطلوبة؟ وكيف تحصل عليها؟ وما هي الاستخدامات لما حصلت عليه من المعرفة ؟

معارف ومهارات

المطلوب من التعليم إذاً بجانب المعارف والمهارات تقديم الكفاءات والكفايات وتخريج مشاريع علماء ومنتجين في المجتمع قادرين على اتخاذ القرارات والمواقف على ضوء ما توفر لهم من معارف ومعلومات رسمية وحرة.

صحيح أنه «ارتفعت معدلات ونسب محو الأمية والتعليم العام والجامعي خلال الربع قرن الأخير، وبنسبة ملحوظة في الإناث، لكن الدراسات والإحصاءات أظهرت وجود فوارق كبيرة بين مستويات النظم التعليمية ودرجات التقدم في الدول العربية، والقليل منها فقط طبقاً للمؤشرات الحديثة من ينتمي إلى النصف المتقدم من دول العالم. لكن ذلك التقدم النسبي لا يلغي وجود إخفاقات وقصور، مما يجعل الخروج من النفق الحالي صعباً».

وأخيرا. .فإن غياب استراتيجية تعليمية حقيقية ونظام تعليمي متقدم هي من أخطر الأوضاع السلبية التي تمس مباشرة قضية التنمية الوطنية الشاملة وقضايا المستقبل العربي، بما يجعل الاستثمار في التعليم بكل أنواعه العلمية والإنسانية والدينية، وفي كل مراحله الأساسية والعليا هو الاستثمار الأكثر ربحا لأنه استثمار لقدرات وطاقات وإبداعات البشر في تنمية الأوطان وصنع مستقبلها وفق أهدافها وآمالها الكبرى، وبدون ذلك فلا بد من قرع الأجراس.

والمطلوب في النهاية، هو وضع استراتيجية عربية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تتفرع منها استراتيجية تعليمية متكاملة، أصيلة وعصرية عربية وإنسانية، لتطوير نظامنا التعليمي في الأقطار الوطنية بتوجهاته ومناهجه ومؤسساته وصولاً إلى بناء مجتمع المعرفة والتنمية الشاملة، من خلال نقد رصين للذات، وليس جلد الذات، للإصلاح من الداخل، وليس من الخارج. ولا نغالي إذا رأينا مثل هذه الاستراتيجية المطلوبة هي الأساس الحقيقي للأمن القومي العربي، ولمستقبل الأجيال القادمة.

ممدوح طه