في عام 1648 وقعّت القوى الأوروبية صكَّا دوليا بالغ الأهمية تحت اسم معاهدة «وستفاليا» وجاء توقيع هذه المعاهدة لينهي صراعا مريرا يعرفونه في تاريخ أوروبا بأنه «حرب الثلاثين سنة». وليعلن الاعتراف بكيانات باتت تعرف في عصرنا باسم هولندا وباسم الاتحاد السويسري.

لكن المهم يتمثل فيما يذهب إليه مؤرخو وعلماء السياسة حين يقولون:إن معاهدة «وستفاليا» جاءت لتشهد مولد الدولة القومية بمعناها الحديث. والأهم أن ظلت هذه الدولة ? القومية هي أمل كل الشعوب التي تطلعت طويلا الى الحرية والاستقلال والى نيل حقها في تقرير المصير وفي العيش داخل وطن له حدود مرسومة وتصونها المواثيق الدولية ويتجسد وجوده في رموز معينة كان في مقدمتها العَلَم والنشيد الوطني.. ثم أضيف إليها مع فواتح القرن العشرين.. وجود محطة إذاعة تبث رسالتها الإعلامية على مستوى الداخل ومن ثم الى الخارج من عاصمة هذا الكيان.. وبعدها أضيف مع عقد الأربعينات من القرن الماضي.. أهمية أن يشغل هذا الكيان، وهو الدولة القومية ذات السيادة الوطنية.. مقعداً في عضوية الأمم المتحدة عنوانا لهذه السيادة وتعبيرا عن حالة الاستقلال..

حدث في القرن 19

مؤرخو وعلماء السياسة يرون كذلك أن الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.. كان بامتياز هو عصر تفتح وازدهار دولة الوحدة القومية.. ويشيرون في هذا المقام بالذات الى ما تم من نجاح ابتداء من سبعينات القرن المذكور من إتمام تجربتي الوحدة الألمانية على يد المستشار ? الحاكم «بسمارك» والوحدة الإيطالية على يد الثائر غاريبالدي والسياسي كافور.

وعندنا، فلأن هذه الفئة من المؤرخين والمحللين كانوا، ومنهم من لا يزالون، يصدرون عما أصبح يعرف باسم «المركزية الأوروبية» فهم يؤرخون للظواهر السياسية.. سلبا أو إيجابا على أساس ما يحدث على الساحة الأوروبية وما يستجد على أديم تلك الساحة من تطورات.

فإذا كان الاحتفال بنشوء الدولة القومية ـ المستقلة بحكم التعريف ـ قد ساد في أوروبا.. فالأكيد أن غاب عن فكر هذه التحليلات أن نفس الفترة ـ الثلث الأخير من القرن 19 وما بعده.. قد شهدت عصر الإمبراطوريات ـ الأوروبية بداهة.. وقد فرضت سيطرتها الإمبريالية.. بالنفوذ السياسي والاستغلال الاقتصادي على أصقاع شاسعة شتى في قارتي آسيا وافريقيا، مما ظل يصادر على حق شعوب تلك الأرجاء من عالم ذلك الزمان في الحرية والاستقلال، وبالتالي في بناء الدولة القومية التي ظلت تمثل حلما يراود وجدان تلك الشعوب جيلا من بعد جيل.

الحدود في افريقيا

والمشكلة أن هذه الأوضاع التي فرضتها الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، (على قارة افريقيا مثلا) ظلت أشباحها، أو فلنقل مواريثها، تطارد أحلام شعوب القارة السمراء وخاصة ما يتعلق منها بقضايا الحدود التي سبق رسمها وبلورة معالمها في عهود الاستعمار.

في هذا السياق بالذات يقول المفكر الكندي البارز «جون رالستون سول»:

- إن الحدود الافريقية التي رسموها كي تناسب الإمبراطوريات الأوروبية منذ قرن الى قرن ونصف قرن تبدو الآن وكأنها أصبحت عقبة تتزايد وطأتها حاليا.. إنهم (في افريقيا) يحاولون التخلص من السجن السياسي والثقافي الذي فُرض عليهم بعد أن سئموا هذه الانقسامات المصطنعة التي تسهم في استمرار الوضع السلبي الذي يعيشونه..

الكاتب الكندي ينشر سطوره هذه على صفحات كتاب بالغ الأهمية أصدره عام 2006 بعنوان لا تخفى دلالته وهو « انهيار العولمة».

وهو يشير في فصول كتابه الى أن دعاة العولمة ظلوا على مدار الأعوام الثلاثين الأخيرة يرّوجون لفكرة أن العالم في طريقه الى تكامل يمكن أن يوصل الى التدامج، ومن ثم قد يشهد العالم مرحلة لا يحتاج فيها لا الى دور تؤديه الدولة بوصفها منظومة للحكم والتسيير والإدارة والإنتاج.. بل قد لا يحتاج حتى الى وجود الدولة ? القومية من الأساس.

يؤكد البروفيسور «سول» أن تلك كانت النغمة المفضلة التي ظل العالم يستمع الى عزفها المكرور في كل عام يلتئم فيه عقد منتدى دافوس الشهير في سويسرا.

كان دافوس يضم ضمن فعالياته أباطرة الصناعة وبارونات عالم المال والبنوك والتجارة.. ومعهم أيضا رجال الحكم من أقطار وثقافات ونظم شتى من شرق عالمنا وغربه.

من مفردات تلك المعزوفة كان ثمة ظواهر باتت تؤخذ في زماننا مأخذ التسليم منها مثلا:

العالم أصبح قرية الكترونية.. الحاسوب والأقمار الاصطناعية اختصرت المسافات واجتازت كل الحدود فانكمشت مساحة كوكبنا ليصبح ضاحية يسيطر على مقاليدها ذلك النوع السوبر ? خطير من الكيانات التجارية الذي يحمل اسما بات يتردد صداه في أركان قرية اسمها العالم والاسم هو « الشركات متعددة الجنسيات» وأحيانا.. وبمعنى آخر« الشركات ـ المؤسسات ـ عبر الوطنية».

شهر عسل للعولمة

ولقد نقول ان ظاهرة العولمة.. عاشت شهر عسل طال أمده عبر الثلاثين سنة الأخيرة بكل ما أحاط بها من دعاية لم تقصّر في بثها وتكرارها ميديا الإعلام.. الفضائي أيضا، لاسيما وقد واكبتها أحلام وبُشْريات وأمنيات كم راودت شعوب العالم الثالث بالذات، وبخاصة ما كان يتعلق منها بنقل التكنولوجيا المتقدمة وتيسير سبل التعلم من شعوب الشمال، وفتح آفاق جديدة لأبناء الجنوب كي يلحقوا بمسيرة متسارعة الخطى في مجالات الصناعة الناهضة، والزراعة المتطورة وجودة التعليم والارتفاع قدر الإمكان بنوعية الحياة، وهو ما عمدت الى بلورته المنظومة الدولية في مجموعة الأهداف الاقتصادية ? الاجتماعية التي مازالت تحمل العنوان التالي « الغايات الإنمائية للألفية » ،مع هذا كله فقد جاءت وقائع الفترة القريبة الماضية.. من صيف عام 2008 وربما قبله بقليل كي تدق أكثر من جرس إنذار يتصاعد رنينه محذرا ومنبها الى ما يلي:

إن الإمعان في حكاية العولمة، بمعنى استبعاد دور الدولة ـ القومية في تنظيم النشاط الاقتصادي بالذات أمر غير عملي وغير مطلوب.

إن هذا الاستبعاد تحت شعارات براقة مثل التحرير الاقتصادي أدى الى نوع من الفوضى المدمرة التي تمثلت في حالة الاستقطاب الشديد في أكثر من مجتمع حتى في البلدان المتقدمة بين فئات المديرين وكبار الفنيين ? التكنوقراط الذين أُتخموا بالامتيازات، وبين الأغلبية الساحقة من المواطنين الذين تم هذا كله على حسابهم، وخاصة مع انفجار فقاعة الديون العقارية في أمريكا بالذات. وما أفضت إليه من أزمة اقتصادية عاتية أعادت الى الذاكرة الجمعية، والمتخصصة أيضا، الأشباح الكئيبة لأزمة الكساد الكبير (أو الفظيع) التي سادت أمريكا.. والعالم أيضا مع بداية عقد الثلاثينات من القرن العشرين.

وربما كانت أبلغ الدلالات في هذا الصدد ذلك التصريح الذي أدلى به السيد «كلاوس شواب» وهو الراعي المؤسس لمنتدى «دافوس» وكأنه يدلي باعتراف كنسي بشأن ما أفضت إليه دعوات اللبرالية الاقتصادية والتحرير المصرفي وإزالة اللوائح والضوابط والقيود المشروعة التي كانت تنظم النشاط الاقتصادي في المجتمع. فقال «لقد حان الوقت الذي نكفّر فيه عن خطايانا».

نحو سياسة جديدة

من ناحيتهم يذهب محللو الشأن الاقتصادي الدولي الى أن الأزمة المالية الراهنة قد جاءت لتشير الى أن حقبة الرأسمالية الطليقة أو رأسمالية العولمة التي ظلت ترمح كالجواد الجامح عبر الحدود دون أن تعير الاهتمام الواجب للضوابط الناظمة للنشاط الاقتصادي ـ هذه الحقبة قد آذنت الى انتهاء.

هنا قد يطرح السؤال الحائر والمهم أيضا بشأن السياسة البديلة ، هنا أيضا نحيل الى باحث آخر ? أميركي هذه المرة ، لقد نشر البروفيسور هارولد جيمس دراسة في مجلة «كرنت هستوري» المعنية بالسياسة والتاريخ يقول « لقد بات صانعو السياسة في أميركا يتعاملون مع نمط جديد من رأسمالية الدولة بوصفه حقيقة عالمية بدأت في الظهور».

وبوصفه أستاذا للتاريخ والعلاقات الدولية في جامعة برنستون بالولايات المتحدة يمد البروفيسور جيمس الطَرَف مطلا عبر الأطلسي على ما يدور في القارة الأوروبية.. ينقل مثلا عن الرئيس الفرنسي ساركوزي إشارته الى أهمية العودة الى السياسة التي تسّير دفة الاقتصاد دون أن يترك أمر النشاط الاقتصادي ـ المصرفي بالذات الى فئات الفنيين والمدراء والتكنوقراط.. بل يصل ساركوزي الى الدعوة لإسناد دور فعال للدولة حتى في السيطرة على الصناعات الاستراتيجية من أجل حمايتها لكي لا تخضع لسيطرة أطراف أجنبية.

يسترعي أنظارنا أيضا أن الأستاذ الأميركي يكاد يتفق مع زميله الكندي: ففي حين أن راؤول سول يختار لكتابه الذي ألمحنا إليه عنوان «انهيار العولمة» فإن هارولد جيمس يختار لمقاله عنوانا يمكن ترجمته بقدر من التصرف على النحو التالي « وداعا للمرحومة.. العولمة» .

إن كلاّ من الأستاذين يوضح أن تيار العولمة ? وبرغم ما واكبه من دعايات ترويجية ? قد آل أمره الى أن اكتسب تعاريف سلبية جسّدتها تجارب المعاناة التي أوصل إليها تيار الامعان الى حد الغلو من حيث الوصول بالنشاط الاقتصادي والمالي الى حال من الجموح أو الانفلات، ولدرجة أن أصبح شعار التحرير في البلدان الصناعية على نحو ما يبيّن البروفيسور هارولد جيمس، مسئولا عن ضياع فرص العمل وتخفيضات الأجور قدر مسؤوليته عن تلك المكافآت السوبر - طائلة غير المشروعة التي نالها أصحاب الموارد النادرة وبالذات المشاهير السوبر ? نجوم ومنهم مثلا ? والكلام لا يزال للأستاذ الأميركي ? نجوم الرياضة في الملاعب أو نجوم الفن في الملاهي أو رؤساء مجالس الإدارات الذين عمدوا الى تسويق أنفسهم بوصفهم من فئة السوبر ـ ستار.

مجموعة بريكس

تخلص هذه التحليلات والدراسات الى رصد ظاهرة مستجدة بحق في السنوات، بل الأشهر الأخيرة.. حيث يقول الأستاذ الأميركي ما يلي « والآن أصبحت الدعوة إلى دولة أقوى (بمعنى دور أكثر فعالية وتأثيرا للدولة) ـ تشكل ظاهرة عالمية».

وثمة دراسة أجريت مؤخرا بواسطة مجلس الاستخبارات الوطني في الولايات المتحدة بشأن صورة العالم في عام ,2025. والدراسة تصّور في إجمال مستقبلا يأخذ فيه العالم بأسلوب أقرب إلى «رأسمالية الدولة» ولكن من النوع الذي يمارَس حاليا في الصين أو حتى في روسيا حيث تصبح منظومة الدولة قوية ومهابة ومعترفا بها من شتى الأطراف.

وإذا كان هناك من قد يتشكك في مثل هذه التحليلات فهناك أيضا من يحيل الى التجربة المعاشة، وهي تجربة أقطار بارزة في مشرق العالم وغربه تشهد دورا محوريا فاعلا وناظما للدولة.. وكلها أيضا حققت منجزات مرموقة في مسيرة التطور والتنمية.

الحديث هنا عن المجموعة التي أطلق عليها المفكر الاقتصادي «غولدمان ساكس» مصطلح «بريكس» ويقصد بها الأقطار التالية:البرازيل.. روسيا.. الهند والصين.

محمد الخولي