يقول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، زبغنيو بريجنسكي، ان روزنامة السياسة الخارجية للرئيس أوباما؛ «فقدت زخمها». ويمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك والقول انه حتى خطاب الرئيس فقد بريقه.
التوجهات التي اعتمدها والخطوات التي اتخذها في الآونة الأخيرة؛ تشير إلى وجود خلل في بوصلته الخارجية. قراراته، في أكثر من ملف دولي، حكمها التخبط والتردد.
فيها من التركة المباشرة التي تعهّد بنسفها؛ أكثر مما فيها من جديده الذي وعد به. هذا الأخير، ما زال فيه كثير من الاستمرارية والالتباس. هاجس مراعاة التوازنات الداخلية، جعله أسير التوفيق بين الموروث وبين ما يحمل بصمته.
فكان أن انتهى إلى اعتماد خط يجمع بين التجريب والمجازفة، المفتوحة على التراجع والتبديل. العملية العسكرية الواسعة التي دشنت استراتيجيته في أفغانستان، تندرج في هذه الخانة. كذلك هو حال الحملة التي تقودها إدارته لفرض عقوبات جديدة على إيران.
الهجوم على معقل طالبان في منطقة مرجة، والتي تعرف باسم «معاَ» جنوب أفغانستان، أول اختبار نوعي لإدارة أوباما في حرب أفغانستان. لذلك تمّ حشد قوة هائلة له، كي لا يكون هناك مجال للفشل. أو حتى لأقل من حسم قاطع، في حدود المنطقة المستهدفة بالتمشيط. فذلك هو الأساس والمفتاح. العجز عن انجازه يطيح بالخطة كلها.
بل بما بقي من رصيد أوباما. لكن حتى لو تيسر تحقيق الهدف العسكري ـ وربما تحقق، خاصة وأن معظم قوات طالبان تتراجع إلى ما وراء المنطقة حسب ما تتحدث التقارير ـ فإن العناصر الأخرى للاستراتيجية الجديدة، وباعتراف العديد من المراقبين الأميركيين، قد لا تكون طريقها سالكة. بل قد تكون مهدّدة، على الأرجح. استمالة المدنيين الأفغان، ليست مهمة سهلة. لاسيما في ضوء الإهمال الذي عانوا منه طوال سنوات الحرب.
كما في ضوء سقوط عدد كبير من الضحايا في صفوفهم، خلال الأيام الأولى من الحملة، نتيجة القصف الجوي الأميركي. أيضاً استمالة بعض من طالبان، بعد قصقصة جوانحها العسكرية، كما تأمل الحملة؛ مراهنة أقرب إلى المقامرة.
على الأقل في حدود المعطيات والخلفيات المعروفة. كذلك، إعادة الحضور الرسمي إلى المنطقة، مسألة غير مضمونة؛ في ضوء السمعة الملطخة لحكومة كابول وغيوم الفساد الحائمة فوقها. ناهيك عن الملابسات التي أحاطت بانتخابات الرئاسة التي انتهت بالتجديد للرئيس قرضاي.
حضور هذه الجوانب، وافتقار كابول كما قوات الناتو للرصيد المقبول؛ من شأنه عرقلة استتباب الأمور بالاتجاه المطلوب. وقد صدرت تحذيرات من دوائر ومراجع أميركية كثيرة، تلفت إلى مدى المجازفة في مثل هذه المراهنات.
والخطر، كما يرى هؤلاء؛ أن التعثر وعدم القدرة على تمكين حكومة كابول من بسط نفوذها على المواقع المفصلية في البلاد، إن لم يكن على كافة أراضيها؛ يعني المزيد من التورط العسكري. حينذاك، لن يعود التراجع خياراً.
وفي ذلك خطر الغرق في تضاريس أفغانستان؛ وبالتالي في فيتنام أخرى. أو في عراق آخر، ما زال شبح تجربته حاضراً. النصر العسكري البحت، حتى لو تحقق، من دون تسوية سياسية؛ لا يكفل للرئيس أوباما توليف المخرج الآمن للانسحاب من أفغانستان.
ومثل هذه التسوية، عناصرها، في مهب الريح؛ بأحسن الأحوال. قراره بالتصعيد، قبل حوالي شهرين، كانت ولادته أصلاً، تعبير عن مأزق. حاول إرضاء الصقور والمتخوفين، في آن. فانتهى في غير ما طرحه.
«صوّتنا للسلام لكن انتهينا في الحرب»، يقول ناشط بارز من مؤيدي الرئيس. جملة، تعكس، إلى حدّ بعيد؛ أزمة خيار التصعيد، كمدخل للخلاص من ورطة أفغانستان. في نفس المجازفة، ولو بعواقب أخف؛ تندرج محاولة الإدارة فرض عقوبات مشدّدة على إيران.
الخشية التي يرددها فريق كبير من المحللين؛ أن الإدارة قد تفشل في تحقيق الإجماع اللازم في مجلس الأمن. الصين، ما زالت خارجة؛ حتى اللحظة. وليس ما يشير إلى تغيير موقفها. الخطوات غير الودية التي اتخذتها واشنطن مؤخراً إزاءها، تحملها على التشدد. وحتى لو صدر قرار في مجلس الأمن؛ فليس ما يضمن فعاليته وقدرته على حمل إيران على صرف النظر عن برنامجها النووي.
والتجارب، ترجّح ذلك. إدارة أوباما، بتذبذبها وتراجعها عن مشروعها وتهيّبها للتحديات التي تتطلب «قيادة وزعامة»، كما يقول بريجنسكي، وجدت نفسها تنتقل من مأزق إلى آخر.
فيكتور شلهوب
