بحسب نتائج الانتخابات للكنيست الثامن عشر (التي جرت أوائل العام المنصرم)، ثمة خمسة أحزاب كبيرة، اثنان منها حصلا على أكثر من عشرين مقعدا (كاديما والليكود)، وثلاثة أحزاب حصلت على أكثر من عشرة مقاعد (إسرائيل بيتنا والعمل وشاس).

وهذه الأحزاب الخمسة تعبر عن التباينات السياسية والإثنية والاجتماعية في المجتمع الإسرائيلي، فحزب إسرائيل بيتنا يضم اليهود القادمين الجدد من دول الاتحاد السوفييتي (السابق)، في حين يضم حزب شاس اليهود الشرقيين. وبينما يحسب الحزب الأول على التيار العلماني، يحسب الثاني على التيار الديني.

أما بالنسبة لحزب العمل فيعتبر أقرب إلى تيار الاشتراكية الدولية، برغم دعمه لليبرالية الاقتصادية، وهو يميل إلى دعم عملية التسوية مع الفلسطينيين، لكن من منظور الحفاظ على يهودية إسرائيل. في مقابل ذلك يعتبر حزب الليكود داعما لليبرالية الاقتصادية، ومعارضا للتسوية مع الفلسطينيين. وبديهي فإن حزب كاديما هو اقرب إلى حزب العمل منه إلى الليكود في مختلف المنطلقات السياسية والاقتصادية.

وبشكل عام فإن هذه الأحزاب، في مجال التسوية الفلسطينية، تجمع على رفض حق العودة للاجئين، إلى بيوتهم وممتلكاتهم في إسرائيل، ورفض الانسحاب من كامل أراضي الضفة المحتلة عام (1967)، وإيلاء أمن إسرائيل أولوية في أية تسوية مقبلة، إلا أن ثمة فوارق فيما بينها بشأن قضايا التسوية الأخرى (القدس والمستوطنات والحدود). ويمكن تبين ذلك في الجوانب التالية:

القدس: يرفض الليكود بشكل مطلق الانسحاب من القدس الشرقية، بينما يلمح حزب كاديما إلى إمكان ذلك، لكن ليس فيما يتعلق بمنطقة البلدة القديمة. أما حزب العمل فيدعو إلى إبقاء «الأحياء اليهودية» تحت السيادة الإسرائيلية، والأحياء العربية تحت سيادة السلطة الفلسطينية، مع إقامة نظام خاص لإدارة منطقة البلدة القديمة، باستثناء الأماكن المقدسة اليهودية.

مثل حائط البراق (المبكى)، التي يعتبر أنها ستبقى تحت سيادة إسرائيلية (وفي مفاوضات كامب ديفيد 2 لعام 2000 طرح حزب العمل مطلب سيطرة إسرائيل على ما تحت الحرم القدسي الشريف مقابل سيطرة الفلسطينيين على سطحه(!) في سابقة غريبة وفريدة في نوعها). وبينما يتشدد شاس في التمسك بوحدانية القدس تحت السيادة الإسرائيلية، يبدي حزب إسرائيل بيتنا مرونة في هذا المجال.

الحدود والأراضي: يعارض الليكود أي انسحاب من أراضي الضفة المحتلة، ويتمسك بوحدانية «ارض إسرائيل»، وهو مستعد فقط لمنح الفلسطينيين سلطة حكم ذاتي على البشر، من دون الأرض، وإن أبدى مؤخرا استعدادا للانسحاب من جزء من هذه الأراضي لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، على أن تعترف بيهودية إسرائيل، وبإنهاء الصراع معها.

وبالنسبة لحزبي كاديما والعمل فيبديان استعدادا للانسحاب من معظم أراضي الضفة، ماعدا المناطق الأمنية والكتل الاستيطانية، على أن يتم منح الفلسطينيين أراضي مقابلها، بعد الاتفاق على نسبة التبادل ونوعيتها، لإقامة دولة فلسطينية.

جدير بالذكر أن هذا التوجه لا ينم عن تحولات تتمثل بالاعتراف بحق الفلسطينيين بتقرير المصير، بقدر ما ينمّ عن الرغبة في التخلص من «خطرهم» الديمغرافي، ولتعزيز طابع إسرائيل كدولة يهودية.

وهذا ما بدأه كاديما بالانسحاب من قطاع غزة (2005). وكان ايهود اولمرت (زعيم كاديما ورئيس الحكومة السابق) حاول تطبيق خطة الفصل في الضفة ولكن التطورات لم تمكنه من ذلك. وبالنسبة لحزبي شاس وإسرائيل بيتنا فليس ثمة موقف نهائي لهما في هذا المجال، وموقفهما هو رهن بالائتلاف الحكومي والتطورات السياسية الداخلية والخارجية.

المستوطنات: بينما يتمسك حزب الليكود بالمستوطنات، بالنظر لمعارضته الانسحاب من الضفة، فإن حزبي العمل وكاديما يطرحان امكان ضم الكتل الاستيطانية، لاسيما المجاورة للقدس، إلى إسرائيل. وفي مسألة الأنشطة الاستيطانية يبدو حزب شاس أكثر تشددا من حزب إسرائيل بيتنا في هذا المجال.

وتفسير ذلك أن طرح حزب إسرائيل بيتنا لا يقتصر على مجرد تبادل أراض، وإنما هو يقترح أن يشمل ذلك تبادلا سكانيا معهم، بحيث يجري إخراج منطقة المثلث من نطاق المواطنة الإسرائيلية؛ ما يفصح عن عنصرية هذا الحزب ويكشف مخططاته المؤسسة على «الترانسفير» للعرب في إسرائيل.

أيضا، ثمة أحزاب إسرائيلية أخرى مستقطبة إما لصالح الليكود، أو لصالح حزبي كاديما والعمل، برغم من كونها محسوبة على أقصى يمين أو أقصى يسار التيارات الإسرائيلية الرئيسية. ومثلا، يمكن احتساب تكتل «البيت اليهودي (المفدال سابقا) + الاتحاد الوطني (سبعة نواب في الكنيست)، محسوبا على حزب ليكود، بل إنه أكثر تطرفا منه في عدائه للتسوية مع الفلسطينيين من مختلف جوانبها.

بالمقابل يمكن احتساب حزب ميريتس (يساري علماني)، وهو على يسار حزب العمل، مؤيدا على طول الخط لعملية التسوية مع الفلسطينيين (له ثلاثة مقاعد في الكنيست). وبين هذا وذاك ثمة حزب «يهوديت هاتوراه»، وهو حزب ديني للغربيين (خمسة مقاعد في الكنيست)، وليس له مواقف واضحة من عملية التسوية.

إضاءة

يدل هذا العرض على تعقد صنع القرار بشأن عملية التسوية مع الفلسطينيين، لاسيما أنها تفترض من إسرائيل، أولا، تعيين حدودها الجغرافية والسياسية والبشرية. ثانيا، هذه العملية تتطلب من إسرائيل القيام بمراجعة بعض أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الذي تأسس على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، ومحوهم، أو تغييبهم، من الزمان والمكان، بدعوى مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

ثالثا، ليس ثمة ما يضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة، فالمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع استيطاني ومؤدلج، بالصهيونية وبالأساطير التوراتية، أيضا ليس ثمة في موازين القوى أو المعطيات العربية والدولية ما يضغط على إسرائيل في هذا الاتجاه إلى الدرجة اللازمة.

ماجد كيالي