الديمقراطية.. ليست شعارات، كما يفهمها البعض، وليست كثرة أحزاب وصحف ومجلات وقنوات تلفزيونية، لا يعرف احد كيف وُجدت، ومَن يقف وراءها.. كما لا تعني الديمقراطية مجرد انتخابات، تعتمد غالبا على الشخص أو الطائفة أو القومية، وعلى قوة السلاح أيضاً!
وفي الدول المتقدمة، تعرف الديمقراطية على أنها نمط سلوكي للمجتمع، يتم بناؤه مع نشوء الفرد، واحترام حريته وإرادته، وتنمية شخصيته باتجاه التعاون والتكامل مع الآخرين، وليس تسقيطهم، لصالح شخص أو فئة ما.
وبالتالي يكون التنافس الحر بين آراء وأفكار وأيديولوجيا تصب في خدمة المجتمع ككل، وليس تغلّب البعض على الآخر، لمصالح فئوية، وبالتالي لا تكون الديمقراطية نقيضاً للحرية، فتلغي نفسها بنفسها، كما في العراق، وفي الكثير من دول العالم الثالث، والرابع أيضاً.
في العراق، أنشئ بعد الاحتلال، ما يسمى «الديمقراطية»، وفي اليوم الأول لسقوط بغداد، وبعد إطلاق يد «من يشاء» لنهب مؤسسات ومخازن وشركات ومعامل الدولة، وحتى المستشفيات التي انزل فيها المرضى عن أسرّتهم، لغرض الاستيلاء عليها، تحت أنظار، وبمباركة المحتلين، سمى بعض المراقبين ما حدث بـ «الديمقراطية الرثّة»، أو «ديمقراطية الحواسم».
ولأن بعض عمليات إفراغ مخازن الدولة الضخمة تحتاج إلى جهد اكبر من العمليات الفردية، فقد نشأت مجموعات منظمة للقيام بهذه العمليات، تبلورت فيما بعد لتصبح كيانات «سياسية»، أو اندمجت مع كيانات سياسية لكي تضمن لنفسها الحماية، وفي الوقت نفسه تقوم هي بحماية تلك الكيانات، وتنفيذ خططها.
وبما أن الكيانات، التي اصطلح على تسميتها بـ «السياسية»، لم تكن موجودة قبل الاحتلال، إلا ما ندر، من القادمين من الخارج، فقد نشأت، بدون أهداف، وبلا برامج، وبلا أي وضوح في طريقة تكوينها، وساعدت على ذلك مليارات الدولارات التي ضختها دولة الاحتلال، تحت بند «مشروع دعم الديمقراطية» في العراق.
ويرى المراقبون أن من الغبن القول بعدم وجود أيديولوجيا أو ديمقراطية، ولو كانت نسبية، داخل بعض الأحزاب والكيانات السياسية العراقية، وذلك يخص الأحزاب العريقة، التي لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة، إلا أن اندماج هذه الأحزاب في «العملية السياسية» التي يديرها الاحتلال.
وقبولها المساعدات من المحتل وحكوماته المتعاقبة، جعل «المال السياسي»، يرجّح فيها كفّة على أخرى لصالح برامج الجهة أو الجهات المانحة للمساعدات، والتي تتسلمها القيادات التي قبلت بها، مبررة فعلتها بأنها «لغرض البقاء والاستمرارية».
ويمكن القول، إن ذلك ينطبق على بعض الأحزاب العلمانية، إلا أن الأحزاب الدينية والطائفية غير مشمولة بمصطلح «الديمقراطية»، الذي لا تؤمن به، وتعبر صراحة عن ذلك، بأنها تؤمن فقط بما يوصلها إلى السلطة، وليس بالديمقراطية كمنهج وسلوك، يقترن بالحرية وبالعدالة.
والغريب، في الأمر، أن الاحتلال «الديمقراطي» كان له الشأن الأكبر في تنمية وتغذية النزعات الطائفية، والاحتراب الطائفي، لغرض فرض هيمنته، خاصة بعد هزائمه الشنيعة في معارك الفلوجة عام 2004، لذا لجأ إلى أسلوبه القديم في إشعال الفتنة الداخلية، مبتعداً كلياً عن الشعارات التي سبقت وتلت الاحتلال، والتي تدعي بأنه جاء لنشر الديمقراطية، مستعيضاً عنها فيما بعد بمصطلح «الديمقراطية التوافقية».
وخلال تجربتين انتخابيتين سابقتين، كانت الطائفية هي السائدة، ولا يمكن في أي حال من الأحوال وضع الطائفية والديمقراطية في خانة واحدة، ناهيك عن أن تلك الانتخابات جرت تحت تهديد السلاح وسطوة الميليشيات، وعصابات الجريمة المنظمة، التي تم دمجها بالمؤسسات الأمنية، فأصبحت الحكومة واجهة رسمية لتلك الميليشيات، ولم تنجح كل المحاولات اللاحقة لتنقيتها، ولو جزئيا.
ولما كانت الأحزاب الدينية، والطائفية خاصة، ضد فكرة الديمقراطية، فإن من المثير للشك والريبة أن تكون جزءاً من «العملية الديمقراطية»، إلا إذا كان الهدف من ذلك شيئا آخر، هو على الأرجح ميلها لفرض «دكتاتورية الأغلبية» الطائفية، التي تتيحها العملية الديمقراطية. على أن الكلام هذا كله، يقع في إطار الاستنتاجات لا غير..
لأن الأحزاب والكيانات المقررة مشاركتها في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والبالغ عددها قرابة الـ 300، لم تعلن عن أهدافها وأيديولوجيتها، ونظرتها السياسية القريبة والمستقبلية.
كما لم تعلن سببا لالتقاء أشخاصها الذين يبتعد احدهم عن الآخر في نمط التفكير، فيما عدا التوجهات الطائفية، التي تحولت حسب متطلبات المرحلة، وبعد وضوح الاشمئزاز في الشارع العراقي والأميركي من النهج الطائفي، إلى «المشروع الوطني».
ولكن بقي معظمها بالوجوه والقيادات نفسها، فيما التقت أطراف ليبرالية أساسا، ضمن مشروع وطني، بتوجهات مختلفة، ولكن ما يجمعها هو فشل المشروع الطائفي، ونفور الناخبين منه، من دون المساس بـ «المحرمات»، التي في مقدمتها إنهاء الاحتلال وإدانته، وتعويض العراق والعراقيين عن كل الأذى الذي أصابهم من جرّاء ذلك.
بغداد ـ عراق احمد
