العنوسة ظاهرة اجتماعية تعاني منها معظم المجتمعات العربية والإسلامية وقد فرضت حلولا في بعض الدول أثارت الكثير من الجدل منها الزواج العرفي والمسيار وكذلك المتعة وفي ليبيا اصدر المشرع من خلال قانون الأحوال الشخصية تشريعا يضيق الخناق على مبدأ تعدد الزوجات ولكن نظرا لتفاقم ظاهرة العنوسة وبحثا عن حل اجتماعي بادرت القيادات الشعبية في بعض المناطق أو بالأحرى العشائر إلى تمكين بعض القادرين ماديا إلى الزواج من أخرى دون موافقة الزوجة الأولى، الأمر الذي يعتبر مخالفا للقانون ولكنه يعتبر حلاً للمشكلة.
وللعنوسة أسباب أخرى في ليبيا ظهرت خلال الخمسة عشر عاما الماضية بسبب الحصار الذي فرض من قبل الغرب. وكان الزعيم الليبي معمر القذافي الذي يولي أهمية بالغة لموضوع «المرأة حيث نبه في عدة مناسبات إلى ضرورة توفير المناخ الأمثل «من اجل بناء أسرة متماسكة وسوية ومعالجة كافة الظواهر الاجتماعية».
نسبة مرتفعة
وقد وصلت نسبة العنوسة في المجتمع الليبي إلى 20 % من نسبة الشباب والفتيات خلال فترة التسعينات من القرن الماضي ومر المجتمع الليبي كغيره من المجتمعات العربية بتحولات لافتة فرضتها ظروف اقتصادية واجتماعية وعوامل خارجية أدت إلى تزايد حالات الطلاق وارتفاع نسب الإخفاق في الزيجات الحديثة، وارتفاع عدد العوانس وتأخر سن الزواج لدى الجنسين.
ويقول المشرفون الاجتماعيون أن المعطيات حول واقع الزواج والطلاق في المجتمع الليبي تحتم تناول الظاهرتين من خلال بحوث عميقة عبر جوانب اجتماعية وثقافية واقتصادية وصحية ونفسية وقانونية وحتى إعلامية..
كما يركز المشرفون الاجتماعيون على الجانب الاقتصادي من خلال التعرض لظواهر البطالة والفقر ومحدودية الدخل وعلاقتها بظاهرتي الطلاق والزواج. وارتفاع تكاليف الزواج والمبالغة في الحفلات، والمعاش الأساسي للمطلقات والأرامل ودوره في ارتفاع مؤشر الطلاق.
اسباب متعددة
وتقول الصحافية سالمة الشعاب عن ظاهرة العنوسة تعود إلى أسباب منها: غلاء المهور، وعدم قدرة الشباب على تحمل تكاليف الزواج.. امتناع الفتاة واعتذارها عن الزواج المبكر بحجة إكمال التعليم. ورفضها الارتباط برجل متزوج من أخرى..
إضافة للشروط التعجيزية من جهة أهل الزوجة للشاب المتقدم أو العكس. أما طرق حلول المشكلة فأرى انه ينبغي على أهل الفتاة البحث عن الرجل المناسب الذي يستطيع أن يسعد ابنتهم، ويحفظ دينها ويصونها.
وعدم النظر إلى غلاء المهر، وعلى الفتاة ألا تعتذر عن الزواج بحجة مواصلة التعليم، فيضيع عمرها وتصل إلى مرحلة العنوسة، فلا تجد من يتزوجها، ولكن يمكن أن تنفق مع الزوج على مواصلة التعليم وهي متزوجة.
وترى الدكتورة فايزة الباشا محامية ورئيس مركز حقوق الإنسان فى ليبيا ان التكاليف الباهظة وطلبات العروس العديدة، ومعظمها من الذهب الخالص، ترهق كاهل الشاب الراغب في الزواج منها، والتي تصر عليها في إطار منظومة من القيم الضاغطة وبالرغم من أنها أصبحت سببا في بروز مشكلة العنوسة فإن الكثير من الأسر لا تزال متمسكة بها، جعلت الشباب يتحاشى إتمام الكثير من الزيجات رافعا شعار «اتركوا بناتكم جنبكم»..
العادات والتقاليد
وتقول ان المجتمع الليبي ما زال يُفضّل زواج الأقارب حرصا منه على توارث العادات والتقاليد التي يسعى للحفاظ عليها، إضافة إلى الرغبة في عدم إنجاب أطفال يحملون عادات أو صفات أخرى غريبة على الأسرة، الأمر الذي يساهم بشكل كبير في تفاقم ظاهرة العنوسة؛ ولأن الفتاة يجب عليها أن تتزوج من ابن عمها، وأحيانا يكون ابن العم غير مستعد للزواج في هذا التوقيت، فتظل الفتاة محجوزة له فقط، وهولا يريدها، وهي لا تريده.
وبهذا تحرم من الزواج بغيره وتنضم لصفوف العوانس. ولكنها تُنبّه إلى ظاهرة خطيرة بدأت تطل برأسها على المجتمع لم تكن موجودة من قبل وهي عزوف الشباب عن الزواج؛ بسبب ارتفاع تكاليف ومتطلبات بناء أسرة جديدة، الأمر الذي أدى إلى تغير بعض المفاهيم لديه، فبعد أن كان الشاب يُفضّل الفتاة التي لا تعمل وتهتم بشؤون البيت والأسرة، صار على العكس يُفضّلها عاملة تُساعد في تحمّل مصاريف الحياة الزوجية.
محمد إبراهيم احمد مهندس يعمل في إحدى الشركات النفطية يرى أن المبالغة في طلبات الفتاة وأهلها هي التي أدّت إلى عزوف الشباب عن الزواج وبروز العنوسة، خاصة أن الشباب يُواجه مشكلات اقتصادية مُعقّدة نتيجة الأزمة المالية الحالية وارتفاع الأسعار وانتشار البطالة، مضيفا أنه فسخ خطوبته لعدم قدرته على تلبية طلبات العروس وأسرتها، وأنه يعرف شبابا كثيرين عجزوا عن إتمام الزواج مثله للسبب نفسه.
ويتفق معه عدد من الشباب بأن المغالاة في المهور، وطلبات الزواج منعت الكثيرين عن مجرّد التفكير في الارتباط، فكانت النتيجة الانصراف عن الأمر برمته. والحكومة الليبية وضعت منذ عام 2000 حلولا للظاهرة من خلال التيسير على الشباب سعيا للقضاء على الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمع من خلال إعطاء تسهيلات في مشاريع الإسكان والأولوية في الحجز كما أوعزت للمصارف بمنح قروض ميسرة للشباب لبناء منازل.
كما قامت العديد من منظمات وجمعيات المجتمع المدني وعلى رأسها جمعية القذافى للتنمية التي يترأسها نجل القذافي المهندس سيف الإسلام. وهو يتبنى منذ سنوات مشاريع ومشاكل الشباب وإنهاء مشاكل السيارات الخاصة بهم بإعطائهم الفرصة في الحصول على شقق سكنية في مشروعات الإسكان الشبابي.
كما أقامت عدة حفلات زواج جماعي في العديد من المدن خلال السنوات الثماني الماضية، وكانت وراء إتمام أكثر من 3000 شاب وفتاة، كما توفر الآلاف من فرص العمل فى الشركات التابعة لصندوق الإنماء الاقتصادي. وأيضا في الشركات الأجنبية التي بدأت تتوافد على البلاد في ظل الانفتاح الذي تشهده الجماهيرية.
الزواج الجماعي
جمعية واعتصموا للاعمال الخيرية التي تترأسها الدكتورة عائشة القذافي ساهمت بدورها في إقامة العديد من حفلات العرس الجماعي للفتيات والشباب في عدد من المدن الليبية وتأسيس منازل للشباب لتيسير أحوال هؤلاء الشباب من اجل بداية حياة زوجية سعيدة وبالتالي ساهمت مساهمة فاعلة في إيجاد العديد من الحلول العملية من اجل القضاء على تلك الظاهرة حاليا والتي بدأت ترى العديد من الحلول منها مساهمة الحكومة.
طرابلس ـ سعيد فرحات
