أما وقد بقي عام واحد على ممارسة شعب جنوب السودان لحق تقرير المصير؛ فما الذي يتوجب علينا أن نفعل؟ لا يرى المرء في الأفق إلا القليل الذي يدعو للتفاؤل ومع ذلك فإن الأسبوع فترة طويلة في السياسة، كما كان يقول رئيس حزب العمال البريطاني، هارولد ويلسون، فما بالك بالشهور.

في هذه الحالة، نتمنى على حكومة الوحدة الوطنية، التي جعل الدستور أول واجب لها تنفيذ الاتفاقية، الإيفاء بما كلفت بالإيفاء به.كما يتعين على طرفي الاتفاق اللذين تواثقا على الأمر إنفاذ ما تواثقا عليه، ولن يكون ذلك إلا بالصدق. على الطرفين، بادئ ذي بدء، معالجة كل المسائل العالقة، خاصة بعد اتفاقهما على مصفوفة لتنفيذها صدرت بقرار جمهوري في (ديسمبر 2007م). تلك المصفوفة مبسوطة لمن يريد المعرفة، أو يبتغي التدقيق في الأمور. فمن المؤسف حقاً أن يبتني بعض الناس أحكامهم على اختراص الحديث يقولون فيه ما يريدون، ومن بين هؤلاء المتخرصين قلة من أهل الصحافة، والصحافة صناعة تنوير لا تعتيم، وإضاءة لا إظلام. لا نقولن هذا الا لما لنا من ثقة لا تُحد في أهمية الصحافة في أي مجتمع ينشد البيان والتبيين، ولما لنا أيضاً من ود أخضر مع أكثر العاملين في رحابها. لايعنينا البتة، الدخلاء على المهنة الذين ينزغون الكلام من أجل تلقيح الفتن وإثارة الشحناء.

هؤلاء ينزغون كلامهم بين الناس كما ينزغ الشيطان وساوسه ليحض بها العباد على المعاصي. ولا يعنينا في شيء الذين ارتدوا ثياب الباحثين وأخذوا يصدرون الأحكام حول قضايا السلام والوحدة اعتمادا على التوهم، أو على ما يُلقى عليهم من وحي، دون تقص لأصل الأمر في مظانه، ومظنة الشيء موطنه الذي يُظَن أنه فيه.

على رأس تلك المظان الاتفاقية والدستور والقرارات الرئاسية ومع كل واحد من هذه الوثائق روزنامة تعين الباحث على التعرف على التواريخ التي حددها الطرفان لإنفاذ كل بند من بنود الاتفاقية، وليس هذا بعسير على الباحث الجاد.فالباحث الذي لا يقرأ المصادر الأولية ولا يستنطقها لا هو بباحث، ولا قُراب باحث.

ولعل هذا هو موقع مناسب للإشارة لمقال رصين لمصطفى البطل بعنوان «شريعة الوحدة وحقيقة الانفصال»(الأحداث 11 نوفمبر 2009م)، ومقال آخر لخالد التيجاني (الصحافة 24/12/2009م)أمسك فيهما الأول بالوعل من قرنيه، وذهب الثاني لوضع الصورة في إطارها المتكامل.هذا هو ما يترجاه القارئ من الكاتب الأمين.

في يقيننا أن جميع القضايا المرجأة أو المعطلة في اتفاقية السلام يمكن حلها إن لم يكن لتحقيق الوحدة، فعلى الأقل لكيلا يكون الانفصال انفصالاً غاضباً لا يترك لنا تفراجاً نتمكن عبره من رتق الفتوق، إلا إن كان المرغوب هو طلاق باين بين الجنوب والشمال لا رجعة فيه.

ولكن حتى في مثل تلك الحالات يقول الفقهاء أن الرجعة تجوز في الطلاق الباين بعقد جديد.ومن الخير أن يستذكر الذين قاموا بإنشاء ذلك الصرح -واتفاقية السلام صرح عملاق -ان الاتفاقية نفسها قد فطنت لإحتمال تقويضها من الداخل من جانب هذا الطرف أو ذاك.لهذا أوردت الاتفاقية نصين مهمين:الأول هو تضمين الاتفاقية في الدستور، والثاني هو إلزام الطرفين بحمل كل العناصر المكونة لهما على الإمتثال لما جاءت به الاتفاقية.

لإقرار الوحدة تبعات إن اختارها الجنوب، ولن يكون ذلك إلا إن أكمل طرفا الاتفاق، أو بالحري الطرف المتأبي عن، أو المرجئ، لإنفاذ الاتفاقية تطبيقها على الوجه الذي جاءت به. فالوحدة ليست حُلماً رومانسياً أو طلاً يسقط من السماء، كما ليست هي بُغية يتمنى الرجل أن يصير إليها.

الوحدة في ظل الأوضاع الراهنة هي الإنفاذ الكامل للنظام الذي أرسته اتفاقية السلام الشامل. ويُحسِن صنعاً الوحدويون الرومانسيون، أو أهل البُغى والأمنيات منهم، لو ساءلوا أنفسهم عن مقومات هذا النظام:ما الذي اكتمل منه وما الذي لم يكتمل، ومن هو المسئول عن إرجاء أو تعطيل اكتماله. بدلاً عن تكرار الحديث عن ضرورة الوحدة ككر الليل والنهار.

ولا شك في أن الطرفين أضاعا فرصة سانحة بعدم تمكينهم لمفوضية التقدير والتقويم (Assessment and Evaluation Commission) من أداء المهمة التي كلفتها بها الاتفاقية.

تقول الاتفاقية «يتم إنشاء مفوضية مستقلة للتقويم والتقدير خلال الفترة ما قبل الانتقالية لمتابعة تنفيذ اتفاقية السلام وإجراء تقويم في منتصف الفترة لترتيبات الوحدة» (الفقرة 2-4 من بروتوكول ماشاكوس).

هذه المفوضية ورد حولها، إلى جانب الاتفاقية، نص في الدستور (المادة 221) يقول:(1) ينشئ رئيس الجمهورية، بموافقة النائب الأول، مفوضية مستقلة للتقويم لتراقب تنفيذ اتفاقية السلام الشامل أثناء الفترة الانتقالية.

(2) تُجري المفوضية تقويماً في منتصف الفترة الانتقالية للترتيبات المتخذة بموجب اتفاقية السلام الشامل بهدف تحقيق الوحدة.

(3) يعمل طرفا اتفاقية السلام الشامل مع المفوضية أثناء الفترة الانتقالية لتحسين المؤسسات والترتيبات التي اتخذت بموجب الاتفاقية لكيما تجعل وحدة السودان جاذبة لمواطني جنوب السودان.

ورود النص حول تلك المفوضية في الباب السادس عشر من الدستور: «حق تقرير المصير لجنوب السودان» يبين العلاقة العضوية ما بين دورها وجعل الوحدة جاذبة.

خيار الوحدة

على أي، دعنا نفترض اختيار الجنوب للوحدة، أو سيكون هذا هو نهاية المطاف؟ الجواب كلا. فعلى الطرفين مثلاً الاصطلاح على دستور جديد إذ أن الدستور المؤقت الحالي تنتهي فعاليته بانتهاء الفترة الانتقالية.

ونقول من جانبنا، أن هذا الدستور، خاصة في نصوصه الدائمة، هو أفضل دستور يحكم السودان منذ الاستقلال. لهذا قد يتجه الرأي إلى مراجعات ضرورية لكيما يستوعب ما طرأ من أمور خلال إنفاذ الاتفاقية، أو ما أستجد من قضايا بعد توقيعها مثل مطالب بعض الأقاليم التي لم تشارك في صوغه.

هناك أيضا موضوع جيش السودان، خاصة إن لم يتم تكوينه على النحو الذي أقرته الاتفاقية، فكيف سيعالج الطرفان أمر الجيشين؟ وكيف يتم دمجهما؟ وإن تقرر الإبقاء عليهما فكيف يتأتى ذلك في ظل دولة واحدة؟ من جانب آخر ماذا سيلحق بالمؤسسات العسكرية التي أفرزتها ظروف الحرب إلا أنها ما فتئت قائمة بعد اتفاقية السلام مثل الدفاع الشعبي الذي قيل في تبرير وجوده أثناء المفاوضات أنه قد أنشئ بقانون تحت إشراف وزارة الدفاع ولهذا فهو خاضع لتلك الوزارة.

إن كان ذلك هو الحال فإن استمرار الدفاع الشعبي كجهاز يرعاه حزب، ولا يبالي ذلك الحزب أن ينسبه إليه، يتعارض مع ما نص عليه الدستور بأن يكون جيش السودان «قوة مسلحة نظامية واحترافية وغير حزبية (المادة 144(1).

ثم ما هو مصير الأجهزة الأمنية وأجهزة حفظ القانون التي لا تزال قائمة على الوجه الذي كانت عليه في العهد الشمولي، ولما يزل بعضها عسكرياً في تنظيمه، وتسليحه، وما يرتديه من ملبس.

على الرغم من أن الدستور كان واضحاً في التمييز بين أجهزة إنفاذ القانون كأجهزة خدمية، وبين الجيش باعتباره الجهاز العسكري الوحيد في الدولة الذي يُمكِّنه الدستور من حمل، والتعامل في، الأسلحة الثقيلة. هذه الأجهزة الخدمية لما تُفلح بعد كل نصوص الدستور في مدننتها (civilianization).

كما لم تفتطن في ممارساتها إلى النص الذي أوردته الاتفاقية والدستور الذي يقول: تؤدي الشرطة «واجباتها بكل حيدة ونزاهة وفقاً للقانون والمعايير القومية والدولية المقبولة» (المادة 148 (1)). الإشارة إلى المعايير الدولية لم ترد عبثاً، بل جاءت للحيلولة دون تطبيق معايير محلية لا تتوافق مع الدستور.

وفي هذا السياق نشير بتقدير خاص لموقف وزير الداخلية السابق عبد الرحيم محمد حسين ووزير الدولة أحمد هارون لقبولهما الحاف الحركة، عند وضع الدستور، على تضمين النص حول الطبيعة الخدمية للشرطة في ذلك الدستور. وأخيراً، ما هو الوضع بالنسبة لترتيبات اقتسام الثروة التي ستنتهي فعاليتها بانتهاء الفترة الانتقالية. كل هذه الأسئلة، من بين أخريات، تنتظر الجواب.

خيار الانفصال

رغم ما تقدم، ماذا لو اختار الجنوب الانفصال؟ الذين يحجمون عن التفكير فيما لا ينبغي التفكير فيه (Thinking of the unthinkable) لا يعيشون مع الناس على الأرض بل يعاقرون الأحلام ويتمنون أن يلازم الآخرون معهم تلك الرياضة البلهاء.

وإن كان عُقار الخمر هو خياره، كما تقول المعاجم، فلا خير ولا لذة في عُقار السياسة. حقاً، نحن لا نفكر فيما لا ينبغي التفكير فيه، وإنما نُعمِل العقل لاستشراف المحتمل. فقرار الجنوب بالانفصال، إن وقع، ستتبعه تحديات وأزمات، وستشتكل بسببه أمور.

بعض هذه التحديات سيقابلها الجنوب منفرداً، والبعض الآخر لا سبيل لمعالجته إلا بتوافق بين الطرفين. لذلك يتوجب علينا مقابلة التحديات كفرص وفي اللغة الصينية ليست هناك كلمة توازي كلمة أزمة تعبر عنها تلك اللغة بشارتين، الأولى بمعنى مشكلة والثانية بمعنى فرصة.

ومما يؤسف له أن اتفاقية السلام الشامل والدستور قد سكتا عن بعض المسائل الأساسية التي ستجابه الطرفين في حالة انفصال الجنوب.فالمادة الوحيدة التي أشرنا إليها آنفاً والتي تقول:«إذا جاءت نتيجة الاستفتاء حول تقرير المصير لصالح الانفصال فإن أبواب وفصول ومواد وفقرات وجداول هذا الدستور التي تنص على مؤسسات جنوب السودان وتمثيله وحقوقه والتزاماته تعتبر ملغاة» (المادة 226/10 من الدستور).

لبعض أهل السودان براعة فائقة في تأزيم أزماتهم أو التعامل معها وكأنهم في مناظرة مدرسية. طلعت علينا الصحافة بما دار في ندوة أقامها مركز دراسات المستقبل للتدارس حول آثار وتداعيات تقرير المصير (الصحافة 18 يناير).

ونحمد لذلك المركز اهتمامه بالقضايا المصيرية وحرصه على مشاركة ذوي الرأي من مختلف المدارس الفكرية، وقد أشرنا في مقال سابق (16) إلى بعض ما دار في الندوة الناجحة التي دعا لها المركز مع بعثة الأمم المتحدة بالسودان (UNMIS). هرعنا، إذن، إلى قراءة ما دار في تلك الندوة خاصة بعد إطلاعنا على أسماء المشاركين فيها، ومنهم ذوو الخبرة الواسعة في الأكاديميات والشئون العسكرية والدبلوماسية إلى جانب معقب مصري لم نسع إلى استكناه أمره بعد أن قرأنا ما قال. نعم، هرعنا إلى الإطلاع على أوراق الندوة علها تلقي إضاءة كاشفة على قضايا الوحدة والانفصال بكل تعقيداتها الراهنة وتداعياتها المستقبلية، أو تفسح أملاً للمواطن الذي يتمنى أن يبقى السودان موحداً برضى أهله، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

هروب وتهريب

اتسمت بالدون كيخوتية البحوث والتعقيبات التي تناولت القضايا السياسية والأمنية، وما أطلعنا عليه من تلك البحوث أو التعقيبات يبين أن بعض الباحثين لا يبالي ينقض أو يبرم الأحكام اعتمادا على افتراضات لا تثبت عند الفحص. أزمة هؤلاء هي الافتتان برؤاهم حتى وإن كانت رؤى لا غناء عندها.

لا غرابة في أن يقبل الحكاءون أو الشعراء على تناول قضايا الوجود كله، وليس فقط قضية رقعة من الأرض في ذلك الوجود، ابتناء على الرؤى الذاتية والأحلام والتوهمات. فالشعراء والحكاءون يعيشون في عالمهم الذي تختلط فيه الحقيقة بالخيال، والوعي باللاوعي، والسمادير بالكائنات الحية. الواقع عند هؤلاء هو ما تعكسه مخيلاتهم بحسبانها مرآة عقلهم.

ولكن عندما يُقْدِم باحث على إصدار حكم في قضية مصيرية تحت رعاية مؤسسة تستشرف المستقبل ببحوثها ودراساتها، وإن يفعل ذلك كمختص وأكاديمي، يتمنى الناس من ذلك الباحث بضع أشياء: أولاً تحليل الواقع ابتناء على المعطيات الموضوعية للقضية.

والمعطيات الموضوعية، في هذه الحالة، هي تلك التي أفرزها اتفاق ارتضى به طرفان:الاتفاق هو اتفاقية السلام الشامل، والطرفان هما الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني.ثانياً الإدراك لأن أي معالجة لأوجه القصور أو المثالب في، أو التداعيات التي نجمت، أو قد تنجم، عن، تطبيق تلك الاتفاقية لابد من أن يسبقه توصيف لهذه المثالب أو ذلك القصور، وتحديد من هو المسؤول عنه.

ثم الوعي بأن المعالجة لن تكون إلا في إطار المواعين التي حددتها الاتفاقية ما لم يتفق الطرفان على غيرها. ثالثاً أن المواعين المتاحة لمعالجة ما يشجر بين الطرفين من خلاف تتشاركها معهما عناصر خارجية كاد بعض الباحثين أن ينسب إليها كل بلاوي السودان الراهنة ألا وهي «القوى العظمى».

رابعاً، أي معالجة لتلك النواقص لن تكون كاملة إن لم تصطحب معها القوانين والمؤسسات والقيم المعيارية التي أرستها الاتفاقية لتحقيق تغيير جوهري في السودان هو ما يعرف بالتحول الديمقراطي، كما تصطحب ما نصت عليه من أن الأطر القانونية والدستورية التي أقامتها يمكن أن تصبح نموذجاً لحل المشاكل الأخرى الملتهبة في القطر مثل مشكل دارفور.

تجافي النقاش حول هذه القضايا، أو الصمت عنها، هو في أحسن حالاته هروب إلى الأمام، وفي أسوئها تهرب. ذلك التهرب أو الهربان مما يحدق بنا من مشاكل وتعليق تلك المشاكل على شماعة المؤامرات الخارجية يوحي بأن الدولة السودانية بخير «مما جميعه»، رغم أن هذه الدولة ليست أحسن حالاً مما كانت عليه دولة الدنمارك في قصة هاملت.

عن تلك الدولة قال الجندي مارسليوس (Marcellus) للأمير هاملت: «ثمة شيء فاسد في دولة الدنمارك» (Something is rotten in the State of Denmark ). فالدولة، مثل الكائنات الحية، قد تمرض أو تفسد أو تضوي إن لم يسعفها الطبيب المداوي، ومن اقدر على التطبيب من «ذوي الاختصاص».

لذلك صعقت كثيراً عندما تبين لي في تضاعيف بعض المداولات أن مشكلة السودان كلها ترتكز على:

(أ) استهداف القوى العظمى للشمال «مستعينة في ذلك بالجنوب»

(ب) أن الوحدة والانفصال ليسا خيارين توافق عليهما الطرفان بل أن الانفصال مؤامرة مدبرة.

(ج) أن الاتفاقية أعطت الجنوب أكثر مما يستحق مما يفترض معه أنه كان على الذين وقعوا الاتفاقية من الطرف الشمالي أن يمضوا في الحرب إلى ما لا نهاية، وتلك وصفة للإبادة الجماعية.

(د) أن قوة الجيش الشعبي وعتاده فاقا «كل التوقعات» دون أن يقول لنا توقعات من، ودون استذكار لأن رفض مفاوضي الحكومة بأن تتولى حكومة الوحدة الوطنية تدريب وتمويل الجيش الشعبي هو الذي قاد إلى النص التالي في الترتيبات الأمنية:

خلال الفترة الانتقالية يتعين تمويل القوات المسلحة السودانية والوحدات المشتركةالمدمجة من قبل الحكومة القومية بينما يتم تمويل قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من قبل حكومة جنوب السودان «بموافقة السلطة التشريعية في جنوب السودان».

«ووفاءً بهذا الالتزام، فعلى حكومة جنوب السودان توفير موارد مالية من كل المصادر المحلية والأجنبية والسعي إلى الحصول على مساعدة دولية. (الفقرة 21-1 (تمويل القوات المسلحة)

القول الجزاف

(ه) أن مطالب أهل دارفور ليست هي تلك التي وصفتها اتفاقية أبوجا (لا مشاكوس أو نايفاشا) بأنها مطالب تعبر عن ظلامات تاريخية، وإنما هي، كما قال أحد الباحثين، تعبير عن «بروز أقليات عرقية» تتطلع إلى الحكم الذاتي.ولا ندري ما الذي يعنيه تعبير الأقلية العرقية في بلد يقول دستوره في أول بند فيه:«جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، وهي دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات، وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان».

(و) أن القوى العظمى تريد السودان أن يصل إلى أسوأ أوضاعه وأن يكون المؤتمر الوطني في اضعف حالاته. ولا شك في أن صاحب هذه النظرية يفترض أن الشمال هو المؤتمر الوطني، أو الجنوب هو الحركة الشعبية. كلاهما جزء من كل فيه قوم متشاكسون.

ومن المتشاكسين أقوام وزعامات ما فتئت تستنجد بالقوى العظمى متى ما وفد مندوب إلى الخرطوم، أو قادها السير إلى عواصم تلك الدول، علها تعينهم على تحقيق ما وعدتهم به الاتفاقية من تحول ديمقراطي. لهذا ففي الزعم بأن القوى «الخارجية» تتربص بالشمال، لا بالمؤتمر الوطني، زلل كبير.

فالمؤتمر الوطني، أو بالحري الجبهة القومية الإسلامية (الإنقاذ) هي التي جاهرت في بداهة عهدها بوعيد تلك القوى: «أمريكا/روسيا قد دنا عذابها**علي إن لاقيتُها ضِرابُها»، والضِراب مغالبة ومباراة. هذا فقط للعلم، والعلم نور.

كما أن المؤتمر الوطني الذي تستهدفه هذه القوى العظمى هو الكيان السياسي الذي يشتد توقه، كما يشتد توق شريكه، إلى لقاء الجنرال سكوت غريشن ممثل «القوى العظمى» حتى يعينهما على الوصول إلى طريق قاصد.

(ز) أن الاتفاقية قد وفرت للجنوب الفرصة لكيما يضرب الشمال (الشمال كله) تحت الحزام. قال الباحث قوله هذا دون أن يبين للناس من أي فقرة أو باب من الاتفاقية استنتج ذلك الحكم، وفي أي وتين بطني أو وعاء دموي ليمفاوي لجسم شمال السودان كان الضرب تحت الحزام.

الباحث الذي استوقفني تعقيبه هو الدكتور حسن مكي، وهو باحث لا تنقصه الجرأة، ولا الدراية بالشعاب، ولا طرائق الاستدلال. هو أيضاً باحث ما فتئ يخرج على قرائه بالمستطرف من كل شيء مستظرف.

من المستطرف انه كان هو الوحيد ممن شاركوا في تلك الندوة الذي توقع أن لا يقع انفصال. والانفصال لن يقع، في تقديره، لأنا قد أوفينا كل ما قالت به الاتفاقية حتى تصبح الوحدة أخاذة جذابة، أو لأن فيما تبقى من عمر الاتفاقية فرصة مواتية لإنجاز ما فاتنا إنجازه حتى تصبح الوحدة كذلك. على خلاف من هذا، لن يقع الانفصال في رأي الدكتور:(أ) لأن في الشمال تكتل بشري جنوبي كثيف يعتمد على الشمال في التعامل الاقتصادي والتفاعل اليومي ولا مناص له من البقاء في الشمال.

(ب) أن وجود دولة في جوبا لها علم وحدود أمر خاص بالنخب السياسية ولا يعني شيئاً لشعب «ولد ولادة مأزومة في رحم ممزق»، كما أن النشيد الوطني والأهازيج ستكون محصورة في عاصمة الاستوائية.

(ج) أن تلك النخب نفسها قد استهواها العيش في الشمال، «فما الذي سيصنعه خمسمائة من شاغلي المناصب الدستورية في الشمال أن عادوا إلى دولة لا توفر لهم نفس الوظائف والمخصصات والمنازل».

(د) أن «النظام الجنوبي لا يعرف الدولة بل القبيلة»، وضرب مثلاً بالنوير «الذين يعتقدون أن البترول من حقهم دون القبائل الأخرى باعتبار وجوده في مناطقهم». ليته استهدى بآراء ايفانز برتشارد، لأن آراء ذلك البريطاني العالم حول النوير كانت، على الأقل، منطقية في لا منطقها.

فاستمساك النوير ببترولهم لا يقل بحال عن استمساك المسيرية ببترولهم في حقول أبيي إذ لم يرد البتة في دعاواهم حول ذلك البترول أنه حق لكردفان بحمرها وبديريتها وجوامعتها، بل هو حق مكتسب لقبيلتهم ملكتهم له الاتفاقية.

منطق هدلستون

كم تمنيت من الله أن يكون صحيحاً حَدْس الدكتور البحاثة بأن الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال يرغبون في البقاء فيه لأن ذلك قد يلعب دوراً في ترجيح كفة الوحدة بافتراض تصويتهم لجانبها عند الاستفتاء.

كم تمنيت أيضاً أن يُفضِّل الدستوريون من الجنوبيين البقاء في الشمال، حباً في البقاء فيه، وليس لأن «المنازل والمخصصات» التي يوفرها لهم بقاؤهم فيه، لن يقدر الجنوب على تحقيقها لهم. كم تمنيت هذا لأنني لمست في قول «الاختصاصي» إيماءة لا تخفى على أحد بأن تلك الفئة ستُغلِّب المصالح النفعية العابرة على ما هو أسمى في تقديرها، أيا كان ذلك التقدير.

ويحزنني كثيراً أن أقول إن عدداً كبيراً من وزراء الحركة في حكومة الوحدة الوطنية وأعضاء البرلمان القومي آثروا ترشيح أنفسهم في الدوائر الجنوبية وليس في الدوائر القومية بالرغم مما توفره الخرطوم لهم من منازل ومخصصات.

هذا ما كان من ناحية تهافت الحكم الذي أصدره الباحث، أما من ناحية المنهج فقد أوقع الباحث نفسه في خطأ تقديري جسيم عندما حدد عدد الدستوريين الجنوبيين بخمسمائة، لم يقل بضع مئيين، أو عدداً كبيراً، أو حتى نسب الرقم لمصدر محدد حتى يُفسح لنفسه مجالاً لما يسميه الفرنجة بالإنكار المعقول (Plausible denialbility).

ويبدو أن الباحث أراد القطع واليقين حتى لا يكون لُبس، وكي لا يكون القارئ أو السامع من «الممترين».عدد الدستوريين من الجنوبيين في الحكومة القومية، بمن فيهم أعضاء المؤتمر الوطني، هم 5 مستشارون، و10 وزراء، و11 وزير دولة، و127 عضواً بالمجلس الوطني من الحركة الشعبية بمن فيهم 18 عضواً من النيل الأزرق وجبال النوبة و9 من الشمال لا يدخلون في الحساب.

كما من بينهم 8 أعضاء جنوبيين من المؤتمر الوطني و27 عضواً من الأحزاب الجنوبية الأخرى. لا يحتاج المرء لآلة حاسبة لكي يصل إلى أن عدد هؤلاء جميعاً يكاد يبلغ نصف العدد الذي أشار إليه الباحث ونيف. الخطأ في العد والإحصاء يتبعه بالضرورة، خطأ في النتيجة التي أسست على الأرقام.

وعلى كل، فقضيتنا ليست هي الجمع والطرح وإنما المجازفة بالأرقام في حساب أراد به صاحبه أن يكون هو القول الفصل.قد نقبل الجُزاف (والجُزاف لغة هو ما لا يعرف وزنه ولا عدده ولا كيله)من بعض الصحفيين الذين قلما يتوقف محررو الصحف التي يعملون فيها لمراجعتهم.مثال ذلك قولهم ستخرج غداً مسيرة مليونية، وكأن المليون نعت لا حصراً لعدد.ولكنا لا نقبله البتة من باحث جاد يصدر الأحكام الجزمية في قضية مصيرية.

ثم النخبة، وما أدراك ما النخبة التي ستزهو برفع العلم وتهزج بالنشيد الوطني في عاصمة الاستوائية. أو لا يرى الأستاذ الباحث أن في قوله ذلك هدلستونية غير مستحبة نحدثكم عنها في آخر المقال.

هدلستون هو القائل بان تفكير أهل الشمال في الحكم الذاتي هو أحلام جماعة من الأفندية تُصبح وتمسي في نادي الخريجين بأم درمان، لا شأن لهم براعي الضان في دار حمر، ولا الأبالة في أرض البطانة، ولا البقارة في جنوب دارفور، أو الهائمين على وجوههم في أرض البجة.

خاب ظن الباشا، فقد أثبتت تلك النخبة أنها هي التي تقود الناس حتى وإن انتهت بهم إلى بئر قل وَردَها، أو جبرت كسورهم على غير استواء مما حدا بنا للحديث عن إدمان تلك النخبة للفشل.آخر ما استظرفنا في مداخلة الباحث هي اعتباره الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال جزءً من النسيج الوطني، وكان آخر عهدنا به وصفهم، ووصف من هم «على شاكلتهم»، بالحزام الأسود الذي يطوق العاصمة.

وللسواد والبياض في السودان معنى غير ذلك الذي يعبر عن صفة الجسم من حمرة أو إبيضاض أو إسوداد هو حالة ذهنية.نسأل الله من بعد أن وقى صاحبنا العِثار وانقذه من العمى اللوني الذي كان يغشاه، أن يعينه على أن يخرج علينا بسفر جديد «حول فخر السودان على البيضان»، كما فعل منذ زمان صنو له أبى إلا أن يفاخر بسواد لونه: أبو عثمان الجاحظ.

ما هو المخرج؟

تُرى ما الذي يفيد السودان لحل واحدة من أكبر المعضلات التي تجابهه منذ الاستقلال من آراء لا تلقى بالاً للواقع الراهن، ولا تأخذ في الاعتبار أن كل سوداني يريد من «ذوي الاختصاص» حلولاً ممكنة التحقيق تعينه على تسور الأزمة التي تجابهه، وليس فقط «حواديت» ترضي الخيلاء الفكرية لأصحابها، إن كان في تلك «الحواديت» ما يبعث على الرضا.

لا ينتابني أدنى شك لو أنه قيل لهذا النفر من «ذوي الاختصاص» ما هي وصفتكم لمعالجة المشكل الفلسطيني لقالوا: «العودة إلى لاءات الخرطوم الثلاث وإقامة دولة فلسطين في الأراضي المحتلة وعاصمتها القدس وممثلها الشرعي والوحيد هو منظمة التحرير الفلسطينية».

لا يعنيهم في قليل أو كثير أن الأراضي المحتلة قد تقلصت بأكثر من النصف، وأن لاءات الخرطوم قد تلتها اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ومدريد، وأن أعلام إسرائيل ترفرف على سارياتها في أكثر من بلد عربي، وأن وحدانية حركة التحرير أصبحت محل نزاع بين أهل فلسطين أنفسهم، وأخطر من هذا أن الوسيط الأكبر لحل ذلك المشكل هو القوى العظمى».

أهل السودان اليوم يتطلعون إلى حل لمشكل لم يسبق أن قابلوا مثله في طوال تاريخهم المعاصر. ذلك حل لن يتأتى إلا بمجابهة الواقع، وابتناء الأحكام على الحقائق الشاخصة التي يُحَدد بها القياس، لا باضغاث من أفكار أو أحلام يعيي تفسيرها أبن سيرين.

كل تلك الأطروحات السياسية مع ما فيها من تخليط، تهون أمام ما جاء به المعقب المصري. قال المعقب، كما أوردت الصحف (وننقل بالحرف):*الجنوب لا يتمتع بالجدارة الاجتماعية، وهذا حكم قيمي في قضية سياسية تتعلق بمصير أكبر قطر في أفريقيا، بل هو حكم يتوافق تماماً مع ما كان يردده من قريب عهد دعاة الأبارثيد في جنوب إفريقيا وهم يصفون أغلب أهلها.

ــ أن تركيبه الحركة الشعبية تضم قيادات شمالية واغلب جنودها من جبال النوبة. أو لم يكن من الأجدر بهذا الاختصاصي الإلمام بأبجديات السياسة السودانية قبل التقحم على إصدار الأحكام القطعية حولها.

ــ أن المواطنين الجنوبيين في الشمال لا يرغبون في العودة للجنوب، دون أن يقول لنا الباحث من أين له هذه المعلومة.

ــأن دولة الجنوب لو قامت لن تعترف بها الدول وسيكون مصيرها مثل مصير جمهورية الصومال.

لئن غفرنا لهذا الباحث جهله بعموميات الواقع السوداني، ناهيك عن تفصيلاته، يَعسُر كثيراً علينا أن نغفر له هذا الحكم القطعي فائق الحموقة.نشك كثيراً في أن ذلك الباحث قد اطلع قبل شد الرحال إلى السودان على ما أعلنته حكومة مصر عن استعدادها لقبول قرار أهل الجنوب، أياً كان ذلك القرار.

ولا ندري ما الذي بقي له لكيما يقول بعد أن أعلن الرئيس البشير في يامبيو أن حكومة السودان ستكون أول حكومة تعترف بالنظام الجديد في الجنوب حتى يتبعها الآخرون، رغم أمله في أن تكون الوحدة هي خيار أهل الجنوب. الذين يرتكبون مثل هذه الحموقات من حقهم علينا أن لا نتركهم إلا بعد أن نجعل منهم كثيباً مهيلا.

نعود إلى موضوعنا لنقول من الواضح أن الدولة الجديدة في جنوب السودان ستخلق لغيرها، كما ستجابه هي نفسها، عديد المشاكل.تلك المشاكل تتطلب تركيزاً في المقاربة، ونأياً تاماً عن الانفعال العاطفي، وحكمة في إتخاذ القرار.

ينبغي أيضاً ان لا نُصدر الأحكام وفق ظنون وانطباعات ذاتية مثل القول بأن ليس للجنوب مقومات لإنشاء دولة مستقلة في موطنه. هذه نظرية هدلوستونية (الجنرال هيوبرت هدلستون)حاكم عام السودان (1940م - 1947).لقد أنكر هدلستون باشا دعوة مثقفي الشمال للحكم الذاتي، وليس الاستقلال وهو يقول: «الطريق للحكم الذاتي طويل وشاق»، ثم أضاف أن «السودان في حاجة إلى عشرين عاماً للوصول إلى عتبة الحكم الذاتي».

نبؤة هدلستون كذبتها حقيقة مشهودة هي وصول السودان إلى عتبة الحكم الذاتي في 1953 وإعلان الاستقلال في 1/1 1956م، أي في أقل من العشرين عاماً التي تنبأ بها الباشا.

نقدر أن هناك افتراضات يكثر المخترصون على ترداد اثنين منهما، كما ستكون هناك تحديات كبرى نصطفي منها أربعة عشر تحدياً قد تنجم من قرار الانفصال أو من تداعياته.تلك الافتراضات والتحديات تستأهل منا التملي الجاد، ثم الإقبال الحكيم على معالجتها بحيث لا يكون الانفصال انفصالاً غاضباً.

لهذا يتعين علينا تحليلها تحليلاً موضوعياً حتى لا ننزلق في الأوهام.من تلك الافتراضات القول بأن الجنوب غير مؤهل لحكم نفسه بسبب تشققه الداخلي، أو انغلاقه الجغرافي، أو التنبؤ بأن الجنوب إن انفصل فلن يدوم انفصاله.السياسة هي تدبير أمور الناس وليست مرادفاً للأحلام، فالأحلام هي ما يرى الرائي في نومه، أو يشتهي أن يكون في يقظته، ولا تبنى الدول الجادة أبداً سياستها على الأحلام.