السودان....إلى أين المصير ؟ (15)

اتفاقية السلام بين المرجئة والمعطلة

صورة

في السياسة قد يسأل المرء أحياناً عن أمور من الخير أن لا يُسأل عنها، أو هي أشياء «إن تُبد لكم تسوءكم». وللصوفية في أدبهم العرفاني سؤال مناظر يبتغون به الخروج من أسداف الحياة المادية المظلمة إلى التجلي والإسفار في عالم الملكوت. يقول الصوفيون: «ماذا يمكن أن يكون لو أن ما لم يكن كان».

بعيداً عن عالم الملكوت نسأل نحن في عالم الناسوت: هل من الممكن لسياسي وطني في كامل وعيه أن يقرر إبطال، أو رفض تطبيق ممارسة شعب جنوب السودان لحق تقرير المصير؟ هناك أمثلة كثيرة في التاريخ السياسي السوداني تدفع لهذا السؤال. ففي نهاية سبعينيات القرن الماضي، وقبل أن يدير ظهره لاتفاقية أديس أبابا، تلكأ الرئيس نميري في تنفيذ نص هام في تلك الاتفاقية جاء فيه أن جنوب السودان يعنى «مديريات بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل وفقاً لحدودها في 1 يناير 1956 وأي مناطق أخرى مرتبطة ثقافيا وجغرافياً بالجنوب وفق ما قد يقرره الاستفتاء» (المادة 3/3).

تلك الإشارة ل «المناطق الأخرى» اقتضاها النزاع حول بعض مناطق من القطر كانت جزءً من الجنوب في 1/1/1956م إلا أنها أضيفت إلى المديريات الجنوبية على عهد الرئيس عبود. كما أن موضوع الاستفتاء الذي نصت عليه اتفاقية سلام الخرطوم لا يزال ماثلاً للأذهان.

في الحالتين، نظراً للطبيعة غير المحددة أو الملتبسة في الإشارة إلى الاستفتاء (Referendum) في الوثيقتين أضحى الاستفتاء استفتاء مستحيلاً (Neverendum).

هذه المرة لم تترك اتفاقية السلام شيئاً للصدفة سواء كان ذلك على مستوى جنوب السودان، أو المستوى القومي، أو المستويين الإقليمي والدولي.

فالاتفاقية احتوت على ضمانات عضوية مثل الولاية الكاملة لحكومة جنوب السودان على الإقليم الذي تديره، والجيش المستقل الذي حل محل القوات المسلحة السودانية بعد إعادة انتشارها بعيداً عن حدود جنوب السودان. وعلى المستوى الخارجي وُضِعت ضمانات لإنفاذ الاتفاقية من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، ضمن آخرين.

هذه الضمانات العضوية والخارجية لا يتجاهلها إلا مغامر سياسي لا يزن الأمور بميزان دقيق. لذلك، فإن التراجع عن الاستفتاء في مثل هذه الظروف هو حساب خاطئ للأمور إذ سيقود إلى واحدة من حالتين: العودة للحرب، أو الانفصال الغاضب. ولاشك في أن أي شخص يدفع بالسودان نحو ذلك الاتجاه لا يبتغي، عمداً كان ذلك أو بالتداعي، غير إعادة إنتاج المأساة السودانية وحمل السودان على العيش في كآبة دائمة.

بجانب ذلك فإن مشاكل السودان مع المجتمع الدولي ليست بالقليلة، كما أن سعيه لا يكل في الاستنجاد بمحيطه الإقليمي لتجاوز تلك المشاكل. المحيط الإقليمي هو أيضاً خط الدفاع الأول في معركة الإنفاذ الكامل لاتفاقية السلام الشامل، ليس فقط في أفريقيا جنوب الصحراء، بل أيضاً في مصر وليبيا اللتين أعلنتا وقوفهما خلف أي قرار يتخذه شعب جنوب السودان.

في وضع مثل هذا، من الحكمة أن يتناهى المرء عما يؤذيه، خاصة والسودان يقبع اليوم في حفرة مهما ظن المكابرون. ويقول الدرس الأول في قانون الحُفَر: إن أردت إنقاذ نفسك من حفرة أوقعتها فيها فأول ما ينبغي عليك أن لا تفعل هو المُضي في الحفر».

ولكن قبل أن نأتي على أمر الحفارين نشير إلى أمر أستدعى انتباهنا كما استدعى انتباه كثيرين هو حديث أحد صناع ماشاكوس. قال الدكتور غازي صلاح الدين لقناة النيل الأزرق في مطلع العام: «أن قانون الاستفتاء هو وصفة حرب».

غازي، بصرف النظر عن أنه هو أحد صناع البروتوكول الذي أقر حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بخياريه، هو أيضاً قائد في الصفوف المتقدمة في حزبه، كما هو رجل ذو مِرة، أي أصالة وإحكام في الرأي.

فعندما يقول في حواره أن طرفي الاتفاقية تلاقيا على العمل من أجل الوحدة فهو محق. ولكن عندما يقف بقوله عند ذلك الحد دون أن يشير إلى إصرار الطرف الآخر على أن تكون تلك الوحدة جاذبة لأهل الجنوب يفتقد الحديث مصداقيته، أي الدليل على صدقه.

ولو وقف الطرف الآخر بالحديث عن تلك الوحدة بإضفاء نعت «الجاذبة» - وهو نعت يفتح الباب للتأويل - لقبلنا رأي غازي. ولكن عندما تؤكد الاتفاقية على أن الوحدة لن تصبح جاذبة إلا بتحقيق نظام الحكم الذي أرسته اتفاقية السلام الشامل بكل عناصره التي أوفيناها حقها في المقالات السابقة يصبح السؤال: هل قام هذا النظام حتى نهاية عام 2007م عندما أعلنت الحركة انسحابها من حكومة الوحدة الوطنية؟ وإن كان قد قام فعلا فلماذا اضطرت رئاسة الجمهورية لوضع مصفوفة جديدة لإنفاذه؟

الوحدة الوطنية والقضاء

وقد فعلت ذلك، فما الذي تم منذ ذلك التاريخ لتحقيق تلك المصفوفة في مواعيدها المضروبة. نضيف، أن تلك المصفوفة لم تقف عند القضايا المتصلة اتصالا مباشراً بالجنوب بل شملت الوحدة الوطنية، استقلال القضاء، مهنية الخدمة العامة، مطابقة القوانين للدستور مما يعني أن الطرفين توافقا على أن اتفاقية السلام هي أداة تحول عميق وليست وثيقة تواطأ عليها طرفان لاقتسام الحكم فيما بينهما دون اعتبار لحقوق الآخرين.

وإن كان هناك من يظن غير ذلك فهو مخطئ، وممعن في الخطأ. من جانب آخر، فإن أي افتراض بأن الاستفتاء لتقرير المصير هو طريق ذو اتجاه واحد افتراض غير سليم، ليس فقط لأنه يقدم للجنوبيين خيارين، بل أيضاً لأن طرفي الاتفاقية قد اتفقا على الإجراءات الواجب اتخاذها إن وقع انفصال، وضمنا ذلك في الدستور (المادة 226 (10)). ولعل آفة السياسة السودانية منذ الاستقلال هي تغليب التكتيكات قصيرة الأجل، على الإستراتيجيات بعيدة المدى.

السودان أكبر بكثير من أن يسيطر عليه حزبان رغم أنف أهله، ناهيك عن أن ينفرد بحكمه حزب واحد إلى أبد الآبدين. لو أجاب الصديق مُحكم الرأي على هذه الأسئلة لإدراك الأسباب التي جعلت كثيراً ممن كانوا يؤمنون بالوحدة في يأس من تحقيقها. الذي حال دون كل ذلك هم الحفارون.

من هم الحفارون؟

دعونا نتذكر، ولو للحظة، أن واحداً من أهداف اتفاقية السلام الشامل هو منح فرصة أخيرة للوحدة. هذه الفرصة ستضيع للأبد إن أخفقنا في، أو تجاهلنا، إدراك الحقائق التي خلقتها الاتفاقية، وتلبثنا عند ظنون قُبِرت في نايفاشا حيث وصف الرئيس البشير الاتفاق عند ميلاده ب «الاستقلال الثاني للسودان، كما وصفه الراحل قرنق بـ «ميلاد الجمهورية الثانية للسودان».

لقد اتفق الطرفان مثلاً، على تعريف ذلك السودان بأنه «دولة ديمقراطية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش العناصر والأعراق والأديان».

(المادة الأولى من الدستور). بلد بهذه الأوصاف لا يمكن له أن يتوحد إلا من خلال الاعتراف الصادق بالتنوع وبكل انعكاساته والتزاماته، كما لا وسيلة لاستدامة حكمه إلا عبر الإرادة الحرة لشعبه. الاستجابة لهذه الاستحقاقات هي الثمن الذي ارتضى طرفا الاتفاقية أن يدفعاه وسعيا لإلزام كل السودانيين بالوفاء به. وما كان لهذين الطرفين أن يتوافقا علي ذلك إلا بعد اقتناعهما بأن تكلفة الحرب أضحت أكبر بكثير من تكلفة السلام.

يتساءل المرء، إذن، عما الذي يحمل طائفة الحفارين، ليس فقط على الظن بإمكانية القفز على الالتزامات التي فرضتها عليهم الاتفاقية، بل حتى على التفكير في ذلك الأمر.

ويصبح التساؤل أكثر إلحافاً عند ما نعلم أن تلك الاتفاقية لم تَعُد عهداً بين طرفين، بل هي الدستور الذي يحكم البلاد والذي أقسم الجميع قسماً غليظاً على احترامه، والله على ما يقولون شهيد. وفي الأثر: «اليمين الكاذبة تدع الديار بلا قِع».

يتساءل المرء أيضاً إن كان الذين يفعلون هذا هم قوم ارتضوا نكث العهود؟ أم هم حِكاكُ شرٍ، أي نزاعون إلى الشر؟ أو هم فئة استمرأت كل أمر كَلوفٍ فتنة بالمشقة؟ لا نظن ذلك. هي حالة نفسية كادت أن تكون لها أبعاد بسيكوباتية عند قلة استشرست ولا تبالي بالجهر بالاستشراس.

البسيكوباتية حالة تتيح للمصاب بها ارتكاب الجرائم دون شعور بالذنب، وتلك حالة يؤذي نفوسنا كثيراً أن نرى عليها نافذين في الحزب الشريك صنعنا معهم إنجازات كبرى من حقنا أن نباهي بها الأمم، كما لمسنا عند عدد ليس بالقليل منهم غيرة على الإسلام، والذي هو، في جوهره، دين صدق ومحبة وسلام.

فما الذي يحمل هؤلاء على تمثل أظلم (من الظلم أو الظلام إن أردت) ما في تاريخ الحكم الإسلامي من مثال.

ما دهاهم، مثلاً، حتى لا يستلهموا العمرين في حكمهم، بدلاً من تقفي سكة طاغية مريد مجنق الكعبة، أي رماها بالمنجنيق، وحاسب عباد الله على الشكوى والنجوى عندما قال إن الفتن تبدأ بالشكوى وتتم بالنجوى ولهذا أطلق على العباد عيونه وآذانه وزبانيته؟ هذا ليس هو طريق من اتجه إلى حق أو عدل.

لا نظلم الحجاج بقولنا هذا مثقال ذرة، إذ عنه قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز: «لو جاءت كل أمة بفرعونها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، فما كان ليصلح لدنيا أو أخراه «.

سماء السودان

ثم ما الذي يحملهم على الظن بأنهم وحدهم هم الذين أراد لهم الله أن يسجلوا السطر الأخير في تاريخ الإسلام، وكأن السودان حديث عهد بذلك الدين. لا نُعلِّم أحداً جديداً إن قلنا أن لذلك الدين وارثين تستند سماء السودان على قباب أبائهم وأجدادهم.

هؤلاء الحافظون ومن تبعهم بإحسان ما فتئوا يطأون برفق على دينهم المتين وكأن كل واحد منهم شافعي في زمانه دون أن يتمذهب على ذلك الإمام العلامة.

قال الشافعي: «ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ، ثم ما كلمت أحداً وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لسانه أو لساني».

ثم ما بالهم يوحون في كل تصرفاتهم أن الله قد كتب عليهم وحدهم الجنة دون عباده، بصرف النظر عن كل ما يفعلون ويسلكون من مسالك لا تنفج بهم إلى مَحجة وكأنا بهؤلاء لم يقرأوا سيرة عمر رضي الله عنه الذي قال، مع كل صفاته المائزة وتبشيره بالجنة : «لو أذن مؤذن يوم القيامة أن كل الناس سيدخلون الجنة إلا واحداً لقلت أنه عمر بن الخطاب». وفي النهاية، أي سعادة أو قوة تلك التي يتمتع بها أي حاكم يريد لشعبه أن يعيش أبداً في جبن هالع يحمله على التسبيح بحمده حتى في مواقع الذم.

على الذم جاءوا مجمعين وحالهم

من الخوف حال المجمعين على الحمد

لا نريد أن نقول إنها جاهلية بعد إسلام، إذ حقيقة الأمر أن هذه الفئة التي أضحت ذات عزيمة لا ترد في قهر الآخرين مستخدمة في ذلك كل أدوات القهر التي ابتدعتها «دول الاستكبار» لا تنطلق فيما تفعل من دوافع دينية أو رؤيوية، بل من الشهوة العارمة للحكم المطلق.

وفي مقال سابق (الأخبار 25 يوليو 2009م) أشرنا إلى أن الذي يمارس الحكم المطلق زماناً طويلاً يصعب عليه أن يرى لذلك الحكم بديلاً، بل يصاب في نهاية الأمر بدائين يَعضلا على أمهر النطاسيين: الغطرسة تجاه الآخر، وتبلد الأحاسيس نحوه.

وفي مقال آخر (الرأي العام 25) قلنا أن «كنكشة» هؤلاء في الحكم المطلق قد تكون بسبب «الخشية من كشف ظورهم وحسابهم على ما مضى» مما يجعل من الغطرسة الخارجية تعبيراً عن ضعف داخلي متمكن.

نحن هنا أمام أزمة حقيقية، فرغم أن الحركة ما تركت مجلساً في الداخل والخارج إلا وأكدت فيه أنها قررت العفو عما أرتكبه الطرفان من فعال وتركه خلف ظهريهما، بل ذهبت خطوة أبعد من ذلك عندما قال رئيسها الحالي في الذكرى الثالثة لاتفاقية السلام بمدينة واو: «لقد ارتكبنا أخطاء شنيعة ضد شعبنا في زمن الحرب وعن تلك الأخطاء أعتذر أمامكم وأتمنى أن يفعل الآخرون هذا».

ورغم أن القوى المعارضة للنظام نادت، هي الأخرى، بالتعافي المشترك وكان للصادق المهدي مبادرات في هذا الشأن، ألا أن «العفو لا يكون إن لم تسبقه توبة صادقة عن الفعال التي أوجبته. والتوبة الصادقة لا تكون إلا بطهارة الخاطر، ولو أنصف هؤلاء من أنفسهم لكان غيرهم أرفق بهم». هذا ما قلناه بالأمس في الرأي العام (7 أبريل 2007م)، ونستعيده اليوم.

ملازمة الفروة والركوة

المضي في الاتجاه نفسه من جانب الحفارين يوحي بأن تلك الفئة لا تزال عازمة على الحكم المطلق وإقصاء الآخرين، إلا من تاب منهم وأناب وقبل ما كان يسمى ملازمة «الفروة والركوه» على عهد الخليفة عبدالله. هذا أمر يستحيل في عهد اتفاقيات حقوق الإنسان وسنأنة الإعلام (نسبة إلى CNN) وما أفرزته السنأنة من وعي كوني. ومن المذهل أن يكون النموذج الأمثل في الحكم الذي استجاد الحفارون تطبيقه هو نموذج الدولة البلشفية.

ذهبت تلك الدولة إلى الهيمنة على كل شيء: الأجهزة السلطانية، القوى الضاربة، الاقتصاد، الثقافة، الأمن حتى تقيم جنة الله في الأرض. ذهب الحفارون إلى سلوك نفس النهج حتى ينال أهل السودان الحسنيين، جنة في الأرض وأخرى في السماء، أو ليس الشعار لا يزال: «هي لله، هي لله، لا للسلطة ولا للجاه».

استعلاء الحفارين على الناس بملك مغصوب لا يورث أحداً علواً في الدنيا أو الآخرة، «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين». دعونا لا نخادع بعضنا بعضاً: الحفارون هم أوليغاركية لا تريد فقط اختطاف الحكم واستدامته لحسابها، بل أيضاً اختطاف حزبها نفسه.

وعلى مدى التاريخ اتسمت الأوليغاركية بصفتين: الأولى هي الحكم الاستبدادي (tyranical rule)، والثانية استبعتباد البشر (people?s servitude)، ثم الظن بأنها تفعل ذلك لخير أولئك المستعبَدين. هذه الأوليغاركية لا تفيد حزبها، ناهيك أن تفيد السودان إذ كلما تمترست في مواقعها زادت قابليتها للضغوط، وكلما تمادت في الرهبوت انقطع عنها الرحموت.

لاهوت الارهاب

للكاتب والدبلوماسي المكسيكي أوكتافيو باث (حاز على جائزة نويل في الأدب عام 1990) وصف رائع لهذه الظاهرة عند البلاشفة الذين سايرهم فترة قصيرة في شبابه لظنه أنهم حفظة الماركسية ثم هجرهم. قال: «بدأت الماركسية كنقد للسماء أي لما أسمته أيديولوجيات الطبقات البراجوازية.

لكن اللينينية المنتصرة حولت هذا النقد إلى لاهوت إرهابي إذ هبط الفردوس الأيديولوجي إلى الأرض متنكراً في قناع اللجنة المركزية وأعاد التوتر الدرامي بين الحرية وما أسموه الحتمية الاجتماعية.

ومثل العناية الإلهية المسيحية كشف التاريخ عن نفسه من خلال رموز مثل «الظروف الموضوعية» و«الموقف التاريخي» «أطفال الطين» (Children of the Mire). ولعلنا نعرف جميعاً إلى أين انتهت دولة اللاهوت الأرضي. دعنا نفترض أن الفرصة واتت هذه الأوليغاركية لكيما تتحقق لها رغائبها جميعاً.

من هذه الرغائب، دون شك، تنحية الطرف الآخر في الاتفاقية جانبا عن المشهد السياسي السوداني، حتى يكون للحفارين الأمر كله. ودعنا نفترض صحة الظنون التي إستبدت بتلك الجماعة ومنها أن كل القوى المعارضة لها في الشمال قد أصبحت لَغواً، أي سقط متاع لا ينفع حتى في حساب البيع أو الدية كما يقول الفقهاء.

فما الذي هم فاعلون بالسودان، أو بالأحرى بما بقي من السودان؟ من بؤس التفكير أن يتوهم واهم بأن السودان الذي سيرث هو جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، ففي السودان مشاكل لا يُبِطلها إنكارها.

في دارفور يحتدم صراع دامي. وفي جبال النوبة والنيل الأزرق لا يزال لأهل المنطقتين رأي حول الاتفاقية. وإلا فلما طالبتا بالمشورة الشعبية حول الأوضاع التي ألزمتهما بها اتفاقية السلام الشامل.

وفي الشرق والغرب أصوات تعلو ولا تنخفض مطالبة بالوفاء بما تم التوافق عليه في اتفاقيتي أبوجا وأسمرا. وحتى في أقصى الشمال الذي لقي منذ مؤتمر الخريجين حظاً أكثر من غيره في التعليم، والإدارة، والسياسة، والحكم، أجهر النوبيون بالكلام عن خصوصيتهم الثقافية.

كل هذه الارتعاشات تعبر، في حقيقة الأمر، إما عن حيف وقع ببعض تلك الجماعات، وما وقع حيف إلا سُل سيف، وإما عن غُبن دفين، وما أكثر الغبائن التي تحولت إلى هزات زلزالية.

هذا ما صنعناه بأيدينا

بعض هذه الهزات والارتعاشات كان له صدى دولي مثل تدخل مجلس الأمن تدخلاً صحبه وجود عسكري في دارفور، ثم تبع ذلك تدخل من الإتحاد الأفريقي في موضوع المحكمة الجنائية الدولية، ومبادرات لاهثة من مصر وليبيا وقطر للوصول إلى حل سلمي للمشكل.

ولئن وصمنا مجلس الأمن، كما يفعل بعضنا الفينة بعد الأخرى، بأنه أداة المستكبرين لفرض هيمنتهم على المستضعفين، فلا سبيل لنا لأن نَسِم الإتحاد الأفريقي ودول الجوار بأنها أدوات تتوسل بها الصهيونية، أو يتوسل بها الاستعمار الجديد والقديم، لتمزيق السودان، رغم أننا بطوع إرادتنا قد قبلنا على أنفسنا أن تلعب أميركا التي «دنا عذابها» دوراً في إنقاذ أنفسنا من عذاب صنعناه بأيدينا، ولم تصنعه هي. الذي لا يعي ما نقول عليه إعادة الأجزاء الأولى من هذا المقال.

أو هل قرأ الحفارون ما جاء به الذين استنجدنا بهم لعلاج قضيتي دارفور والمحكمة الجنائية الدولية؟

ففي تقرير لجنة الإتحاد الأفريقي حول دارفور جاء: «للحد الذي تعترف فيه اتفاقيات السلام بالحاجة إلى الاهتمام بقضايا التحول الديمقراطي والمشاركة في السلطة والثروة لمعالجة جذور المشكل تمثل هذه الاتفاقيات الإطار الضروري الذي يمكن ويجب أن يعيد النظام فيه صياغة حكمه». فإلى أين المفر إن كان هذا هو رأي المُنجِدين من ضغوط الخارج وعنافة الداخل؟

كل هذه المآزق التي يريد البعضُ أن يولجنا فيها قد تسورناها منذ يناير 2005 بالحكمة وحسن التدبير فانتهيا بنا إلى اتفاقية السلام الشامل. بدلاً عن الإذعان لبؤس التفكير، أو لا يخلق بنا أن نرتكن لحسن التدبير؟

فالوصول لاتفاقية السلام أكد أن السودانيين قادرون بأنفسهم على حل مشاكلهم الموروثة، طالما اتفقوا على تحديد جذور تلك المشاكل، بدلاً عن التذرع بأن المشاكل السودانية نتاج لمؤامرات حاكتها «أيد خارجية آثمة»، وطالما وفقهم الله لإدراك أن الصلح خير، وأكثر خيراً التصالح مع النفس. فاستهلال الاتفاقية وديباجة بروتوكول ماشاكوس تقولان:

«وحيث أن الطرفين يرغبان في تسوية النزاع الدائم في السودان بأسلوب عادل ومستدام عن طريق معالجة الأسباب الجذرية للنزاع وعن طريق وضع إطار للحكم يتم من خلاله اقتسام السلطة والثروة بصورة عادلة، وضمان حقوق الإنسان».

«وإذ يدركان أن النزاع في السودان هو أطول نزاع مستمر في أفريقيا، وأنه قد سبب خسائر مريعة في الأرواح ودمر البنى التحتية للبلاد، وأهدر الموارد الاقتصادية، وتسبب في معاناة لم يسبق لها مثيل، ولا سيما فيما يتعلق بجنوب السودان».

ذلك هو التوصيف الصحيح للأزمة السودانية، صنعناه بأيدينا ووضعنا بما صغنا الحلول الناجعة لأزمتنا من بعد ظللونا على مدى نصف قرن من الزمان ننسب كل أدوائنا إلى مفاعل خارجي ونتجاهل كل الأدلة الواقعية التي تحيط بنا. نعم، على مدي ما يقارب الخمسين عاماً كنا بمفردنا خالقي أزماتنا، وصناع ما حاق بنا من شدة وضيق.

تلك الشدة وذلك الضيق يسميهما البعض في زماننا هذا بالابتلاءات، بيد أن الله الرحمن الرحيم لا يبتلي امرئ ارتاح إليه أو نواه بخير، فالذين ينويهم بخير يقضي لهم حاجتهم، والذين ارتاح لهم برحمته ينقذهم من بلواهم.

ولعلنا لا نلاقي حرجاً إن أضفنا لما قلنا بالأمس، ونكرر اليوم، كلمات لعبد الوهاب الأفندي، قال الكاتب الباحث: «أهم مقومات الانتقال الديمقراطي في السودان لم تتوفر، وهي تحديداً مصالحة وطنية شاملة تصفي خلافات الماضي وتتجاوز مراراته، وتغلق الملفات القضائية، وتتوافق على حيادية الخدمة المدنية والقضاء والمؤسسات الأمنية، وتطمئن الجميع إلى أن الانتقال الديمقراطي لن يؤدي إلى عمليات انتقامية (القدس العربي 30/6/2009).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات