يرصد المؤلف في هذه الحلقة دور الصين المستجد في أفريقيا وخاصة بعد انقضاء حقبة الاستعمار الإمبريالي الغربي بين ربوعها.ويركز على إغراق القارة بمختلف المصنوعات الصينية مقابل الحصول على الموارد النفطية والثروات المعدنية الأفريقية.كما يحلل علاقة الصين مع أميركا في هذا المضمار.

وفي السطور الختامية من الكتاب يحاول أن يستشرف آفاق التطور المستقبلي لأفريقيا منوها بجهود الاتحاد الأفريقي ولاسيما من حيث إنشاء برلمان ومحكمة عدل للقارة. مع تركيزه في الوقت نفسه على «آلية استعراض النظراء»التابعة للاتحاد بوصفها وسيلة، إذا أجيد تفعيلها، تكفل دفع خطى التحول الديمقراطي على مستوى القارة. وعلى ذلك فإذا كان استعمار جديد أم صداقة حميمة؟ قد يبدو سؤالا غريبا، إلا أن غرابته تزداد عندما نعرف أن مؤلف هذا الكتاب يقصد به ظاهرة مستجدة بدورها على مسرح السياسة والاقتصاد في أفريقيا.إنها الظاهرة الآسيوية. المقصود بالظاهرة الآسيوية فيما سبق الإشارة إليه هو ما يمكن وصفه بأنه «المد الصيني» الذي أصبحت موجاته أكثر من محسوسة وأكثر من معروفة في شتى مرافق الحياة في القارة الأفريقية.

في الفصل 17، وهو الفصل قبل الأخير من فصول الكتاب، يناقش المؤلف هذه الظاهرة الآسيوية بشكل عام، والصينية بشكل خاص.يحكي عن زيارته الأخيرة إلى غربي أوغندا. كان ذلك في شتاء عام ,2006. زار بلدة صغيرة هناك وجلس في حديقة فندقها المنشأ حديثا.لمح سيارة من طراز الميكروباص تقف عند باب الفندق لينزل منها مجموعة من الصينيين الذين لوّحت الشمس سحنتهم المائلة إلى الصفرة.كانوا يتداولون أحاديثهم بصوت عال.عرف بعد ذلك أنهم من خبراء الزراعة في الصين جاءوا يومها لحضور حفل غداء. لاحظ المؤلف أن كل ما يحفل به الفندق الجديد كان من صنع الصين. وكان بالطبع وارد الصين.يستوي في ذلك مفارش الموائد.أدوات المائدة.الأطباق. المصابيح.حتى الأرز الذي قدموه كان بدوره من واردات الصين.الاختلاف الوحيد في هذا المضمار. جسدته السيارات التي كانت تنهب أرض الشوارع في المدينة الصغيرة.إذ كانت من صنع كوريا أو اليابان.هنا لم يسع المؤلف سوى أن يقول (ص484):في واقع الأمر.كل ما هو مصنوع في ذلك المكان.تمت صناعته في آسيا.

دور الصين في العالم... وفي واقع الأمر أيضا فالمؤلف يرصد هذه الظاهرة الصينية.من منظور أوسع يتجاوز حدود أفريقيا ذاتها.لذلك فهو يواصل تحليله قائلا:لقد حوّلت الصين نفسها لكي تصبح مصنع إنتاج لصالح العالم كله. وهي لا تتورع عن شفط النفط والمعادن من كل أنحاء الكوكب من أجل تحويل هذا كله إلى سلع مصّنعة بحيث تقطع الطريق على الموردين التقليديين لتلك المصنوعات من أوروبا وأميركا.وتلك ظاهرة ـ يضيف المؤلف ـ لم يشهد لها العالم مثيلا منذ حقبة صعود أميركا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ثم يحاول المؤلف إمعان التدقيق من أجل تحليل هذا السلوك الصيني الذي نشهده في زماننا فيقول: لقد جمعت الصين بين مسار رأسمالي خاضع للسيطرة وبين نزعة وطنية عميقة ومنضبطة فاستهدفت بذلك غاية نجحت بالفعل في بلوغها، وهي تحقيق معدل للنمو السنوي بما يقرب من 10 في المائة على مدار 25 سنة.

وهكذا جمعت الصين احتياطيات باتت تمتلكها بحجم عدة تريليونات من الدولار لدرجة باتت معها الصين قادرة على توجيه أي ضربات مهلكة للعملة الأميركية والاقتصاد الأميركي بمجرد إشارة من إصبعها الصغير.

هنا أيضا يبادر المؤلف إلى استدراك حديثه بالطبع فيقول:لكن هذا أمر مستبعد الحدوث.لماذا؟ لأن نمو الصين (مقوّما بالدولار)يعتمد بدوره على المستهلك الأميركي(!) ومن هنا تعيش الصين وأميركا وضعا يمكن توصيفه على النحو التالي:

- إنه المكافئ أو المعادل لمبدأ (ماد)الشهير خلال الحرب الباردة التي سبق واندلعت بين أميركا والاتحاد السوفييتي في منتصف الأربعينات إلى مفتتح التسعينات.

وكلمة «ماد» في الإنجليزية تفيد بداهة معنى اللوثة العقلية وحالة المجانين وكان ذلك هو الاختصار الذي تعمدوا أيام الحرب الباردة أن يصفوا به حالة توازن الرعب النووي بين أكبر قوتين في عالم النصف الثاني من القرن العشرين.

وهذه الحالة تعني تفصيلا «الدمار المؤكد المتبادل» وتُعرف في اختصارها الإنجليزي بكلمة «ماد»التي تفيد معنى الجنون.وها هي الكلمة تعود ولكن في المضمار الاقتصادي لتشير إلى أن كلا من الصين وأميركا قطب محوري يعتمد في بقائه الاقتصادي على القطب الآخر.

هل يصلح «الاحتواء»؟

مع ذلك.يمضي المؤلف للإشارة إلى أن هناك أطرافا في أميركا حاولت أن تطبق سياسة سبق لأميركا أن طبقتها على الغريم السوفييتي خلال حقبة الحرب الباردة إياها. إنها سياسة الاحتواء.

وبديهي أن سياسة الاحتواء ـ أو تطويق الخصم ـ لا يمكن أن تنجح على يد طرف واحد أو وحيد، بل تقتضي تعاون وتضافر أطراف أخرى بغية إنجاح دائرة هذا التطويق. من هنا حاولت أميركا أن تنبّه الأطراف الأوروبية من حكومات وشركات إلى مغّبة إهمالها الذي طال بالنسبة لإفريقيا على مدار النصف الأخير من القرن العشرين. قالت لهم ان أفريقيا تضم تحت تربتها أثمن أنواع المعادن والفلزات اللازمة لضرورات الحرب والسلام.

وعندما أفاقت هذه المصالح الغربية على عنصر المنافسة الصيني. حاولت أن تتحرك لكن هيهات.فقد جاء الصينيون وفرضوا وجودهم على أرض أفريقيا مستغلين تضاؤل النفوذ الأوروبي وخاصة أنه ظل مرتبطا في الذهنية الجمعية لأفريقيا مع التركة الشريرة التي تخلفت عن عصور الاستعمار.

أكثر من هذا ينبه المؤلف عند نهايات هذا الفصل السابع عشر.إلى تباين منظورات وأدوار ومفاهيم الأطراف الدولية الفاعلة، أو التي تطمح إلى أن تكون فاعلة في أفريقيا.

فبينما تتردد في بريطانيا أصوات وكالات الإغاثة والتبرعات الخيرية تحت شعار «أنقذوا أفريقيا من الفقر»ـ وبينما ينظر الأميركان في أمر إرسال قوات عسكرية إلى هذا الركن أو ذاك من أصقاع القارة السوداء ـ يركز رجال الأعمال وجحافل العمال القادمين من الصين على عنصر العمل والبناء والتنمية والتعاون مع السكان المحليين على أساس من شراكة المصالح.

عاطفة نحو أفريقيا

وفي بلاغة مرموقة يختم المؤلف (ص508) هذا الفصل بسطور يوجز فيها مواقف هذه الأطراف وتقول: أفريقيا:حيث الفرنسيون يلتمسون مكانة دولية، وحيث ينظر إليها البريطانيون كموقع للعمل الخيري.إلا أن الصينيين يرونها فرصة لممارسة التجارة والأعمال (البيزنس).أما الأميركان فيبدو أنها مازالت بالنسبة لهم خطرا يهددهم باستمرار.

بنفس البلاغة يفتتح المؤلف الفصل الثامن عشر.الذي يختتم به فصول هذا الكتاب. وتكاد سطور الافتتاح تشي بعاطفة عميقة بل جياشة من جانبه كصحافي ومثقف وكاتب وباحث غربي، لكن شكلت أفريقيا. قضاياها ومآسيها. وآفاق تطورها جزءا لا يتجزأ من سنوات عمره. من مطالع الشباب إلى مراحل النضج والاكتهال.

وسطور الافتتاح تقول: أفريقيا: حيث نشأ أوائل البشر منذ 4 ملايين عام أو نحوها. وحيث انتشرت ذرية الإنسان العاقل (هومو سابينز) إلى كل أنحاء كوكب الأرض منذ ما يقارب 100 ألف من السنين. أفريقيا: هي أمنا جميعا. فهل يمكن أيضا أن تكون مستقبلنا؟

أفريقيا الجديدة

من هذا المعنى استقى المؤلف عنوان هذا الفصل الأخير من الكتاب:أفريقيا الجديدة.ثمة عاطفة عميقة ومشاعر دافئة وخلجات من الإيمان بخالق الكون سبحانه. ظل يرصدها ويحسها المؤلف على مدار السنوات الطويلة التي عايش فيها الأفارقة على اختلاف أقطارهم ومستوياتهم والثقافات الوطنية التي ينتمون إليها.

يقول (ص521) إن الأفارقة يحبون الرب ويشغفون بالموسيقى. عند أكثر من زاوية يترامى إلى مسامعك عبارات:السلام عليكم. الله أكبر. الحمد لله. وتجد الناس وهم يتعاملون مع الحياة دون أن يكونوا في عجلة من أمورهم. وهم أيضا يجيدون التواصل الإنساني مع الآخرين.

صحيح أنني عايشت فترات من الأزمة واليأس في أفريقيا، ولكن أهلها ظلوا متفائلين وكأنما ينتظرون يوما تتبدل فيه الأحوال إلى الأفضل من هنا يؤكد مؤلف الكتاب أن هذه الأحوال يمكن أن تؤول إلى الأفضل حتى إذا ما قورنت بمراحل سبقت مؤخرا من تاريخ أفريقيا.

وعلى سبيل المثال ـ يضيف المؤلف ـ راحت سطوة الحاكم الديكتاتور من طراز عيدي أمين في أوغندا أو هاستنجزباندا في ملاوي أو ساني أباشا في نيجيريا.

صحيح أن هذا الطراز لم يختف كله، ولكن الأصح أن التحولات الديمقراطية تكسب كل يوما ولو شبرا جديدا من مساحة القارة العذراء.انظر مثلا إلى النموذج النبيل الذي ضربه زعيم تاريخي في قامة نيلسون مانديلا حين تنازل طواعية عن صولجان الحكم في بلد كبير مثل جنوب أفريقيا .

مما أتاح لحركة الديمقراطية وخياراتها قدرا ملموسا من الانتعاش، بل أنظر أيضا إلى التغييرات التي طرأت على جنوب أفريقيا نفسها من ماض مازال ماثلا في الذاكرة المعاصرة وحافلا بأسوأ وأخبث أنماط التمييز والفصل العنصري خلال حكم نظم «الأبارثيد» .

التي تستمد جذورها الشريرة من تركة الاستعمار الأوروبي في جنوب القارة.ثم قارن هذا كله بما أصبح عليه الواقع السياسي في جنوب أفريقيا ذاتها، حتى رغم ما يوجهه من مشكلات.

دستور جنوب أفريقيا

هنا أيضا يواصل المؤلف تحليله فيقول: وأيا كانت أحوال أفريقيا فإن مؤسسة الاتحاد الأفريقي، تطرح رؤية جديدة للقارة تحولت بها من مجرد ناد أو نقابة للزعماء والرؤساء لتصبح مؤسسة واعدة بتفعيل برلمان ونظام لإقامة العدل وبنك مركزي لعموم أفريقيا. صحيح أنها أهداف قد تكون موغلة في الطموح لكن الوقت مازال في صالح أفريقيا إذا ما واصلت الخطى على طريق تحقيقها.

وهنا يتوقف المؤلف أيضا (ص534) عند واحدة من أدوات تفعيل هذا الاتحاد الأفريقي وتحمل الاسم التالي:آلية استعراض النظراء، وهي نظام طوعي لبحث واستعراض المشاكل والقضايا ويقضي بأن يزور فريق من الشخصيات الرفيعة البارزة هذا البلد أو ذاك لتدارس مدى كفاءة حكومته من حيث التعامل مع قضايا السياسة أو مواجهة وإدارة الأزمات فضلا عن الأداء الاقتصادي.

أخيرا يعلن المؤلف على صفحات الختام اتفاقه مع ما ذهب إليه الروائي النيجيري الأشهر شنوا اشيبي حين قال: «أفريقيا قارة غنية ولكن بالنسبة للأذكياء والمحظوظين»أكبر مشكلاتها كما يراها المؤلف تتمثل في هذا التدفق من هجرة الكفاءات والمواهب والعقول إلى خارج حدودها.

بيد أن المؤلف يراها مشكلة جدلية.بمعنى أنها قد تحرم أفريقيا من تلك الطيور أو العقول المهاجرة لأن أوضاع القارة لا تناسب تلك العناصر ولكن كفاءات أفريقيا قد تهاجر وقد تقيم في ربوع أوروبا وأميركا فيما يظل أصحابها مشدودين بحكم النشأة وعمق الانتماء إلى الوطن والعائلة والوشائج الأسرية.

وهم بالتالي يرسلون تحويلات ثرية ومتواصلة بما يدفع عجلة التنمية في أوطانهم ـ الأم. وبما يؤدي إلى تحسين الأوضاع وتهيئة بيئات من شأنها أن تجذب هذه العناصر للعودة إلى أوطانها من جديد.

تناقضات شتى مازالت تواجه القارة. لكنها لم تعد في كل حال هي قارة الظلام. أو الكمية المجهولة أو الرقم المنسي في معادلة مستقبل العالم.

المؤلف في سطور

مؤلف الكتاب «ريتشارد داودن» يشغل موقعا غاية في التميز بالنسبة لموضوع الكتاب وهو: مدير الجمعية الملكية الأفريقية ذات السمعة الطويلة تاريخيا والعريضة من حيث الإنجازات، التي تتجلى في طليعتها تلك الإمكانات التي قدمتها الجمعية البريطانية من أجل استكشاف الأصقاع شبه المجهولة من القارة الأفريقية وخاصة منابع ومسارات أنهارها العظمى.

ما بين نهر الكونغو إلى نهر النيل. وقد أمضى المؤلف عقدا كاملا من الزمان مقيما في أفريقيا ومعايشا لمشاكلها وتطلعتها إذ كان هو المحرر المسؤول عن القضايا الأفريقية في صحيفة «الاندبندنت البريطانية» وبعدها قضى المؤلف عشر سنوات أخرى حين كان مسؤولا عن تحرير مجلة «الايكونومست».

بهذا استطاع «ريتشارد داودن» أن يجمع بين الخبرة الشخصية المباشرة وبين تجميع وبلورة هذه الخبرات المباشرة بأسلوب الكاتب الصحافي والخبير الإعلامي، سواء في عدد من الأفلام التسجيلية المهمة عن أفريقيا، وقد أذاعتها هيئة البي. بي. سي على شاشات التليفزيون أو في دراسات تجمع بين الرصانة والطلاوة، ومنها هذا الكتاب.

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: بابلك افيرز، نيويورك ـ 2009