أخيراً هناك جانب آخر مهم في جعل الوحدة خياراً جاذباً لابد من الإشارة إليه:تنمية الجنوب خلال الفترة الانتقالية.التنمية، قبل أي شيء آخر، قد تكون هي أنجع الوسائل لتعميق الإحساس بمزايا الوحدة عند المواطن العادي في الجنوب.ومن بدائع الاتفاقية التي جاءت على غير مثال، اتفاق الطرفين على إعداد برنامج متكامل للتنمية الاقتصادية لفترة ما بعد الحرب.
هذا أمر لم تعرفه في الماضي اتفاقيات السلام السودانية، أو الاتفاقيات النظيرة في العالم، ربما باستثناء ما حدث في جنوب أفريقيا.استهدف ذلك البرنامج الذي صدر في مارس 2005م، أي بعد شهرين من توقيع الاتفاقية، أولاً ترسيخ السلام، ثانياً تحقيق التنمية المستدامة وثالثاً إزالة الفقر.وكان ذلك واضحاً في مقدمة التقرير الذي وقع عليه علي عثمان محمد طه وجون قرنق. ذلك البرنامج أعدته بعثة خاصة عُرفت باسم البعثة المشتركة لتحديد احتياجات السلام (Joint Assessment Mission JAM) ضمت مجموعة مقتدرة من مفاوضي نيفاشا (لوال اشويك، يحيى حسين، الفاتح علي صديق وآخرين)، إلى جانب نابغين من اقتصاديي السودان نذكر منهم، مرة أخرى، علي عبد القادر علي وإبراهيم البدوي.
نذكرهما لأنهما من نفر ليس كشجر الدليب إذ ما فتئا يبسطان ظلهما على بلادهما حتى يتفيأه الناس على اليمين والشمائل. على كل، فالاحتياجات التي عناها البرنامج هي، بوجه خاص، احتياجات المناطق التي تأثرت بالحرب:الجنوب والمناطق الثلاث (أبيي، جنوب كردفان، النيل الأزرق)، دون إغفال لمناطق القطر الأخرى التي لم تَلقَ حظاً من التنمية.في خاتمة تلك المقدمة ورد ما يلي:«أن ذلك البرنامج هو أيضاً رؤية وإستراتيجية ستتيح الفرصة خلال الفترة الانتقالية لجعل الوحدة جاذبة». لهذا يعسر على أي فرد إنكار العلاقة الوثيقة بين تنمية الجنوب وجاذبية الوحدة، أو الإدعاء أن ليس هناك تصور رؤيوي أو برنامج تفصيلي يُعين على تحقيق التطلعات المشروعة لأهل تلك المناطق لحياة أفضل.
هذا الموضوع أيضاً حُظي باهتمام في القرار الجمهوري (341) الذي صدر عقب انسحاب دستوريي الحركة من حكومة الوحدة الوطنية في أكتوبر 2007م. من أهم ما جاء في ذلك القرار تحت عنوان: «إعداد مشروعات تنمية وطنية بجنوب السودان» ما يلي:
1. توجيه جميع الوزارات القومية بتضمين مشروعات تسهم في بناء السلام وتعزيز الوحدة تُنَفذ في جنوب السودان، وتوجيه وزارة المالية بحشد الموارد اللازمة لتنفيذ هذه المشروعات.
2. إعطاء أولويات للطرق والمياه والنقل النهري وخدمات التعليم والصحة في مشروعات بعثة التقويم المشتركة.(Jam).
3. إنشاء آليات لتنمية الجنوب تختص بربط الجنوب والشمال بالطرق البرية والنهرية والسكك الحديدية وغيرها من المشروعات التي تعزز التواصل بين أجزاء الوطن، مع إعطاء أولوية خاصة لمناطق التماس (التمازج) لجعلها نموذجاً للوحدة والتعايش السلمي وحشد الدعم الوطني والخارجي لهذه المشروعات.
لبدء التنفيذ الفعلي لهذه المشروعات حدد القرار الجمهوري أفقاً زمنياً هو بداية ميزانية 2008م، وبالفعل تم إنشاء آلية لتنمية الجنوب أطلق عليها اسم صندوق دعم الوحدة أوكلت إدارته لذي قدرة ثم أمين من نبهاء نيفاشا، الأستاذ يحيى حسين بابكر.
هذه الآلية هي إضافة لما نص عليه الاتفاق بإنشاء صندوق قومي للأعمار والتنمية، أو كما قالت الاتفاقية بالنص:«تنشئ وزارة الخزانة صندوقاً قومياً لإعادة البناء والتنمية تكون مهمته تنمية المناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نمواً خارج السودان تديره لجنة تسيير تمثل فيها تلك المناطق بصورة ملائمة .
ويمثل حكومة جنوب السودان في اللجنة موظف من وزارة المالية وتقدم لجنة التسيير تقريراً عن الإيرادات والمصروفات أو المشاريع التي يدعمها الصندوق للمجلس الوطني وإلى مجلس الولايات وهو الجهة المشرفة على الصندوق» (الفقرة (ب) 15-4 من بروتوكول اقتسام الثروة). هذا الصندوق المهم لم يتم إنشاؤه حتى اللحظة.
20 جسراً وطريق يتيم
الأموال التي توفرت لصندوق دعم الوحدة لم تكن أكثر مما يعرف عند التنمويين بالأموال التأسيسية (seed money)، وحول المشروعات التي عُهدت للوزارات القومية وحدد القرار الرئاسي تاريخ البدء في إنفاذها بميزانية 2008م لم يَر النور منها مؤخراً غير مشروع واحد: وصل طريق السلام من الرنك إلى السوباط بعون صيني، في حين تعذر إيجاد التمويل لإكماله حتى بور ثم جوبا.
نضيف أن الجهد في بناء ذلك الطريق لم يبدأ إلا في عام 2008م، أي بعد انقضاء نصف الفترة الانتقالية. تمت أيضاً إعادة تهيئة الخطوط الحديدية التي دمرتها الحرب لتصل حتى أويل، والبدء في إعادة تأهيل موانيء شامبي ومنقلا للنقل النهري، إلى جانب إسهام مقدر، رغم صغر حجمه، قامت به الولايات الشمالية خلال المؤتمر الأول والأخير في العام الماضي لحكام ولايات السودان الذي انعقد بمدينة واو.
الأمر الذي لم يُحظ بنجاح هو الحملة التي كان من المقرر أن تقوم بها حكومة الوحدة الوطنية لحشد موارد خارجية إضافية لتحقيق ذلك البرنامج الاقتصادي الطامح، رغم تعدد صناديق التنمية العربية التي أبدى عدد غير قليل منها الرغبة في بناء الجنوب: الصندوق الكويتي، الصندوق العربي للإنماء، وصندوق أبوظبي.
مقارنات تنموية
لكل هذه الأسباب، يذهب أغلب مثقفي الجنوب لعقد مقارنات بين ما تم خلال هذه الفترة من إنجاز تنموي في الشمال وفي الجنوب، خاصة في مجال الطرق والجسور.
فحين بلغ طول شبكة الطرق التي أنشئت في الشمال ألفين وثمانمائة وسبعاً وثلاثين (2837) كيلومتراً، بالإضافة إلى ألف وتسعمئة وواحد وتسعين (1991) كيلومتراً تحت التشييد، لم يتم إنشاء طريق واحد في الجنوب غير طريق كوستي ؟ فلوج لأغراض تتعلق بمناطق الإنتاج النفطي وطريق الرنك ملكال الذي أشرنا إليه آنفاً. وحين بلغ عدد الجسور التي تمت إقامتها في الشمال أكثر من عشرين (20) جسرا.
منها خمسة (5) في الخرطوم في حين لم يتم حتى الآن إنشاء جسر واحد في الجنوب يربط بين غرب وشرق النيل.إنشاء هذه الطرق والجسور هو واحد من إنجازات نظام الإنقاذ التي لا ينكرها إلا مكابر.تقول منشورات مؤسسة الطرق والجسور أن الهدف من هذه الطرق هو ربط مناطق الإنتاج بمناطق الإستهلاك، الاستقرار السياسي، التغيير الاجتماعي، المساعدة على تفاعل الثقافات وتمتين الوحدة الوطنية.
إن كانت هذه هي الأهداف، تُرى ما الأثر الذي كان سيحدثه في حياة المواطن الجنوبي البسيط إنشاء جسرين أو ثلاثة تربط شرق النيل بغربه في جونقلي أو أعالي النيل؟ وما هو الأثر الذي سيحدثه الطريق البري إن امتد من كوستي إلى جوبا.لهذا فإن الذين يرددون أن جعل الوحدة جاذبة مسؤولية يتشاركها الطرفان يخطئون في التقويم والحساب خطأ مزدوجاً.
فالاتفاقية تلزم الطرفين ب «تخطيط وتنفيذ اتفاقية السلام بغية جعل وحدة السودان خياراً جاذباً، وبصفة خاصة لشعب جنوب السودان»(الجزء الأول:المبادئ المتفق عليها في بروتوكول ماشاكوس).هذا يعني أن الذي ينبغي جذبه إلى جانب الوحدة هو شعب جنوب السودان، ولن يكون هذا الجذب، أو الإيلاف، أو الاستمالة، سمها ما شئت، بحملات دعائية للوحدة تقوم بها الحركة أو يقوم بها رئيسها .
فمع أهمية العمل السياسي الدعوي لابد من عمل محسوس يلمسه المواطن الجنوبي العادي في طريق يربط بين منطقة ومنطقة، أو مدرسة يتعلم فيها الذين حرموا من التعليم طيلة سني الحرب، أو ملاجئ لليتامى والأرامل الذين تركتهم الحرب بلا عائل.
مسؤولية إعادة تعمير الجنوب مسؤولية مشتركة تتفاوت فيها مقادير المسؤولية.
فعلى حكومة الوحدة الوطنية واجبات قانونية وسياسية وأخلاقية بسبب من التزامها التعاقدي بتنمية الجنوب، وحرصها على جعل وحدة الشمال والجنوب جاذبة. كما على حكومة جنوب السودان واجبات تنموية تجاه الإقليم الذي تحكمه بصرف النظر عن جاذبية، أو عدم جاذبية الوحدة. على المجتمع الدولي أيضاً مسؤوليات التزم القيام بها في مؤتمر أوسلو عقب توقيع الاتفاقية مباشرة.
الأطراف الثلاثة: المجتمع الدولي، حكومة الوحدة الوطنية، حكومة جنوب السودان ألزمت نفسها في برنامج البعثة المشتركة بإنفاذ مشروعات تهدف إلى تحقيق: الإنفاق المنحاز للفقراء (pro - poor spending)، التنمية المستدامة، القضاء على الفقر. مع ذلك لم ترتق تلك الأطراف الثلاثة إلى مستوى العهود التي قطعتها على نفسها.
تقاعس حكومة وقصور أخرى
تقاعست حكومة الوحدة الوطنية، أياً كانت أسباب التقاعس، عن تحقيق ما التزمت به حسب الاتفاقية منذ بداية حكومة الوحدة الوطنية إلى ديسمبر 2007م (تاريخ صدور القرار الرئاسي 341)، ثم تلكأت من بعد في تنفيذ ما قررته في ذلك التاريخ.
أما حكومة الجنوب فقد أهدرت مالاً وفيراً في السنتين الأولى والثانية من الفترة الانتقالية في الإنفاق الإداري (ذهاب ثلثي الميزانية إلى المرتبات) واقتناء الأصول المنقولة التي لا عائد من أغلبها، وفي ذلك إسراف كَسَرف الماء يُهدر دون زرع أو سقي. أما المجتمع الدولي، فهو الآخر، حقيق باللوم بسبب عجزه الكبير عن الوفاء بما وعد به في مؤتمر أوسلو لدعم تنمية الجنوب بعد الحرب بأربعة مليارات وسبعمائة مليون (7 .4)مليون دولار.
تلك الالتزامات لم تُحترم كما كان متوقعاً من شركاء التنمية، باستثناء الدول الأسكندنافية وهولندا، بدعوى أن الأموال التي كانت مرصودة لتعمير المناطق التي تأثرت مباشرة بالحرب قد ذهبت لمقابلة الاحتياجات الإنسانية العاجلة في دارفور، وذلك عذر سخيف.
ومع الإقرار بعدم التزام شركاء التنمية بما التزموا به، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومتين وعلى الترتيب التالي:حكومة الوحدة الوطنية، ثم حكومة الجنوب، لاسيما إن أخذنا في الاعتبار العلاقة بين تنمية الجنوب وجعل الوحدة جاذبة للمواطن الجنوبي.
تعمير الجنوب
قصور حكومة الجنوب، خاصة في العامين الأولين من الفترة الانتقالية عن أداء واجبها في تعمير الجنوب لابد أن يصحبه اعتراف بخمسة أشياء:أولاً المهام العويصة التي ورثتها تلك الحكومة عن الحكومات السابقة، وهي مهام لا تستطيع القيام بها بمفردها.
لنأخذ مثلاً واحداً:لم يكن في جنوب السودان الذي تبلغ مساحته (870) ألف كيلو متر مربع كيلومتر واحد من الطرق المسفلتة باستثناء الطرق الداخلية المتهالكة في المدن الكبرى:جوبا، واو، ملكال.تلك المساحة تقارب مساحة كل من بوروندي وكينيا ويوغندا ورواندا مجتمعة، أو مساحة كل دول شرق أوروبا التي خرجت من محور النفوذ السوفييتي:بولندا، تشيكوسلوفاكيا، المجر، رومانيا.
وليس من بين كل هذه الدول، حتى أصغرها، دولة واحدة لا تربط الطرق المعبدة بين شرقها وغربها، وشمالها وجنوبها.هذه الحالة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هي واحدة من نتائج الحرب وفقدان التنمية المتوازنة عبر القطر.
ثانياً ظاهرة الفساد وتبديد المال العام التي حرمت حكومة الجنوب حتى من الفرصة المواتية التي يمكن أن تستذرع بها لتبرير القصور في الأداء في السنة الأولى والثانية من الفترة الانتقالية. فمهما كان حجم المال الذي ذهب بَدَداً بسبب الفساد، فإنه على أية حال مال وجه لغير غاياته مما جعل الفساد عاملاً من العوامل التي حالت دون تحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية ذات أثر كان، ومازال، يترجاها مواطنو الجنوب.
فاتورة السلام
الشيء الثالث هو إنجازات الحكومة غير المرئية للذين لا يرون التنمية إلا في المباني الشامخة والطرق المسفلته حتى في العامين الضائعين. ففي هذين العامين، رغم كل القصور الذي اشرنا إليه، ارتفع عدد التلاميذ الذين التحقوا بالمدارس من ثلاثمئة وثلاثة وأربعين ألفا (343000) في عام 2005 إلى المليون في عام 2007 (أي ما ينيف على الثلاثة أضعاف).
الشيء الرابع هو فاتورة السلام التي اقتضت إلحاق ستين ألفاً ممن أطلقت عليهم الاتفاقية اسم القوات الأخرى، أي القوات التي كانت مجندة للعمل ضد الجيش الشعبي بذلك الجيش. وخامساً وأخيراً ما فعلته تلك الحكومة، رغم حالات الفساد المشار إليها، لوضع الترتيبات التي نص عليها الدستور الانتقالي كما نص عليها دستور جنوب السودان لمحاربة الفساد في حيز التنفيذ.
مثال ذلك المادة 16 / 2 من دستور السودان الانتقالي التي تقول: «تسن الدولة القوانين وتنشئ المؤسسات للحد من الفساد والحيلولة دون إساءة استخدام السلطة ولضمان الطهارة في الحياة العامة».
وحين خطت حكومة الجنوب خطوة مشهودة لوضع هذا النص الوارد في الدستور القومي، ونص المادتين 147 و148 من دستور جنوب السودان المناظرين له بخلق مؤسسات لمحاربة الفساد، لم يتم أي تفعيل لما نص عليه الدستور الانتقالي بشأن الفساد، على المستوى القومي، حتى اللحظة.وعلنا نعود لهذا الموضوع لنبين أسباب المقاربة بين الحالتين .


