اللجنة الرباعية مطالبة بتحرك حاسم لإقرار السلام في المنطقة

80% من أبناء غزة يعتمدون على المعونات الخارجية

صورة

مر أكثر من عام على ارتكاب إسرائيل لمذبحتها المروعة، وغير المبررة، بحق الفلسطينيين في قطاع غزة الذين لا يزالون يواجهون شفير كارثة إنسانية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي فعله مبعوث السلام الخاص توني بلير لخدمة السلام في المنطقة؟ لا شيء تقريبا.

ويوصف الهجوم الوحشي الذي شنته القوات الإسرائيلية على غزة ابتداء من 27 ديسمبر 2008، بأنه غير أخلاقي، بسبب استخدامها قوة مفرطة ضد المدنيين، لتحقيق أغراض سياسية. كما يوصف بأنه غير مبرر لأنه كان لدى إسرائيل بديل سياسي عن استخدام القوة. فصواريخ القسّام الفلسطينية محلية الصنع، التي كانت تطلقها حركة حماس من غزة على البلدات الإسرائيلية المحاذية للقطاع كانت عذرها الوحيد فقط، لكنها لا تبرر عملية «الرصاص المسكوب». ففي يونيو 2008، وقبل ستة أشهر من العدوان الإسرائيلي، توسطت مصر في اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. وعلى النقيض من الدعاية الإسرائيلية المغرضة، حقق هذا العمل نجاحا كبيرا، فقد انخفض عدد الصواريخ التي تطلق من القطاع من 179 إلى 3 فقط. ومع ذلك في 4 نوفمبر انتهكت القوات الإسرائيلية تلك الهدنة من خلال شن طائراتها غارة جوية على غزة أسفرت عن مقتل ستة مسلحين من حماس.

وعندما ردت الحركة على ذلك باستئناف إطلاق الصواريخ، اتخذت إسرائيل ذلك ذريعة لشن هجومها الجنوني. ولو كان هدف إسرائيل الوحيد هو حماية الإسرائيليين من صواريخ القسام، لراعت وقف إطلاق النار. وقد فشل الهجوم الإسرائيلي في تحقيق هدفه الرئيسي الذي كان يقضي بتغيير حكم حماس في غزة، غير أنه خلف وراءه الموت، والخراب والدمار بصورة مروعة، علاوة على معاناة إنسانية لا يمكن وصفها. وفقدت إسرائيل 13 جنديا، 3 منهم سقطوا بما وصفته نيران صديقة. وعلى الجانب الآخر، بلغت حصيلة الضحايا الفلسطينيين 1387 قتيلا، من ضمنهم 773 مدنيا، هم 115 امرأة و 300 طفل. كما أصيب 5300 فلسطيني بجروح. وتُرك سكان القطاع بأكملهم، والبالغ عددهم 5,1 مليون شخص، في حالة صدمة شديدة.

وسوي 3530 منزلا بالأرض، فيما تعرض 2850 منزلا لأضرار فادحة، وعانى 11 ألف منزل من أضرار متفاوتة. وأعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في قطاع غزة، التي ترعى احتياجات 4 ملايين لاجئ فلسطيني، أن القصف والدمار لم يعيدا غزة إلى العصر الحجري، بل إلى عصر الوحول. فقد اضطر السكان لبناء المنازل من الطين، بعد الهجوم العنيف الذي دام 22 يوماً. وارتكب الإسرائيليون جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وثقت بتفاصيل مروعة في تقرير القاضي اليهودي ريتشارد جولدشتاين، الذي رفعه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وأدان التقرير إسرائيل وحماس، على حد سواء، لكنه خص تل أبيب بأقوى انتقاداته، متهما إياها باستهداف المدنيين في القطاع وترويعهم. ولم تشارك الحكومة البريطانية في التصويت على التقرير، مرسلة بذلك إشارة إلى الصقور في إسرائيل، بأنه يمكنهم مواصلة العمل، وتجاهل قوانين الحرب.

ويعتقد أن تعيين رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون في عام 2007، كراع للصندوق القومي اليهودي قد لعب دورا كبيرا في تبني هذا الموقف البريطاني الرعديد والمشين.

والآن وبعد مرور أكثر من عام على الحرب، لا يزال قطاع غزة، الذي يعتبر من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان على وجه الأرض، يتأرجح على شفا كارثة إنسانية. فالإغلاق الإسرائيلي غير المشروع للقطاع لا يزال ساري المفعول منذ يونيو 2007، وتقيد إسرائيل دخول المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية والوقود إلى حد أدنى من الطبيعي.

ولم تبدأ أعمال البناء بصورة طبيعية، حتى الآن، لأن السلطات الإسرائيلية تمنع دخول الإسمنت وغيره من مواد البناء إلى غزة. وما زالت ألوف العائلات تعيش على أطلال منازلها السابقة.

ولا يمكن إعادة بناء المستشفيات والمرافق الصحية والمدارس والمساجد، ولا حتى البنية التحتية الأساسية للقطاع، ومن ضمن ذلك شبكة الصرف الصحي . واليوم فإن 80% من سكان غزة لا يزالون يعتمدون على المعونات الغذائية، و 43% عاطلين عن العمل، و 70% تحت خط الفقر الشديد، ويعيشون على دخل يقل عن دولار واحد يوميا.

وفي،بظل هذا المشهد الكارثي فإن عملية السلام تبدو غير قابلة للإنعاش، لأن إسرائيل ترفض تجميد التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس.

وقد وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا على تجميد الاستيطان لمدة 10 شهور ، لكن ذلك لا ينطبق على 3000 وحدة سكنية تمت الموافقة على بنائها في أي جزء من الضفة الغربية أو القدس. وهذا يبدو أشبه بشخصين يتفاوضان لتقسيم شطيرة من البيتزا، في الوقت الذي يواصل فيه أحدهما التهامها.

وسياسيا، يتواصل الفصل بين الكلمات والأفعال، ولم تجد المناشدات الموجهة للحكومة الإسرائيلية لكي ترفع، أو تخفف الحصار على غزة، نفعا، لأنه لم يرافقها التهديد بممارسة ضغوط فعالة، أو فرض حظر على إسرائيل.

وفي الواقع فإن الضغط الوحيد الناجع هو الذي مارسته الولايات المتحدة ضد الحكومة المصرية لكي تعزل حدودها البرية والبحرية عن غزة. ولدى الحكومة المصرية أسبابها الخاصة للإذعان لتلك الضغوط، فحماس هي الحليف الأيديولوجي لحركة الإخوان المسلمين المعارضة للحكومة المصرية.

وتنقل الأنفاق، المحفورة تحت الحدود الفاصلة بين مصر وقطاع غزة، المواد الغذائية ومواد الإغاثة إلى الشعب الفلسطيني المحاصر. ولكن تقوم مصر الآن، تحت الإشراف الأميركي، وبمساعدة مهندسي الجيش الأميركي، ببناء جدار فولاذي يصل عمقه تحت الأرض إلى 18 مترا.

ويطلق المصريون أنفسهم على هذا الجدار اسم «جدار العار»، وفي غضون ذلك تظل حركة مستبعدة بصورة راسخة من قبل أعدائها الذين يعتبرونها منظمة إرهابية بحتة. ومع ذلك لا ينكر أحد أنها فازت في انتخابات حرة ونزيهة، جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة في يناير 2006.

وعلاوة على ذلك ما إن حصلت على السلطة من خلال صناديق الاقتراع، حتى تبنى زعماؤها موقفا أكثر براغماتية ومرونة تجاه إسرائيل من موقفها المكرس في ميثاقها، وهي تعرب باستمرار عن استعدادها للتفاوض على وقف إطلاق نار طويل الأمد. لكن لا يوجد أحد على الجانب الإسرائيلي مستعد للتفاوض معها.

ورفضت إسرائيل بعناد الاعتراف بحكومة فلسطينية ترأسها حماس، أعقبتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولجأت تلك الأطراف لفرض حظر اقتصادي في محاولة يائسة لتأليب الشعب الفلسطيني على قادتها المنتخبين. وهذا لا يمكن أن يجلب الأمن، أو الاستقرار لأنه يرتكز على أكثر الحقوق الإنسانية أساسية للشعب الفلسطيني في القطاع والحقوق السياسة الجماعية للفلسطينيين ككل. ومن خلال علاقتها الخاصة بالولايات المتحدة، ودعمها القوي لإسرائيل، تبدو الحكومة البريطانية متورطة في هذه السياسة المخزية.

ويبدو الشعب البريطاني في الوقت الحالي مشغولا برئيس الوزراء السابق توني بلير، وانعكاسات الحرب العراقية. وتعتبر سياسة بلير أحد مظاهر السياسة البريطانية الكارثية في الشرق الأوسط، ولا توجد علامات على تغيرها عبر خليفته جوردون براون.

وأحد الأسباب الذي تذرع بها بلير لتبرير شن الحرب على العراق، هو المساعدة في إحقاق العدالة للفلسطينيين الذين عانوا طويلا. وفي خطاب له أمام مجلس العموم في مارس 2003، وعد رئيس الوزراء البريطاني السابق بأن الاستهداف العسكري للعراق سيفضي إلى فض اشتباك حدودي في مشكلة الشرق الأوسط. كما أعلن أن حل النزاع الفلسطيني مهم جدا للشرق الأوسط، بالدرجة نفسها التي تهمه إزاحة صدام حسين عن السلطة.

ومع ذلك ومن خلال تركيز الانتباه على العراق، همشت الحرب العراقية القضية الفلسطينية. ولكي نكون عادلين أقنع بلير اللجنة الرباعية المؤلفة من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا بإصدار خارطة الطريق في عام 2003، والتي دعت إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنبا إلى جنبا مع إسرائيل بحلول عام 2005.

أسباب وجيهة للفشل

أحد الأسباب المخيبة للآمال الناجمة عن فشل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في تحقيق تقدم في خارطة الطريق هو اعتماره كثير من القبعات في آن معاً، حيث حاول إنجاز العديد من المهام في وقت واحد، علاوة على تلون سياسته، وعدم ثباته على موقفه.

كما أن سياسته الداعية إلى تركيز أولوياته على الضفة الغربية المحتلة، ساهمت بمواصلة السياسة الغربية الداعمة لحركة فتح، وتأليب السلطة الفلسطينية على حركة حماس. كما بدت سياسته بعدم تقديمه التزامات واضحة تجاه غزة واضحة للعيان. فخلال حرب غزة لم يطالب بوقف لإطلاق النار.

وكان يتعامل مع إسرائيل بمعيار يختلف عن معيار تعامله مع ضحاياها. وكان ينتظر حدوث تغير في غزة بدلا من المخاطرة بإثارة غضب أصدقائه الأميركيين والإسرائيليين. وبصفته مبعوثا للسلام لم يزر بلير القطاع سوى مرتين، زار في إحداهما مدرسة تابعة لوكالة الغوث الدولية قرب الحدود.

وأعرب عدد من السياسيين البريطانيين عن اقتناعهم بوجوب إجراء محادثات مع حركة حماس لتحقيق أي تقدم حقيقي في السلام، لكن بلير تجاهل ذلك. وفشل بلير في الوقوف بحزم مع الفلسطينيين وإيجاد دولة فلسطينية مستقلة لهم، مما أضعف نفوذه وشجع المؤسسة الإسرائيلية على تجاهله.

وفي الوقت الذي كان الفلسطينيون في حالة حداد على ضحاياهم، تلقى جائزة «دان ديفيد» من جامعة تل أبيب، وهي تضاهي جائزة نوبل في مجال الزعامة. وامتدح تنويه الجائزة ما وصفه بذكاء بلير الاستثنائي وبعد نظره وإظهاره شجاعة معنوية فائقة وزعامة قوية. وتبلغ قيمة الجائزة مليون دولار.

مؤرخ تنقيحي

ولد أفي شلايم في بغداد عام 1945، ونشأ وترعرع في إسرائيل. ودرس التاريخ في جامعة كامبردج، كما درس العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، وهو حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة ريدنج البريطانية، ويدرّس بها العلاقات الدولية المتعلقة بالقضايا الأوروبية.

ويجيد شلايم التحدث باللغتين العبرية والعربية، وينشر مقالاته السياسية في صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، وهو مؤلف كتاب «الجدار الحديدي» المقتبس عن نظرية جابوتنسكي.

ويعتبر من أكثر الباحثين تعمقا وفهما للصراع العربي الإسرائيلي. وقد تبرع بعائد كتابته لهذا المقال لمؤسسة الإغاثة الطبية لفلسطين.

وهو من الوجوه البارزة في حركة المؤرخين الجدد التي تدعو لتنقيح التاريخ الإسرائيلي وتعارض التهجير الجماعي للفلسطينيين. ويعود اهتمام شلايم بالتاريخ الإسرائيلي إلى عام 1987 عندما عين كباحث أكاديمي في أكاديمية البحوث البريطانية التابعة لمعهد سانت انتوني بأكسفورد.

بقلم : آفي شلايم - ترجمة : عمر حرزالله

طباعة Email
تعليقات

تعليقات