كانت منطقة صعدة تاريخيا بمثابة الكرسي العلمي للمذهب الزيدي، ومن قاموا باجتثاث نظام الإمامة التاريخي، الذي استمد حاكميته من المذهب الزيدي هم في الغالب الأعم من ذات المذهب، واحتفظت صعدة بمكانتها التاريخية، كمدرسة أساسية للتعليم الديني المجيّر على المذهب الزيدي. وكانت مدرستها العلمية مشرعة الأبواب والنوافذ لكل اليمانيين.
وفي الفترة التي تلت الوحدة اليمنية استوعبت هذه المنطقة حضورا موازياً للتعليم الديني السلفي المتشدد، والذي كان يشرف عليه الشيخ الراحل «مقبل الوادعي»، وكانت الدولة ترى أن من واجبها دعم المدارس الدينية على قدم المساواة، وعدم ترك تلك المدارس عرضة للتمويل الخارجي. ولهذا جاء الدعم المالي للمدرسة السلفية بالتوازي مع الدعم المالي لتنظيم الشباب المؤمن الذي تزعمه حسين بدر الدين الحوثي، والذي استند في رؤاه إلى التعليم الزيدي، مما لا يقض مضجع أحد ولا يثير حفيظة أحد. لكن وبصورة مفاجئة بدأ التماس السلبي بين الدولة والحوثيين من خلال الشعارات التي كان يطلقها أنصار تنظيم الشباب المؤمن في المساجد، والتي كانت تُنادي بسقوط أمريكا وإسرائيل. وبالترافق بدأت التراشقات الكلامية، وتداخلت الحمية العقائدية مع الأعياد الدينية الفولكلورية التي انبعثت بطريقة دراماتيكة فأثارت حفيظة السلطة، لأن دوائر الدولة اعتبرت إحياء مناسبة الغدير الزيدية بمثابة تحريض ضمني على النظام قبل أن يكون تقليداً فولكلورياً تاريخياً، وهكذا بدأت المشكلة.
احتدام غير حميد... ومع تلك المقدمات بدأت المواجهات العسكرية، وأسفرت عن قتل حسين بدر الدين الحوثي، ومع احتداد المعارك ظهرت الوساطات، فباشر وسطاء الخير حواراً أفضى إلى تسوية بدت حينها مقبولة، واعتقد الجميع أن الموضوع قد أسدل عليه الستار، وخاصة بعد الزيارة المهمة للرئيس علي عبدالله صالح إلى صعدة، وإعلانه قرار العفو العام، وتبني إطلاق سراح المعتقلين مع استحقاقات أخرى تحملتها الدولة. لكن المشاكل ظهرت مع تعثر الأجهزة المعنية بالتنفيذ. فالأصل أن الأُمور الإجرائية الخاصة بإطلاق سراح المعتقلين، وعدم اعتقال المشاركين كانت تجري بصورة طبيعية، لكن بعض الاستحقاقات تعثر كتعويض المتضررين، وإعادة تشييد المنازل المهدّمة، وصرف منحة مالية لأُسر القتلى. وبررت الأجهزة المعنية التأخير بأن هذه الإجراءات تستغرق وقتاً وتمويلاً استثنائياً، لكن المتضررين لم يستوعبوا ذلك، فكانت جولة جديدة من حرب صعدة.
وتمثلت ذروة المأساة في أن هذه الجولة تمددت زمنياً وتشظّت في تعبيراتها الذهنية والسياسية، وانسابت أقوال المتهافتين لتصنيفها وتوصيفها، واختلطت فيها الحقائق بالمكائد، واحتارت الأمة فيها، وأصبحت المشكلة في نهاية المطاف تشكل محنة حقيقية لا بد من الخروج منها. وتحولت الحوثية إلى كرة ثلج تكبر بقدر الاستيهامات والمبالغات.
الوسطية اليمانية
من مآثر التاريخ اليمني أن اليمن كان حاضناً للفرق الإسلامية المختلفة، فالمذهبان السائدان لا يختلفان في الأُصول والفروع، والحاكمية اليمانية التاريخية لم تجابه منطق الخروج السافر بحد السيف، لكن ما تلا سبتمبر الشمال وأكتوبر الجنوب جسّد حالة عصرية مُغايرة.
ومن فداحات الأيام أن اليمن أُصيب قبل سنوات بداء التطرف، كغيره من بلدان العرب والمسلمين، وتبلور هذا التطرف بداية في البُعد السلفي الجهادي، وتجسداً في استدعاء فقه الخروج التاريخي عن الحاكمية، ومن سخريات الأيام أن تصبح «صعدة» حاضنة للمستويين. وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى أن مفهوم الخروج على الحاكمية ليس حكراً على مذهب بذاته، كما أنه ترافق تاريخياً مع التقلبات السياسية والأحوال المُتعسرة، وكان في مجمله تعبيراً عن فتنة دائمة.
ولقد ترافقت المعطيات الأيديولوجية العقائدية في منطقتي صعدة ومأرب بمدرستين فقهيتين مُعصْرنتين بتأصيلات جديدة. المدرستان تنتميان أُصولياً للسلفية الجهادية، والزيدية الطُهرانية الهادوية، وكلتا المدرستين تتفارقان في الظاهر، وتلتقيان عند تخوم مقارعة الحاكمية، ولو خروجاً بحد السيف، وهو الأمر الذي يشكل قلقاً معرفياً وسياسياً مؤكداً في عموم الزمن العربي، وليس في اليمن فقط.
ولقد أظهرت محنة صعدة أن منطق الإدارة بالأزمة لا مستقبل له، وأن الدعم الذي قدمته بعض أجهزة الدولة لبعض التيارات التي تتبنى الإسلام السياسي لا يمكن إخضاعه للتكتيكات المرحلية، فما يزيد الطين بلة انتشار أسواق السلاح على مرمى حجر من العاصمة صنعاء، واستغراق البعض في الترويج لهذه الظاهرة بوصفها تعبيرا عن الشخصية اليمنية، وتعطيل العمل بسلسلة المقترحات البرلمانية التي أرادت الحد من هذه الظاهرة وصولاً إلى تجفيف منابعها.
وعادة لا تتحرك تيارات الغلو الديني خارج نطاق الظواهر الموضوعية الموصولة بفلسفة التبرير والتمرير، التي يلجأ إليه فرقاء المصالح الخاصة غير المشروعة، فهؤلاء يتوهمون إمكانية إقامة حياة عصرية مدنية في ظل انتشار السلاح، والتلاقح المشوه بين القبيلة والدولة، بين الماضي والمستقبل.
الحوثيون والجهاديون
ولسبر أغوار مشكلة صعدة لابد من البحث عن الأسباب الجوهرية أو ما يمكن تسميته بالارتداد إلى الأصولية الدينية، فالحوثي المقتول ومن يناصره ليسوا الوحيدين في هذا الباب، فهناك الجماعات السلفية «الجهادية» التي مازالت تترعرع ضمن توازنات القوى القائمة في اليمن، وتجد البيئة المناسبة لنشر مقولاتها وثقافتها العدمية، عطفاً على الأحوال الاقتصادية والاجتماعية السيئة للناس.
فيما يظل القاسم المشترك الأعلى بين الحوثية والسلفية التكفيرية «الجهادية» الرغبة الدفينة طوراً، والمعلنة مرات أخرى لإزالة أنظمة «البغي والفساد»، الأمر الذي يؤشر إلى الأسباب العميقة وراء هذه الدعوة.
فالحوثية ليست حالة واحدة ووحيدة، ولا يمكن اجتثاث ثقافتها ومشاريعها في الوقت الذي ينبري فيه حوثيون من طراز آخر.
ومنذ أن قام الراحل حسين بدر الدين الحوثي بالتمرد على النظام ازدادت التخريجات والتأويلات حول أهدافه ومراميه، حيث قال البعض أنه يريد إحياء الزيدية الأكثر غلوا من خلال الفكر (الهادوي) القائل بالخروج على الحاكم الظالم بالسيف. وقال آخرون أن الحوثي الابن ادخل السماحة الزيدية المعروفة في ثقب إبرة الشيعة الجعفرية معتمدا على استحضار النموذج الثوري الإيراني، والاستئناس بتجربة (حزب الله) في لبنان.
دولة داخل الدولة
وقبل حين اشتعلت الحرب الخامسة في صعدة بعد أن شرع الحوثي الابن باللجوء إلى التمترس الحربي وإطلاق التصريحات النارية، وتضمنت تلك التصريحات الإنكار العلني للنظام الجمهوري، واعتبار أن ما جرى منذ ثورة 26 سبتمبر ضد نظام الإمامة، خطأ تاريخي يستحق التصحيح، وأخيرا الأخذ بخيار الخروج عن النظام باعتباره نظاماً ظالماً.
ولا يعترف الحوثي الأب بالنظام الجمهوري، ويعتبر أن رئيس الدولة يقوم بولاية عابرة، فيما يرى أن الإمامة هي الأصل في مرجعية الحكم، وقد وردت مثل هذه الأقوال في صحيفة «الوسط») اليمنية وأثارت جدلا واسعا في الساحة.
وما ذهب إليه المراقبون حول تلك المسائل انها تنطوي على إقامة «دولة داخل الدولة»، وتكمن خطورة وحساسية المسألة في أن هذه «الدولة الافتراضية» ستكون في منطقة صعدة معقل الزيدية التاريخية.
الأرض الصعبة بتضاريسها وارتكازها المديد في أساس القابلية للخروج من طاعة الدولة المركزية، الأمر الذي تكرر كثيرا على مدى التاريخ الطويل لليمن، ومازال يستعيد وهجه بالقدر الذي ينتشر فيه السلاح والنفوذ القبلي العصبوي.
حالة عربية
هذه المرة الخطورة أكبر، لأن تسوية مشكلة القبائل يتم عادة بالمراضاة ودفع الإتاوات، لكن الحوثي وأنصاره يتقمّصون روحا عقائدية جهادية، فقد كان الشباب منهم يتهكّمون على القضاة أثناء المحاكمات.
وكانوا يضعون أصابعهم في آذانهم، ويديرون ظهورهم حالما يتحدث القاضي، في حركة تجمع مابين السخرية واللامبالاه، ولو لم يكن هؤلاء الشباب على قناعة عقائدية تخلط بين الايدولوجيا المتعصبة والدين لما وصلوا إلى هذه الحالة، تماما كما نرى في تيارات جهادية دينية تنطلق من منطلقات مغايرة. ما يجري في اليمن ترميز لاحتمالات موازية في عديد البلدان العربية، فمصر مثلا شهدت حالة مشابهة قبل سنوات.
واليوم تتكرر الإضرابات المطلبية للعمال والمهنيين، فيما تنذر النخب السياسية بالتحرك نحو المزيد من الضغوط على النظام. وتنطوي هذه التحركات المطلبية في عموم العالم العربي على إشارات متعلقة بتعابير متباينة، منها ما هو مشروع، إذا اقترنت بالتعبير السلمي، ومنها ما يخرج عن المقاصد المشروعة فيطال المنشآت العامة والخاصة بالضرر.
فحكمة التاريخ الجغرافيا في العالم العربي تتأبى على خريطة « سايكس بيكو» الموروثة. والدليل وحدة المسارات والنماذج السياسية في عموم المنطقة العربية، فحيثما ازدهرت المشاريع القومية تداعت معها بقية البلدان.
وهذا ما نراه الآن أيضا في تيار الإسلام السياسي الموحد «أيديولوجيا» في طول وعرض العالم العربي. وهذا أمر غير طارئ ولا غريب على التاريخ والجغرافيا العربية، بل تأكيد لحقيقة سابقة على الحالات القطرية، والجغرافيا السياسية المفارقة للهوية الثقافية والدينية والتاريخية.
وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك إخفاق الآليات الاقتصادية وتردي الأوضاع الحياتية في جُل البلدان العربية، يصبح من باب تحصيل الحاصل أن نرى ذلك التواشج التفاعلي بين ما يجري في هذا القطر العربي أو ذاك مع مجمل التيارات الفكرية والسياسية في عموم الذاكرة القومية.
الاسلام السياسي
من هنا نستطيع التقاط الإشارة واستيعاب المعاني التي تنطوي عليها سلسلة المظاهر المترافقة مع الحالة العربية الراهنة. فبالإضافة إلى الجدل السياسي غير الخلاق بين فرقاء الحداثة والليبرالية، نجد جدلاً ميدانياً مُتخشباً مع تيار الإسلام السياسي. الأمر الذي يحيل مجمل الصورة إلى متاهة تغيم في المجهول، وحالة تفارق المعقول.
ومن المفجع أن بعض فرقاء الميدان الرسمي والشعبي ليسوا في وارد التقاط الضرورة المطلقة للحوار والتنازلات المتبادلة بحثاً عن مخارج. فالمؤسسة الرسمية مكبلة إلى حد كبير بمرجعيات الماضي، التي تكلّست وفقدت صلاحياتها، والمعارضات لا ترعوي من خلط كل الأوراق، بحثاً عن مكيدة توقع الخصم مهما كانت النتائج.
وما كان لهذه التيارات أن تتبلور بصورتها المتجهمة لولا المظالم الداخلية والعالمية، فبالإضافة إلى خطايا الداخل الماثلة للعيان تستفز فضائيات الأخبار اليومية مشاعر العرب والمسلمين والشباب منهم على وجه الخصوص. فإسرائيل تعربد ليل نهار في الأرض المحتلة، ولا نسمع حتى اعتراضاً واحتجاجاً، وأمريكا تفعل ما تفعل في العراق وأفغانستان ويلتزم الجميع الصمت التام، ولا من رد عربي في صوته الأدنى يضع حدا لغلاة اليمين الإنجيلي الهرمجدوني.
محنة شاملة
وتعد هذه المعطيات بجملتها هي السبب في الحالة الرمادية التي تستأنس العماء، بل حالة التضبُّب الموصولة بقهر اجتماعي وطبقي لا يخفى على أي لبيب، إضافةً إلى هذا فإن المعطيين اللذين أسلفنا الحديث عنهما في صعدة ومأرب لا يمثلان بعداً جغرافياً دالاً فحسب، بل بعداً عربياً شاملاً قد نجد نظيره في أقصى المغرب العربي، كما نجدها في غابات جنوب الصومال. فالمشكلة لا ترتبط بصراع المفاهيم وتعارضاتها، بل أيضاً وبدرجة أكبر بسؤال الأرض ودورة الحياة اليومية، التي تحولت في العالم العربي إلى محنة قاتلة.
علينا أن نعترف اعترافاً مبدئياً وأولياً وسابقاً لكل شيء في أنه من طبائع الأمور أن تتأثر الحركات الإسلامية المختلفة بشقيها السلفي وغير السلفي بالحركات الموازية لها في أي مكان، أو بالرؤى التنظيرية والفكرية القائمة في أماكن أخرى في العالمين العربي والإسلامي.
وعلينا أن نعترف أيضاً بأن المشكلة الجوهرية هي مشكلة داخلية، وأن البيئة الداخلية هي التي تصنع مقدمات الانتماء للتطرف، وتستطيع أن تحاصرها أيضاً، من خلال جملة من التدابير الإنمائية والاقتصادية والاجتماعية المكتوبة عملياً في عديد البرامج السياسية والاقتصادية المقدمة في إطار الدولة. تبعاً لذلك فإن الأوضاع التي تحاصرنا تباعاً، سواء بأشكالها التراجيدية المكفهرة، أو بأشكالها الشعبية السلمية البسيطة، أو بأشكالها المطلبية النظرية.
كل هذه تعبر عن الاعتقاد بأنه من الضروري أن تشرع الدولة عملياً بإعادة المأسسة على قاعدة فض الاشتباك العسير بين القبيلة المشوهة والدولة الحديثة، وبين المجتمع الذي يفترض أن يستقيم على قاعدة النظام والقانون، وعلى قاعدة تعميم ثقافة السلم وثقافة الانتماء للمؤسسة، وبين ثقافة انتشار السلاح المنافية لمرجعية الدولة.
إن هذه الصورة المحزنة للتصادمات غير الحميدة تؤشر إلى مخاض صعب وربما كان هذا المخاض الصعب ضرورة موضوعية، لكن الحكمة تقتضي البحث عن مخارج أقل تراجيدية ومأساوية، ولنا في أمر العراق والصومال وأفغانستان خير درس لمن أراد أن يسمع ويرى ويفهم.
د. عمر عبد العزيز


