في اليمن مذهبان «السني والزيدي»، والتقارب بينهما يصل إلى حد التماهي في الأُصول والفروع، غير أن الواقع المعاصر والتفاعل القائم في البُعدين العربي والإسلامي أفرزا أشكالاً من التطرف في المذهبين.

وما يجري في صعدة ترجمة لمقدمات تتموضع في التاريخ اليمني المعاصر، وتنطلق من منصة سابقة على الحدث. فمن المعروف تاريخيا أن اليمن المعاصر في شطره الشمالي كان يدار وفق منهج الحاكمية التاريخية، التي تستدعي الفكر الإمامي الزيدي، وآخر محطاتها التاريخية حكم الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين الذي ورث الملك عن أبيه الإمام يحيى حميد الدين، الذي مات في حادث اغتيال شهير، ومثل ذلك الحادث ترميزاً مكثفاً للصراع على الإمامة بين بيوتات ادعت دوماً أنها الأحق بها.

ولهذا السبب كان تاريخ الاغتيال السياسي أمرا أصيلاً في معادلة الحكم الامامي الزيدي، فالمرجعية الزيدية تنص على أن يكون الإمام أحد أفراد الطائفة أياً كان، وأن تتوفر فيه جملة من الشروط الأساسية كالعلم والفروسية والرزانة والذكاء وحسن السيرة والسلوك، وغيرها من أحكام كانت تدلل على رُشد في كيفية اختيار الحاكم، غير أن صراع الزيدية التاريخي حول الإمامة دلل بما لا يدع مجالاً للشك على أن المفهوم الأساسي لفكرة الحاكمية كانت قد انتهكت من قبل نخب الطائفة.

ولم يكن هذا الأمر حكراً على الزيدية التاريخية، بل كان له حضور موازٍ في الفكر والسلوك السياسي الإمامي الإباضي.. اليماني تاريخياً، وكذا الفقه الشيعي الجعفري.

لكن الأهم أن فقه الزيدية يختلف أيضاً وجوهراً فقه الشيعة الجعفري، ولقد بين العلامة الشوكاني، وهو أحد كبار فقهاء الدين ممن أصّلوا فقه الزيدية من خلال التماس الوسطية الدينية، أنه لا تكاد توجد فروق واضحة بين المذهبين في الأصول والفروع، ولهذا السبب كانت نقطة اللقاء التاريخي بين المذهبين اليمانيين الإسلاميين الوسطية الناجزة، مما نراه ماثلاً في كل أوجه الحياة، فالمساجد واحدة والطقوس واحدة والتواشج الاجتماعي الحياتي شامل وعدم التناقض بين المذهبين السائدين في اليمن يفسر لنا معنى الصدامات التاريخية التي سادت.

فالصراعات التي كانت قائمة في شمال اليمن لم تكن في جوهرها صراعات مذهبية، بل كانت حول الحاكمية التي توازي المُلك، وقد تساوى في أمر انتهاك المرجعية الزيدية حول الحاكمية كل الأئمة الذين تعاقبوا على السلطة خلال سنوات وعقود ما قبل قيام الجمهورية في السادس والعشرين من سبتمبر لعام 1962. والذين انتموا للزيدية الظاهرية تعاركوا عطفاً على الإمامة الدنيوية لا الدينية.