متغيرات السوق تقفز بالصين إلى مرتبة دولية متقدمة

مسيرة التنين الكبرى تبلغ المعادلة الصعبة

صورة

في زمن القرون الوسطى، وعند مطالع عصر النهضة الأوروبية عادت بلاد الصين تشغل محورا من محاور الاهتمام عند أهل أوروبا بالذات. وجاء ذلك بفضل ازدهار تجارة التوابل والمصنوعات الجلدية والنسيجية في بلاد الشرق الآسيوي (الأورينت). وفي هذا الإطار اشتهر اسم «طريق الحرير» الواصل من تخوم الصين إلى موانئ البحر المتوسط عبر صحارى وسط آسيا وصولا إلى غربها.. حيث تعيش شعوب العروبة والإسلام.

وقد اتسعت نطاقات هذا الاهتمام بفضل رحالة إيطالي مازال اسمه يتردد في حوليات القرنين الثالث عشر والرابع عشر.. وهو «ماركو بولو».. فارق مسقط رأسه في مدينة البندقية (فينيسيا) وركب البحر واجتاز اليابسة عبر الهند ثم إلى الصين التي حط الرحال في مملكتها الإمبراطورية عام 1266 للميلاد. وبعدها أقام ماركو بولو في بلاط حاكمها الكبير قوبلاي خان وعاصمته كامبو لوك (بكين أو بكين حاليا).. وبعد عودته إلى ايطاليا أصبح كتاب رحلاته مرجعا شغفت به وأفادت منه أجيال الدارسين والمؤرخين. من ناحية أخرى، وعلى مستوى السلب.. أطلت الصين على العصر الحديث منذ أواسط القرن التاسع عشر.. وقد أحدقت بها صورة في غاية الكآبة.. هي صورة البلد الذي تناوشته وأحدقت بشعبه أطماع القوى الإمبريالية.. البريطانية والفرنسية واليابانية على وجه الخصوص.. فكيف إذا ما كان من معالم هذه الصورة مثلا انتشار تجارة سموم المخدرات ؟

أو المؤثرات العقلية كما يسمونها في المصطلح الدولي ؟ وفي مقدمتها الأفيون الذي اشتعلت بسببه حربا شنتها قوى الاستعمار الغربي على أرض الصين ثم اتسع نطاق تعاطيه إلى حد الإدمان المدمر بين قطاعات شتى من شعب الصين مع مطالع القرن العشرين.

وبقدر ما أضافت الصين إلى مفردات السياسة في العالم مصطلح «الشعبية» ضمن توصيف الجمهورية التي أنشؤوها بعد انتصار ثورة ماو على خصومها اليابانيين أو على العناصر الصينية بقيادة خصمهم «كاي تشيك».. بقدر ما بدأ العالم يتسامع ؟ كما ألمحنا ؟ بعد نحو 10 سنوات من ذلك التاريخ بمصطلح مستجد آخر لخصته العبارة التالية: القفزة الكبرى (الى الأمام).

كان شعارا يعلن عن بدء اتخاذ، ومن ثم تفعيل، سلسلة من التغيرات الراديكالية بحق في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية في الصين الجديدة.. الشعبية حتى لا ننسى.. وقد استغرقت هذه القفزة، بما لها وما عليها، السنوات الثلاث الصعبة التي أفضت إلى مطالع عقد الستينات واستهدفت ؟ كما يقول محللو تلك الفترة ؟ التعجيل بإنشاء المجتمع الصيني الجديد.

ورغم نصاعة الشعار المذكور إلا أن القوم كانوا يطأون أرضا غير مطروقة من قبل، ومن ثم فقد انطوت القفزة على عدة سلبيات أصابت اقتصاد الصين وراح في أتونها ضحايا من النخب المثقفة ممن حكم عليهم الثوار بأنهم كانوا معادين للمسيرة الثورية أو للقفزة المنشودة إلى الأمام.

ما بعد القفزة الأولى

وقد أدى إلى تفاقم تلك الأحوال عوامل سياسية تمثلت في الخلاف الذي اشتجر من موسكو وبكين منذ أواخر الخمسينات لدرجة أن سحب الروس معوناتهم وخبراتهم التقنية من الصين التي ما لبثت أن تعرضّت في الوقت نفسه إلى غوائل الطقس وغدرات الطبيعة التي جاءت على شكل كوارث طبيعية حدثت فكان أن قوضّت غلات المحاصيل وأسلمت إلى حالة من تذبذب الأمن الغذائي ؟ المعيشي في أرياف الصين.

مع هذا يحسب لصين ؟ الربع الأخير من القرن العشرين أنها أفاقت من مغبة هذه الصدمات السياسية بل والكوارث الطبيعية.. وعمدت بعد رحيل «ماو» وتولي خليفته «دنغ ساو بنغ» مقاليد الأمور إلى وعي الدروس المستفادة من أخطاء الماضي.. مستهدفة رسم مسار جديد في التنمية الوطنية بالداخل وفي مجال العلاقات الدولية إلى خارج الحدود.

هذا الاتجاه هو الذي هيأ الصين كي تدخل عقد التسعينات ومن بعدها العقد الأول من هذا القرن، وقد تأهلت بوصفها قوة عالمية يُعتد بها ويحسب لها حساب جاد، لا من ناحية حجم السكان وحسب ولا من ناحية التعاليم الأيديولوجية ولكن بالدرجة الأولى من ناحية الإنجاز التكنولوجي والصناعي والإنتاجي على حد سواء.

هناك من يطلق على الفترة التي تهيأت لها الصين ؟ الجديدة أو الطموحة كما قد نسميها «عهد الانفتاح».

لكن هناك من عمد مؤخرا إلى الدمج بين دعوات الانفتاح عند الزعيم الثاني «دنغ ساو بنغ» وبين الإنجازات التنموية المرموقة التي حققتها الصين (نحو 10 في المائة معدلا سنويا للنمو).. ومن ثم أطلق عليها الوصف البليغ: «القفزة الكبرى.. الثانية».

القفزة الكبرى

هذا هو العنوان الذي اختارته مجلة «ذي نيشن» الأميركية (عدد 18/1/2010) للتقرير الذي أعده كاتبها «كريستوفر هيز» عن أحدث رحلة قام بها في ربوع الصين.

من واقع هذا التقرير يمكن أن نخلص إلى صورة صين ؟ القرن الحادي والعشرين التي احتفلت في العام الماضي بالذكرى أو العيد الستيني لتأسيسها وهي بلاشك حقبة لا تشكل أكثر من غمضة عين في عمر الزمن وتواريخ الشعوب.

ومن أبرز معالم وظلال هذه الصورة ما يمكن أن نعرضه بإيجاز شديد فيما يلي: إن ساسة الصين وصفوة مثقفيها يقسّمون هذه الحقبة الستينية إلى مرحلتين.. أو فصلين (من فصول مسرحية أو ملحمة) على نحو ما يعبر الكاتب الأميركي في تقريره الشامل:

الفصل الأول يستغرق الفترة 1949 ـ 1978 وهي حقبة الزعيم «ماو» بأفكاره الثورية المتطرفة أحيانا بل والمتهورة في بعض الأحيان.. أما الحقبة الثانية فتبدأ من حكم الزعيم الثاني «بنغ».

وفيما يصفون المرحلة الأولى بأنها كانت حقبة المعاناة والثورة الثقافية فمنهم من يصف المرحلة الثانية بأنها حقبة الإصلاحات والانفتاح.. أما المرحلة الثالثة فيمكن القول بانها بدأت في السنوات القليلة من مطالع القرن الحالي وقد صنفوا فيها الصين ضمن ما أصبح يحمل صفة أو لقب الاقتصادات الناشئة أو البازغة.

* إن منجزات الصين الراهنة كان لابد وأن تتحول بها إلى حيث بات وصف الناشئة وقد تجاوزته تطورات الإنجاز وأصبحت مصطلحات الاقتصاد الدولي تعرف وصف «الاقتصادات الصاعدة» وهو ما أصبح يصدق على تلك الأقطار التي ما برحت تضيف إلى مسيرتها الإنمائية إنجازات جديدة على مدار مسيرة جادة وطموحة ويتجلى بين معالمها عناوين من قبيل العلم و التكنولوجيا والبحث و التطوير.

وفي مقدمة هذه الاقتصادات الصاعدة تأتي الصين في مرحلتها الجديدة أو فصلها الثالث أو عند أولى خطوات قفزتها الكبرى الثانية، فيما يواكبها أو يكاد يواكبها أقطار دينامية الطموح بدورها تجمع بين أسلوب العمل والأمل.. ومنها بالذات الهند في آسيا والبرازيل في أميركا اللاتينية.

* ومن مفارقات الظروف ما يشير إليه الكاتب «كريستوفر هيز» من أن تأتي قفزة الصين الثانية الكبرى متزامنة مع أزمة ؟ كبرى بدورها ؟ ألمّت بالاقتصاد الأميركي بجلالة قدره منذ النصف الثاني من عام 2008 ومازالت عقابيلها ماثلة في جنبات الاقتصاد العالمي على اختلاف النظم والمواقع.

عند خط التجميع

ثم يحدد الكاتب الأميركي أبرز معالم الصورة أو الفصل الجديد من مسيرة الصين في سطور يقول فيها:

* يرتفع الستار عن «الفصل الثالث» للصين الجديدة مع بدايات أزمة مالية تصيب العالم، وتأتي لتكشف عن العيوب التي تشوب الرأسمالية العالمية التي يصفونها بأنها نيولبرالية.

وتأتي أيضا وسط مخاوف من تناقص إمدادات الوقود الأحفوري الذي يحتاج إليه عالمنا على شكل (نفط وفحم بالذات)، بل يصاحب هذا الانخفاض ارتفاع مواز وخطير في درجات حرارة كوكب الأرض مما قد يزيد من ضراوة المنافسة على الموارد الطبيعية..

في الوقت نفسه نجد الصين مشغولة حاليا في أكبر مشاريع التصنيع وأوسع مخططات التحول الحضاري (من الأرياف والبوادي إلى المدن والعواصم) في تاريخ البشر..

وتلك تحولات تتطلب بدورها مبالغ طائلة من الاستثمارات وكميات بالغة الضخامة من أنواع الوقود الأحفوري. يخلص الكاتب الأميركي إلى القول: أصبح المشهد الراهن في الصين أقرب إلى متابعتنا سباقا محموما بسيارات الجيب الصاعدة على سفح جبل بينما يبدأ في الانجراف سيل منهمر من قمة الجبل إلى قاعدته.

صناعة السيارات

وبعيدا عن بلاغة المحللين والكاتبين.. يسجل تقرير «ذي نيشن» الذي نحيل إليه في هذه السطور جولة كاتبه داخل مصنع للسيارات في مدينة «شونكنغ» غربي الصين وهي تقع على ضفاف نهر اليانجتسي: لقد شاهد الزائر الأجنبي خط التجميع الرئيسي لصناعة السيارات بينما كانت تخرج عند طرفه النهائي عربات رمادية اللون من نوع سيارة النقل الصغيرة (ميني فان).. وكم كانت دهشة الزائر الأميركي حين بادره الدليل الصيني، مشيرا إلى هذه الأرتال من السيارات قائلا: هناك 800 مليون من فلاحي الصين يحتاجون إلى هذه السيارات.

هنالك استعاد الكاتب «هيز» عبارة أخرى سبق وأطلقها ممثل الصين في مفاوضات المناخ في كوبنهاجن وغيرها وقال فيها: ليس مطلوبا من الصين أن تظل إمبراطورية الدراجات الهوائية إلى الأبد. والإشارة هنا بالطبع إلى أن مدن الصين مازالت تشهد الألوف من السكان وهم يمتطون تلك الدراجات البسيطة كوسيلة مفضلة للانتقال من مكان إلى مكان.

تغيرات ولكن

العالم يتغير.. والصين أيضا تتغير. ولكن هذه التغيرات تقّض الآن مضاجع المهتمين بشؤون المناخ وقضايا انبعاثات الكربون في أجواز الغلاف الجوي (أتموسفير) المحيط بكوكب الأرض.

ودخول مئات الملايين من سيارات الصين إلى الحلبة كفيل بأن يزيد من هذه الانبعاثات.. ومن هنا تأتي أهمية التماس السبيل الإيجابي الذي يجمع بين حق ملايين البشر في لمسة رفاهية وبين حق الإنسانية بأسرها في كوكب لا تلحق به لعنة التلوث المدمرة للحضارة بشكل عام.

معادلة صعبة.. لكن الآمال معقودة على التماس حلولها.. ومن عجب أنها معقودة على الصين بالدرجة الأولى.

محمد الخولي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات