يواجه الاتحاد الأوروبي ـ وبالذات منطقة اليورو التي تضم 16 دولة ـ جملة تحديات قاسية. وقد تزامن تفاقمها مع الانطلاقة الضعيفة للاتحاد.
وكأنها جاءت لتضع تماسكه، باكراً تحت الامتحان. فمع تسلّم أول رئيس اتحادي وأول وزير خارجية، مهامهما في أول يناير الماضي؛ بدأت أزمة المديونية، الناجمة عن الأزمة المالية، تهدّد بالانفجار، في اليونان؛ كما في البرتغال وإسبانيا ولو بدرجة أقل.
كما كانت قضايا «ناتو» والأمن الأوروبي، من خلال أفغانستان والنووي الإيراني؛ قد بدأت ترمي بثقلها على التركيبة الاتحادية، التي كشفت عن شيء من ضعف التجانس بين أعضائها؛ في مواجهة تحديات من هذه المعايير.
الأمر الذي عكسته البلبلة والتباينات، التي اتسمت بها المداولات والطروحات الأوروبية؛ المتعلقة بهذه الملفات المالية والأمنية. وقد تجلّى ذلك على أوضح وجه، في أعمال مؤتمر ميونخ للأمن؛ مطلع الأسبوع الماضي. المواقف كانت متذبذبة.
التعامل مع القضايا المطروحة، المالية والأمنية؛ غاب عنه الطابع الاتحادي، إلى حدّ بعيد. كما غابت عنها وحدة التصور للمخارج وغلبت عليها الحيرة والارتباك، خاصة فيما يتعلق بحالات العجز المالي وحلولها. لكن الملفت أكثر، كان تقديم مقترحات أمنية، دفاعية، تصبّ عملياً في تجاوز حلف «ناتو». وكأن هناك تعب أوروبي منه وتسليم بأن زمنه قد ولّى. أو ينبغي أن يولّي.
مع أن الملف الإيراني، طغى على اهتمامات هذا المؤتمر السنوي، السادس والأربعين؛ إلا أنه لم يكن الأبرز. ربما لأن الخلافات الأوروبية حوله، من زاوية العقوبات المقترحة؛ ضيقة. حتى الموقف الروسي بات قريباً منها. لكن القضايا التي استأثرت باهتمام أكبر، كانت غير مسبوقة وحملت مؤشرات على توجهات جديدة.
من أهمها كان دعوة ألمانيا لإنشاء «جيش أوروبي تحت مراقبة برلمانية». وقال وزير خارجيتها أنه «على الاتحاد الأوروبي أن يتحمل مسؤوليته السياسية كلاعب عالمي أساسي»؛ وأن بلاده «تريد أن تساهم أوروبا في إدارة الأزمات بشكل قوي».
دعوة تنطوي على أمرين: أن على أوروبا تحمل مسؤوليات أمنها بنفسها. كما عليها أن تحتل موقعاً بقدر حجمها؛ على المسرح الدولي.
كذلك هي تنطوي على رغبة في الخروج من تحت العباءة الأميركية، بحيث يجري التعامل مع أوروبا كقوة بذاتها. الفكرة ليست جديدة. سبق وجرى طرحها أثناء بناء مؤسسات الاتحاد. لكنها لم تطرح في مثل هذه المناسبة. ولو أن البعض ـ مثل وزيرة خارجية الاتحاد ـ أبدى تحفظه إزاءها.
أيضاً شهد المؤتمر دعوات إلى ترك دور أكبر للقوى الدولية الصاعدة، في المحافل الدولية. والمقصود هنا، توسيع مجلس الأمن الدولي لمنح مقاعد دائمة فيه، لهذه الدول.
لكن أهم وربما أخطر ما طرح، كان ما جاء على لسان أمين عام «ناتو»؛ الذي دعا إلى تحويل الحلف إلى «منتدى» عالمي؛ بحيث يجري توسيع مجال دفاعه إلى خارج حدوده الجغرافية الغربية. لكن على أن يحصل ذلك عن طريق «التشاور في القضايا الأمنية على الصعيد العالمي».
وبهذه الصفة، بإمكان «دول مثل الصين وروسيا والهند أن تعبّر عن آرائها في هذا المنتدى». و قال إن هذه الصيغة ستكون من عناصر «النظرية الاستراتيجية «التي سيعتمدها الحلف في قمة لشبونة، الخريف المقبل.
والمعروف أن هناك تحفظات أوروبية، بالذات ألمانية وفرنسية؛تجاه فكرة تحويل الناتو إلى شرطي دولي. لكن بكل حال «ناتو»، صار يبدو وكأنه بات خارج زمانه؛ في صيغته الحالية. والتعبيرات الأوروبية تنطق بذلك.
من رفض مواصلة الحرب إلى جانب أميركا في العراق، إلى رفض معظم الأوروبيين زيادة عدد قواتهم في أفغانستان. بريطانيا أرسلت خمسمئة جندي. الباقون امتنعوا أو تجاهلوا الطلب الأميركي. واقتراح تحويله إلى «منتدى» أقرب، عملياً، إلى طلب إحالته على التقاعد.
تخبّط أوروبا الاقتصادي ـ المالي، لا يقل عن حيرتها الأمنية. عجز منطقة اليورو عن تقديم العون المطلوب أو حتى المجيء بصيغة إنقاذ لثلاثة من بلدانها، عجزوا عن تسديد ديونهم؛ دليل آخر على عدم وجود بوصلة اتحادية.
المطروح الآن، إنشاء «حكومة اقتصادية موحدة»، تتكفل بالتصدي للأزمات والمشكلات الاقتصادية الأوروبية. هذا على المدى الأبعد. أما في الوقت الراهن، فالارتباك سيد الموقف. ومعه تبقى أوروبا تبحث عن نفسها كما عن حلولها الأمنية والمالية وحتى إشعار آخر.
فيكتور شلهوب
