ممارسة الديمقراطية على مستوى مؤسسات النظام السياسي في غالبية بلدان الديمقراطيات الناشئة تلاقي دوما تقييمات سلبية، لاسيما عندما تقيم من منطلق ما أسفرت عنه من تناوب سياسي بين اللاعبين السياسيين.

إذ يرصد الدارسون والباحثون في تجارب الديمقراطيات العربية معوقات كبيرة أمام التداول السلمي للسلطة، وصعوبة في حصول تناوب فعلي عليها، مستدلين على ذلك باستمرار هيمنة النخب السياسية وديمومة بقاء اللاعبين في مواقعهم دون أي تغيير، لا في الأشخاص ولا في الأدوار، ما دفع البعض من أولئك الدارسين والباحثين والمعنيين بقضايا الديمقراطية إلى بحث هذه الإشكالية على مستوى أعمق وأشمل يغوص في تحليل البنى الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية التي تعيش هذه التجربة. وفي هذا الإطار تطرح الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية نفسها كوجه من وجوه هذه الإشكالية، الباحث والكاتب محمد الحاضري حول هذه الإشكالية يرى أن خلل ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب اليمنية هو معيار للحكم على عدم تحويلها لوعيها النظري، وإلى ممارسة مادية من جهة وعدم تعبيرها الذاتي عن الوعي الحقيقي لمعنى أنها قوة تغيير اجتماعي وسياسي من جهة أخرى، وذلك لأنها في حقيقتها امتداد لسلبيات الواقع الذي تغيب في مؤسساته الاجتماعية،،والتربوية، والثقافية الممارسة الديمقراطية.

وعدم ديمقراطية الأحزاب حسب الحاضري يظهر من خلال احتكار الشلل الحزبية الانتهازية للمواقع القيادية وإزاحتها للطاقات القيادية الواعدة، وأيضا، وفق ما يقوله الحاضري، إقصائها للعناصر القيادية المستقلة، إذ إن تعاملها مع مفهوم الاستقلال الشخصي ينطلق من زاوية أن المستقل هو نموذج لاغ للحزبية، فيما ترى في ذاتها قائدة المجتمع وطليعته.

وإذا تعاملت مع النموذج المستقل غالبا ما يكون من المنتمين إليها فكريا وأيديولوجيا، الأمر الآخر وفقا للحاضري أن الغالب على الممارسة الديمقراطية الحزبية هو الأسلوب التصعيدي الذي يفضي عادة إلى هيمنة العناصر القيادية الانتهازية والوصولية المدفوعة بتحقيق الطموح الوجاهي الشخصي، مع ما يترتب عليه من مكانة اجتماعية ومن حضور داخل الطبقة السياسية.

وهذه هي ديمقراطية شكلية، الأمر الذي يعطي مضمونا عكسيا لنتيجة الممارسة الديمقراطية، وهو عدم قدرة هذه النماذج على أن تقدم حلولا وطنية لأنها مشدودة لحساباتها الخاصة أكثر منها حسابات وطنية، وبالتالي فقدت بريقها وجاذبيتها، حتى إن التكوينات الحزبية أضحت مبعثا للنفور مثلها مثل الطبقة الحاكمة.

مناخ عام

علي سيف حسن القيادي الناصري السابق رئيس المنتدى السياسي حول ذلك قال لـ «البيان»: الديمقراطية في الأحزاب لا يمكن أن تنفصل أو تتميز عن الديمقراطية في اليمن بشكل عام.

وما الأحزاب إلا نماذج مصغرة للواقع اليمني بشكل عام، فالديمقراطية في اليمن ليست أكثر من زائرة مؤدبة وخجولة مقارنة بالقيم التقليدية الراسخة والمتعمقة في وعي وقيم المجتمع اليمني ومتحكمة بالنظام السياسي والمنظومة الحزبية.

شرعية القيادة في الأحزاب مصدرها التقاليد الخاصة بكل حزب على حدة، وما نشهده من مؤتمرات وانتخابات ما هي إلا أدوات جنينية ما زالت في دور التخلق وفي الحدود الآمنة.

والأمر كذلك بالنسبة لعملية صنع القرارات داخل الأحزاب، فهي محكومة أساسا بالتقاليد والضوابط التاريخية لكل حزب على حدة. ويخلص علي سيف إلى القول «لا أتوقع تغييرا سريعا أو مؤثرا في مصادر شرعية القيادة في الأحزاب بحيث تصبح الممارسات الديمقراطية هي الأساس في ذلك، كما لا أتوقع أن تصبح التقاليد الديمقراطية الحديثة هي المنهج المتبع في صنع القرارات في الأحزاب اليمنية».

نجيب غلاب مدرس للعلوم السياسية، جامعة صنعاء أمين عام منتدى الجزيرة العربية، من جهته يرى أن مشكلة الأحزاب العويصة انها في قبضة زعامة مهيمنة على كل شيء في الحزب، وإرادتها هي الفاعلة والمنتجة لفعل الحزب وقراراته وسياساته المختلفة، وعادة ما تؤدي هيمنة نخبة او زعيم إلى خلق ديكتاتورية حزبية تلغي الديمقراطية أو تنتج ديمقراطية شكلية متحكماً فيها أو ديمقراطية تعمل لصالح القوة المتحكمة بالحزب والتي تقاوم الديمقراطية، لأنها تقود إلى تغيير وتهدد مواقع المهيمنين.

وقد يبدو الحزب ديمقراطياً من خلال توزيع الاختصاصات في اللوائح والأنظمة أن ما هو مكتوب غير الواقع الفعلي، فالقيادات الوسطية والقواعد راضخة لإرادة الأقلية آو الزعيم، والمشكلة العويصة الأخرى، يضيف غلاب، هي أن الأحزاب غالبا ما تتأسس بدوافع طائفية كالأحزاب الإسلاموية.

وهذه الأحزاب رغم المظهر العام لها وبرامجها الداعية للحريات وقيم المواطنة، إلا أنها في حقيقتها أحزاب فاشية، فأسلوب تربيتها لأعضائها، وإدارتها لمنظومتها الحزبية وسلوكها التعبوي داخل الحزب، يعمل لصالح نخبة عقائدية تمارس السياسة بوجه منفتح والباطن صرامة قاتلة يمكن فهمها من خلال إدارتها للمنظومة الحزبية، والسرية هي الأصل ونظرية المؤامرة هي المتحكمة في سلوكها، والإيديولوجية جعلتها أحزاباً اقرب إلى المؤسسات الأمنية منها إلى المنظمات المدنية.

صراعات حزبية

ويستطرد غلاب موضحا: هناك مركزية شديدة عادة ما يتولد نتيجة ذلك صراع على المواقع داخل الحزب يتولاها الأكثر قدرة على الاستجابة لرغبة الزعيم أو النخبة المهيمنة.

وهذا الصراع يولد الديكتاتورية نتيجة غياب الآليات الديمقراطية الواضحة، ويكون الصراع على المواقع الحزبية لنيل المصالح، بمعنى انه صراع انتهازي للحصول على الغنائم وتوظيف الحزب وطاقته الجماهيرية في خدمة المصالح الأنانية لا الصالح العام. ويخلص أمين عام منتدى الجزيرة العربية إلى أن التجربة التي تعيشها الأحزاب العربية جعلها تفقد هيبتها وسمعتها، وجعلها معزولة عن الجمهور.

مشيرا إلى أنها تبقى مجرد صورة هزيلة لواقع غير قادر على التعامل مع الحداثة، والثقافة التي تتعامل مع منتجات الحداثة هي الثقافة التقليدية، إن أي نقلة نوعية تحتاج إلى تأسيس ثقافي جديد وبدونه فإن التحول سيظل عاجزا عن ترسيخ الديمقراطية، وهذا لا يعني ترك الديمقراطية، التي أضحت حتمية ضرورية تساعد وتسهم في ترسيخ الثقافة الجديدة.

صنعاء ـ عبدالكريم سلام