الطائفية السياسية والجمعيات واللجان الشعبية بديلاً في بعض الأقطار

ديمقراطية الأحزاب العربية..شكلية وتفتقد الجدية

صورة

«فاقد الشيء لا يعطيه»..هكذا قيل في الأثر، وهو ما ينطق جملة وتفصيلا على الأحزاب السياسية في العالم العربي، فالمدقق والمتابع لمسيرة الأحزاب السياسية في عالمنا العربي لا شك أنه سيعرف السر الخفي في حالة الشك والريبة والتربص التي يتعامل بها المواطن العربي مع تلك الأحزاب سواء كانت حاكمة أو معارضة. فلا يمكن لمن يتابع أوضاع الأحزاب السياسية الداخلية من فقر وقلة امكانيات وعدم تنظيم وقلة حيلة، أن يتوقع منها أن تتنافس سياسيا مع الحزب الحاكم، كما أن من يتشبث بكرسي رئاسة الحزب الذي لا قيمة له تذكر ويقاتل من أجله ويدفع من أجله الغالي والنفيس، لا يتصور أن نتوقع أن يكون حامي حمى الديمقراطية في بلاده إذا ما أمسك بزمام الحكم.

غياب الديمقراطية... يؤكد الدكتور عمار علي حسن رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية السابق أن الأحزاب السياسية العربية تعاني من غياب الديمقراطية الداخلية، وأنها مصابة بالمرض نفسه الذي اصيبت به السلطة في الدول العربية وهو الاستبداد والفساد، مؤكدا أنها إما أحزاب ديكورية ملحقة بالحزب الحاكم لإضفاء نوع من التعددية الحزبية، وإما أنها ترضى بالفتات المتاح لها أو الهامش الضيق من الديمقراطية والحرية الذي تتيحه الأنظمة الحاكمة. وأضاف أن أغلب الأحزاب السياسية العربية لا يطرح نفسه بديلا عن السلطة القائمة، فهي تؤدي وظيفة شكلية، حيث تساعدها السلطة الحاكمة على التكلس والجمود دون إصلاح أو تحديث. مشيرا إلى أنه في الغالب يتم استمالة رؤساء هذه الأحزاب لصالح السلطة وتمنحهم عددا من المميزات والهبات الخاصة، هذا فضلا عن أن تلك الأحزاب وقياداتها ليس لديهم النية للإصلاح الداخلي ولا الطموح للوصول للسلطة، والذي يمثل أي غاية لأي حزب سياسي في أية دولة تعيش ديمقراطية فعلية ولديها أحزاب حقيقية وليست ديكورية. ولفت إلى أن حال الأحزاب الشكلية والهشة والضعيفة والمرتزقة في مصر لا يختلف عن مثيله في اليمن ولا سوريا، فهذه الدول تعيش حالة الحزب الواحد مع وجود تعددية حزبية شكلية.

احزاب ضعيفة... وقال إنه في الجزائر والمغرب وعلى الرغم من أن الأحزاب هناك لديها الرغبة في لعب دور سياسي، إلا أنها أحزاب ضعيفة غير قادرة على الفوز بنسب مريحة تؤهلها لتولي السلطة وتبادل اللعبة السياسية مع الأحزاب الحاكمة، وهي ترضى بواقعها الحالي وترضخ لضغوط السلطة. وتابع:أما في السودان فقد كانت هناك بوادر تجربة حزبية واعدة من خلال حزبين قويين وهما التجمع الوطني والاتحادي، إلى أن ظهر حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة الرئيس عمر البشير الذي عمد إلى توجيه العديد من الضربات للحزبين لإضعافهما والانفراد بالسلطة، شأنه في ذلك شأن كل الأحزاب العربية الحاكمة. وأعرب عن اعتقاده بأن الشارع العربي لا يثق في هذه الأحزاب، بل إن بعض كوادر هذه الأحزاب نفسها لا تثق في قياداتها، وهناك خلافات كثيرة بين القواعد والقيادات الحزبية التي فشلت في اقناع كوادرها فكيف لها أن تقنع الشارع السياسي بها؟!

وأوضح أن الشارع العربي يعرف أن هذه الأحزاب ليس لها طموح ولا قدرة لها ولا امكانية لمنافسة الأحزاب الحاكمة، والأكثر من ذلك أن المواطن يعرف جيدا أن تلك الأحزاب تشارك النظام الحاكم لعبة سياسية معينة وأنها أحد أطراف التمثيلية السياسية التي تنفذها السلطة لتجميل صورة النظام على حساب الشعب والمواطن. يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع الخبير بملف شؤون الأحزاب بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن ما تعانيه الأحزاب السياسية في عالمنا العربي راجع في الأساس إلى استمرار هيمنة النظام السياسي على السلطة، والذي يعد من أهم الموروثات السياسية، مما جعل ميراث السلطاوية أكثر بكثير من ميراث الديمقراطية والذي مازال مستمرا وقائما رغم التعددية الحزبية الكرتونية الهشة.

وتابع: إن من بين الاسباب لضعف وهشاشة الأحزاب أيضا الميراث التاريخي الناتج من المركزية السلطوية المستبدة، يضاف لذلك المشاكل الخاصة بالأحزاب السياسية.

حيث إن كل هذه المشاكل انعكست بشكل كبير على الأحزاب السياسية ونتج عنها أحزاب بلا أرضية سياسية ولا شعبية ديمقراطية، فهي أحزاب تنشأ وتتشكل بقرارات إدارية، وهو ما أدى إلى قتل الرغبة لدى هذه الأحزاب في أن تكون أحزابا ديمقراطية حقيقية، الأمر الذي ترتب عليه انتقال الاستبداد والفساد والديكتاتورية وهيمنة الفرد وعدم تداول المناصب الحزبية وغياب التنظيم عن تلك الأحزاب.

ولفت إلى أن أحزاباً بتلك الوضعية لا يمكن أن يثق بها المواطن، وهو ما يجعل الأمور «محلك سر» ويخلق درجة من الإحباط واليأس، نتيجة أن الرغبة في التغيير تصطدم دائما في عدم وجود بديل مناسب، فالبديل ضعيف هش مهادن.

وضرب مثالا على ذلك بأنه عندما جرى الحديث مؤخرا عن البحث عن بديل مناسب للرئيس المصري حسني مبارك كانت الحلول المتاحة هي لشخصيات مستقلة، سواء كان محمد البرادعي أو عمرو موسى بعيدا عن الأحزاب السياسية التي فشلت في أن تخرج كادراً أو قيادة حزبية للترشح لمنصب الرئيس، وهو أمر جد محبط.

الفساد والسلطوية

ويعترف الدكتور محمود اباظة رئيس حزب الوفد المعارض في مصر، بأن بعض قيادات الأحزاب بمجرد توليهم رئاسة الحزب ينسون المبادئ والقيم التي كثيرا ما دعوا وسوقوا لها ويستبدلون دعاوى الحرية والديمقراطية والتعددية والمساواة بالديكتاتورية والاستبداد والفردية والفساد والسلطوية، ونجدهم يقربون منهم أصحاب الثقة على حساب اصحاب الكفاءة.

كما يحاولون إقصاء كافة الكوادر الحزبية التي يمكن أن تشكل منافسة مستقبلية لهم لضمان بقائهم لأطول فترة ممكنة، مقلدين في ذلك الكثير من الأنظمة الحاكمة الاستبدادية.

أحزاب عائلية

أما حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة (تحت التأسيس)، فقد أشار إلى أن التجربة الحزبية في العالم العربي هي تجربة حديثة، وولدت من رحم نظم حكم فردية سلطوية مستبدة، وبالتالي فمن الطبيعي والمنطقي أن تخرج التجربة الحزبية سقطا حاملا لكل سمات البيئة التي خرجت فيها من مظاهر الاستبداد والفردية.

ولفت إلى أنه لكي تنجح التجربة الحزبية في العالم العربي، لابد من توسعة المشاركة الجماهيرية وتوسيع أرضية الأحزاب بالشارع السياسي، خاصة وأن المواطنين مازالت لديهم حالة من الريبة والنظر بعين الشك تجاه السلطات والأنظمة والأحزاب الحاكمة.

وأضاف: إنه من المؤسف أن الكثير من الأحزاب السياسية هي أحزاب عائلية، وأغلب أعضائها أو قيادات الحزب هم من عائلة او اصدقاء أو أتباع رئيس الحزب ولا تتعدى شعبية الحزب شعبية أسرة رئيس الحزب، في الوقت الذي توجد أحزاب تتمتع بثقل سياسي وأرضية جماهيرية واسعة وشعبية مضطردة في الشارع السياسي، ولكنها غير قادرة على التواجد الطبيعي والقانوني، نظرا لعرقلة السلطات لمساعيها لاكتساب الشرعية القانونية، نظرا لأن تلك السلطات تستشعر ثقلها وشعبيتها، وهي لا تريد أية منافسة حقيقية لها.

وتابع صباحي: إن هذه هي الإشكالية الثانية التي تواجه الأحزاب السياسية في المنطقة العربية، حيث تتحكم الأجهزة الإدارية التي غالبا ما تتبع الأنظمة الحاكمة من خلال سياسات انتقائية غير شفافة وغير محايدة في الموافقة على الأحزاب من عدمه، وهذا سبب منطقي وطبيعي لاقتصار موافقتها على الأحزاب الهشة والضعيفة والشكلية.

ديمقراطية نسبية

في المقابل يرى الدكتور جهاد عودة عضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر، أن الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية هو أمر نسبي، قائلا: إن الحزب الوطني الديمقراطي يعد أفضل حزب سياسي ممارسة للديمقراطية داخله.

مشيرا إلى وجود خلافات داخلية واضحة بين كوادر وقيادات وقواعد الحزب، معتبرا ذلك ظاهرة صحية لأنها لا تؤثر في اتخاذ القرار داخل الحزب ولا في سياسات الحزب طالما أن الخلاف في الاطار المنهجي والفكري للحزب.

وأضاف: إنه فيما يتعلق ببقية الأحزاب فهي لديها مشكلات كثيرة ولا تعرف طريقا لحل هذه المشكلات، وتابع: صحيح أن أي حزب في أنحاء العالم، بما في ذلك الدول الراسخة ديمقراطيا، لديه مشكلات وخلافات، ولكن المهم هو ما إذا كان هذا الحزب يمتلك آليات معينة ومحددة ومعروفة لحل المشاكل وتسوية الخلافات، زاعما أن الحزب الوطني لديه هذه الآلية.

وأعرب عودة عن أمله في أن تتمكن الأحزاب المختلفة من ترسيخ حجمها وثقلها في الشارع السياسي، مشيرا إلى أنه لن يتأتى ذلك إلا من خلال جهد منظم، وتواجد دؤوب بالشارع، والتلاحم مع المواطن ومشاكله وقضاياه، والتفاعل معها بإيجابية.

مجردة شماعة

ونفى عودة أن تكون الأنظمة الحاكمة تتعمد عرقلة أنشطة أحزاب المعارضة وتضيق عليها الخناق، مؤكدا أن هذه مجرد شماعة تعلق عليها الأحزاب السياسية فشلها وعجزها عن الالتحام بالمواطن وقضاياه، وتبرر به فشلها في الشارع سياسي.

وقال: نحن أيضا نتعرض لنفس القيود ونقدم نفس المطالب للأجهزة المختصة، وفي كثير من الأحيان ترفض طلباتنا للتواجد بالشارع، وهذا قانون عام في الدولة وهو يسري على الجميع بما فيهم الحزب الحاكم، ولكننا لا نقف عاجزين ونحاول بشتى الطرق التواصل مع الجماهير والتفاعل معها، ولا نصطنع المبررات ولا نسوق الحجج.

وهذا هو الفارق بين حزب لديه أهداف سياسية واقتصادية ومجتمعية يسعى لتحقيقها خدمة لجماهيره، وأحزاب أخرى تحبس نفسها في مقراتها، متعللة بعلل واهية لا اصل لها على أرض الواقع.

طوائف وليست احزابا

لبنان والعراق لا نستطيع أن نقول إن هناك أحزابا سياسية ولكن هناك طائفية سياسية، كما أن هناك بلدانا عربية أخرى لا تعرف الممارسة الحزبية مثل دول الخليج العربي وليبيا وإنما بها جمعيات ولجان شعبية من بين الاسباب لضعف وهشاشة الأحزاب أيضا الميراث التاريخي الناتج من المركزية السلطوية المستبدة.

يضاف لذلك المشاكل الخاصة بالأحزاب السياسية، حيث إن كل هذه المشاكل انعكست بشكل كبير على الأحزاب السياسية ونتج عنها أحزاب بلا أرضية سياسية ولا شعبية ديمقراطية، فهي أحزاب تنشأ وتتشكل بقرارات إدارية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات