وقفنا في المقال السابق عند طرح قرنق لخيار الوحدة الكاملة، أو الحد الأدنى من الوحدة والذي يكاد يقارب النظام الكونفدرالي. ولكن، كما أشرنا، خيار الكونفدرالية نفسه كان مطروحاً منذ تسعينات القرن الماضي، أي قبل توقيع إتفاقية السلام الشامل. ولربما لو قبلت حكومة الإنقاذ ذلك الخيار في وقته لما إنتهينا إلى تضمين حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في بروتوكول ماشاكوس، بل ولربما أصبحت مفاوضات ماشاكوس أمراً غير ذي موضوع.

خيار الكونفدرالية طُرح للمرة الأولى في مفاوضات أبوجا (1991م) من جانب الرئيس النيجيري إبراهيم بابانجيدا بعد أن فشلت كل جهوده لإقناع الوفد الحكومي بحل يحقق للسودان السلام والوحدة معاً. تلك هي الأيام التي كانت حكومة الإنقاذ تسعى فيها لإقامة دولة دينية يتجاوز سلطانها وهاد السودان ونجادها. الرد على دعوة بابانجيدا للكونفدرالية، بموافقة الحركة، جاء سريعاً وغاضباً من رئيس الوفد الحكومي المفاوض: محمد الأمين خليفة. قال خليفة: «الكونفدرالية لن تتحقق إلا عبر فوهة البندقية». لو قُبل ذلك الخيار يومذاك لما أخذنا نتحدث عن الكونفدرالية اليوم وكأنها فتح القدير، أو نور قذف به الله في قلوبنا كما نَوَّرها من قبل بمزايا الفدرالية من بعد ماظللنا ننكرها لعقود من الزمان.

ولربما أصبحت الكونفدرالية، لو تأتت لنا يومذاك عن طريق التراضي لا عبر فوهة البندقية، مدخلاً لمعالجة بعض مشاكل السودان الأخرى. كانت دعوة قرنق يومذاك هي تشكيل الدولة السودانية من أربع وحدات: الجنوب / الغرب / الشمال / الشرق والوسط ذات استقلال كامل في إدارة شؤونها على ان تكون هناك حكومة مركزية لا تتجاوز مسؤوليتها: الدفاع، الشؤون الخارجية، النقد والعملة.

وكان من رأيه أن هذا النمط من النظام سينهي حالة الاستقطاب بين الشمال والجنوب ويوفر أرضية صالحة لتحقيق لا مركزية الحكم. ولكن في اللحظة التي أصبح فيه تحقيق الكونفدرالية أمراً لا يتحقق إلا عبر فوهة البندقية لم يعد هناك مجال للدخول في هذه التفصيلات.

إعادة النظر في الإتفاقية في الساعة الحادية عشرة من عمر الفترة الإنتقالية قد يَعسُر كثيراً، حتى إن تيسر قبول الطرفين لتعديلها حتى تتضمن خيار الكونفدرالية. فقبل ان تكون هناك كونفدرالية لابد من الإتفاق على طبيعة تلك الدولة، وماهية القانون الجامع الذي تستظل به.

ولا شك في أن الذين تابعوا الجدل الذي دار بين دينق ألور وغازي صلاح الدين في ندوة الوحدة وتقرير المصير في السودان التي نظمتها الأمم المتحدة ومركز دراسات المستقبل (3 نوفمبر 2009م) يدركون ما يعنيه القانون الجامع في نظر بعض مثقفي الجنوب، إن حسبنا أن دينق الور واحد منهم رغم أن إنتماءه للشمال الثقافي يتجاوز بكثير إنتماءه للجنوب.

لو قرأ الناس ما بين السطور لأدركوا أن ما كان يعنيه دينق الور الذي تربى في بيئة عربية إسلامية ودرس القرآن وأدب العرب، كان ذلك في مصر أو الجزيرة الفيحاء في السودان، هو الطابع الديني للقوانين في الدولة المركزية، رغم أن هذا الطابع الديني وهم.

فرغم أن الدستور ينص على أن «تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوى القومي وتطبق على ولايات شمال السودان (المادة 5(1)»، إلا أن تسعين بالمئة من قوانين السودان، في حقيقة الأمر، قوانين مستمدة من الأعراف والشرائع الدولية.

كما أنه رغم النصوص القطعية في الإسلام بشأن حدود السرقة أو الزنا أو الحرابة لم يجسر حاكم على تطبيقها قطعاً أو رجماً، ناهيك عن القطع من خلاف. فإن كانت الحكمة السياسية أو الإجتهاد الخلاق قد هدى الحاكم المسلم، أو القاضي المكلف بتطبيق شرع الله، لتجاوز ما هو قطعي من الأحكام فلماذا لم تهد كليهما تلك الحكمة، أو ذلك الإجتهاد إلى تجاوز أحكام في قضايا أخرى مثل ما يسمى خدش الحياء العام ومثله السائر هو جلد النساء بسبب ما يرتدين من زي، أو الدعارة، بمعنى الفسق والفجور.

تلك التهمة، فيما نقدر، لم يراد بها إلا التحايل على ما نص عليه الشرع من بينات أساسية لإثبات تهمة محددة تتجاوز الفسق والفجور، هي الزنا، مما يوحي بأن تلك التهمة الفضفاضة لا يقصد منها إقامة حدود الله وإنما التشهير الإنتقائي بالبشر.

كل هذه القضايا تعني أهل الشمال الذين تطبق عليهم هذه القوانين ولا تعني أهل الجنوب الذين نتمنى أن نجعل الوحدة جاذبة لهم. ولهذا فإن حسبنا أن غازي صلاح الدين كان محقاً في تنبيه دينق ألور أن ليس هناك في الإتفاقية ما يدعو للفصل بين الدين والسياسة على اعتبار أن دولة الشريعة تطبق الشريعة، نبدي أن الذي عناه دينق هو أمور أخرى، لا شك في ان غازي بها عليم.

من ذلك تداعيات تطبيق الشريعة التي تنفر الجنوبي في الشمال، كما تنفر المسلم الشمالي من دينه: مطاردة النساء بصورة مزرية تحط من إنسانيتهن، استباحة حقوق غير المسلمين في العاصمة القومية رغم ما كفله لهم الدستور من حماية، وأخطرها غلواء الدعاة الدينيين الذين يركبون مناهي الشرع وهم يصدرون الفتاوى باسمه ضاربين عرض الحائط بالإتفاقية والدستور والعهود الدولية التي تبنتها الوثيقتان دون أن يزجرهم زاجر أو يردعهم رادع.

ما هي الكونفدرالية

عن أي كونفدرالية نتحدث؟ الكونفدرالية نظام للحكم يغلب فيه الجانب النظري على ذلك التجريبي. ويعود تاريخ الكونفدرالية إلى تجربتين في تاريخ التطور الدستوري المعاصر: الأولى هي حرب التحرير الأميركية وإنشاء الولايات المتحدة كنظام كونفدرالي. الثانية هي تلك التي تلت هزيمة نابليون في ووترلو (1815م) خاصة بعد إنهاء الهيمنة الفرنسية وسقوط الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

ضم النظام الكونفدرالي الأميركي ثلاث عشرة ولاية: نيو هامشير، ماسيشوستس، رود إيلاند، ديلاوير، كونكتكت، نيوجيرسي، نيويورك، بنسلفانيا، ميريلاند، فيرجينا، كارولينا الشمالية، كارولينا الجنوبية، جورجيا.

وبموجب الدستور الكونفدرالي الذي صدر في عام 1777م، وصدقت عليه الولايات في نفس العام فيما عرف بالمؤتمر القارئ الثاني (Second Contenential Congress) مُنِحت الولايات استقلالاً كاملاً في إدارة شؤونها الداخلية، في حين إقتصرت إختصاصات المركز على الدفاع، النقد، العلاقات مع الخارج.

ذلك النظام انتهى في يونيو 1788 عندما أفلح الإتحاديون (Federalists) في تحويل النظام إلى نظام فدرالي هو الذي سارت عليه الولايات المتحدة من بعد وتضامت إليه ولايات الوسط والغرب.

أما في الحالة الأوروبية فقد توحدت كنظام كونفدرالي الدول الجيرمانية وأكبرها الإمبراطورية النمساوية ومملكة بروسيا في عام 1850م. وسرعان ما انهار ذلك النظام نتيجة التنافس بين الطرفين الأكبر في الكونفدرالية (بروسيا والنمسا) والذي قاد إلى الحرب النمساوية البروسية في عام 1866.

نشأ، فيما بعد، تحالف كونفدرالي جديد لدول شمال وجنوب ألمانيا تحت رعاية النمسا وبقي حتى مؤتمر فيرساي 1871م الذي تقرر فيه توحيد دول شمال وجنوب ألمانيا، وكان لبسمارك دور كبير في ذلك. ثمة تجربة أخرى نشير إليها عرضاً لأنها لم تدم طويلاً، تلك هي التجربة الكندية إذ نشأت كندا كدولة كونفدرالية في عام 1867م بموجب الدستور الذي وحد بين المستعمرات البريطانية في أميركا الشمالية (كندا، برنسويك الجديدة، اسكتلندا الجديدة)، إلا أن تلك التجربة لم تبطئ لكيما تتحول إلى دولة فدرالية عقب ضم أقاليم الغرب والوسط إليها، إلى جانب كويبك.

الأنموذج السويسري

يسود ظن بأن الدولة الكونفدرالية الوحيدة في عالم اليوم هي سويسرا. تلك الدولة ولدت في ظروف تاريخية معينة ثم تطورت إلى نظام خليط بين الفدرالي والكونفدرالي رغم نعتها لنفسها بالكونفدرالية، فالاسم الرسمي لسويسرا هو الكونفدريشن السويسري (Confederation Helevetique).

تكونت تلك الدولة في عام1292م كدولة كونفدرالية تضم دويلات يطلق عليها اسم الكانتونات (Cantons) تتمتع باستقلال كبير في تدبير شؤونها الداخلية. الدافع لتوحيد هذه الدويلات كان هو الرغبة في تسهيل وتنسيق التجارة فيما بينها، خاصة بين أهل المناطق الواطئة والمناطق الجبلية.

ولم تكن لهذه الدويلات يومذاك أية علاقات مع العالم الخارجي تستلزم التنسيق، كما لم تكن هناك مدعاة لدفاع خارجي. رغم هذه الوحدة الهزيلة قادت سبعة كانتونات في عام 1874 ما يعرف بحرب الإنفصال (Sonderbundskrieg) للتحلل مما حسبته هيمنة قابضة من السلطة المركزية، وأنشأت في عام 1848م ما يعرف بالإتحاد الإنفصالي (Sounderbund) الذي ضم دويلات يجمع بينها الدين واللغة: الكاثوليكية واللغة الألمانية: لوسيرن، فاليي، فريبورج، اوري، شويز، انتروالدِن، زوق. وبعد أعوام ثلاثة أعيد تكوين الدولة من جديد على أساس فدرالي رغم الحفاظ على الإطار الكونفدرالي اسماً.

اوامر الشمال والجنوب

النظام الكونفدرالي، حسب هذه التجارب هو نظام حكم تؤسسه اتفاقية بين طرفين أو أكثر ارتضت بطوعها واختيارها التعاون في مجالات مختلفة مثل الدفاع، الشؤون الخارجية، السياسة النقدية والعملة، وتواطأت على دستور ينظم العلاقة فيما بينها في هذه المجالات، مع المحافظة على سيادتها.

ذلك الدستور لا يُعدل إلا بإجماع الأطراف الموقعة عليه، مما يعني أن الدولة الكونفدرالية لا تقوم إلا على أساس عقد يُبرم وينقض بإجماع المتعاقدين. نرى في كل هذه التجارب أن الدول التي جنحت إلى النظام الكونفدرالي كانت تدرك حاجتها لتعاون مشترك، إما لإعتبارات الدفاع عن النفس، أو التكامل الإقتصادي، أو تنسيق سياسات التعامل مع الخارج.

كما نلاحظ أيضاً أنه في جميع الحالات التي وقع فيها الخلاف بين الدول الكونفدرالية كان ذلك إما بسبب الخوف من هيمنة الأخ الاكبر (النمسا ـ بروسيا)، أو الغيرة على الدين (الكاثوليك ـ الكالفينين في سويسرا). تلك هي القضايا التي لابد من إستصحابها عند النظر في قيام نظام كونفدرالي في السودان لتوحيد البلدين على أسس جديدة. هل هناك من عقبات تحول دون إقامة نظام كونفدرالي في السودان إن تحول إلى دولتين مستقلتين عقب تقرير المصير؟

الجواب لا من ناحية المبدأ، إذ ظلت قيادات الجنوب تكرر أن الإنفصال ينبغي أن لا يقطع الأواصر بين الجنوب والشمال، أو يحَول دون تمتين العلائق بين البلدين، ويحافظ على المصالح المشتركة بين أهليهما.

الجواب أيضاً نعم، هناك عقبات، إن أخذنا في الاعتبار طبيعة المجالات التي ستخضع لسلطة الدولة الكونفدرالية. فحين لا يرى المرء عسارة كبيرة في توافق الطرفين على تنسيق السياسات النقدية، أو برامج التكامل الإقتصادي، أو حرية انتقال عوامل الإنتاج بين البلدين الا أن ثمة مشاكل قد تطرأ في مجال الدفاع والسياسة الخارجية. في هذين المجالين يصعب الإجتماع على رأي واحد طالما كانت تلك السياسات رهينة لدوافع أيديولوجية.

هذا، بالضرورة، يثير أسئلة ويتطلب إجابات حول موجهات السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية، بمعنى إتحاد الرأي على الأهداف الإستراتيجية للسياستين، والإتفاق على المخاطر الحقيقية التي قد يتعرض لها السودان كشعب ودولة وفق تقويم موضوعي. لا وفق ما يتوهمه نظام حكم معين يبني أحكامه على افتراضات، أو إن أردت، على «ثوابت» أيديولوجية.

ثم ما هي القيم والمعايير الدولية التي يجب أن تلتزم بها الدولة الكونفدرالية، خاصة في علاقاتها مع دول الجوار والمجتمع الدولي؟ ولعل في التنازع الذي شهدته حكومة الوحدة الوطنية بين شريكي الإتفاقية في مجال السياسة الخارجية، رغم ما نص عليه الدستور (المادة 17)، ونصت عليه الإتفاقية (الفقرة 2,9 من بروتوكول إقتسام السلطة) ما يوضح المزالق التي ينبغي تجنبها إن كان للبلدين أن يتجها إلى عقد كونفدرالي.

الخياران، إذن، كما عليه الأوضاع اليوم، هما الوحدة أو الإنفصال. وإن كان أمر الانفصال معروفاً فما ليس بمعروف وينبغي أن يُعرَّف، هو نتائجه. ففي الحالة الأولى، أي حالة الوحدة، تتحدث الإتفاقية عن وحدة على غير مثال تَقَدمها في تجارب السودان السابقة.

فلا هي وحدة على غرار ما دعا له المنادون بالفدرالية في مطلع الإستقلال أو في مؤتمر المائدة المستديرة، ولا هي كتلك التي حققت للجنوب مطالبه في إتفاقية أديس أبابا تاركة وراءها الشمال على حاله. تلك الوحدة عَرَفتها الإتفاقية بإستدامة نظام الحكم الذي أقامته إتفاقية السلام الشامل. ومن الطبيعي ان يرمي بنا هذا إلى التحقق من أمور ثلاثة: الأول ما هي مقومات ذلك النظام؟

والثاني هل أكتمل قيام النظام الذي نصت عليه الإتفاقية؟ والثالث هل أقتنع شعب جنوب السودان بأن ذلك النظام قد قام فعلاً بالصورة التي حددتها الإتفاقية حتى يرضى به ويقبله أساساً للتصويت لصالح الوحدة عند الإستفتاء؟ هذه الإفتراضات تجعل للخيار جانبين: الأول موضوعي:

ما هو النظام الذي أرسته الإتفاقية وهل أكتمل إنفاذه؟، والثاني ذاتي: هل رضى الجنوبيون من تحقيق ذلك النظام على الوجه الأكمل حتى يُفضلوا الخيار الوحدوي؟ ولاشك في أن الجانب الذاتي يرتبط إرتباطاً عضوياً بتحقق المتطلبات الموضوعية.

النظام الذي أرسته الإتفاقية أتينا عليه بتفصيل في مقالاتنا حول الضلع الأول والثاني في التركيبة الدستورية التي أنشأتها الإتفاقية.

ولكيلا يخطئ احد التقدير نقول إن هناك ثمة علاقة عضوية بين الشق الأول (احترام مكتسبات الجنوب) والشق الثاني (التحول الديمقراطي ومستلزماته). فمن الناس من يظن أن الجنوب لن يُعنى بذلك الطرف من المعادلة طالما تحقق له الحكم الذاتي الكامل خلال الفترة الإنتقالية، وما يليها.

كما منهم من يتمنى أن تترك له الحركة الشعبية الشمال ليفعل فيه ما يريد، في حين يترك للحركة الجنوب تفعل به، هي الأخرى، ما تريد حتى وإن عاثت فيه فساداً. ثمة خطأان في ذلك الظن وهذا التمني:

الأول هو لماذا أنفقت الحركة عاماً ونصف العام بعد التوقيع على بروتوكول ماشاكوس في الجدل حول التحول الديمقراطي إن كان الموضوع لا يعنيها في كثير أو قليل.

والثاني، كما أومأنا إليه من قبل، ما هو الإغراء الذي توفره الوحدة للجنوب أو القيمة المضافة التي تحفزه إليها، لو كانت الدولة التي يراد له أن يتوحد معها هي دولة إتحادية لاتأبه للقانون، ولا تحتفل بالقيم التي تهدي الحكم في الأنظمة الديمقراطية، خاصة إن كان ذلك الأبه والاحتفال من متطلبات الإتفاقية والدستور.