التطورات المتسارعة التي تجري في اليمن تضع فرقاء الساحة أمام استحقاقات محددة، فيما تضع الإقليم المجاور أمام سؤال مركزي يتعلق بكيفية التعامل مع ما يجري، وكيف يمكن الإمساك بالفارق بين الخيط الأبيض والخيط الأسود. ولتحديد معالم المشهد وأحواله المُتتقلبة، لا بد من عودة وامضة إلى جذر المشكلة وأسبابها قبل تشخيص الحالة وتحديد معالم الطريق.

ما يجري اليوم في الساحة اليمنية ترجمة أكثر دراماتيكية لذات الإشكاليات السابقة التي أفرزت هذا الواقع، والمعروف في التاريخ المعاصر أن اليمن بشطريه السابقين شهد سلسلة من الصدامات الداخلية في كل شطر، كما أيضاً صدامات بين الشطرين والنموذجين السياسيين، وقد كانت معالم الخلافات بادية منذ ما بعد 26 سبتمبر لعام 1962م في شمال اليمن والاستقلال في جنوب اليمن وعلى النحو التالي :

في شمال اليمن «الجمهورية العربية اليمنية سابقاً»: منذ سقوط نظام الأئمة كانت حرب الملكيين والجمهوريين التي أومأت أيضاً إلى خلافات مصرية سعودية، بل التباس مباشر وغير مباشر في تلك الحرب.

حيث وقفت مصر عبد الناصر إلى جانب الجمهوريين وزجت بجيشها في حرب خاسرة كان ميدانها الأكثر فداحة محافظة «صعدة»، القاهرة للجيوش النظامية منذ أيام الدولة العثمانية وما تلاها، وكانت المملكة العربية السعودية مُلتبسة بتلك الحرب من خلال دعم الملكيين الذين تمترسوا أساساً في محافظات صعدة وعمران وامتداداتهما حتى تخوم العاصمة صنعاء.

حيث تمكنوا من محاصرتها سبعين يوماً، وما كان لحصار صنعاء أن ينكسر لولا تضافر حملة مشاريع العصر والتغيير الذين تقاطروا من مختلف مناطق اليمن ليمثلوا سياج حماية حقيقي للعاصمة صنعاء.

استتباعاً لحرب الملكيين والجمهوريين في الشمال جاءت المصالحة بين الطرفين على قاعدة القبول بالنظام الجمهوري، مع صيغة خاصة لعلاقة متميزة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية اليمنية كادت أن تصل واقعيا إلى مستوى «الكونفدرالية» المُصاغة على مقاسات التفاهم، خاصة وأن الحدود بين المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية اليمنية لم تكن قد ترسّمت اتفاقاً واستحقاقاً.

وكان لبروز اليسار في عدن، والمد الماركسي في المنطقة أثراً في تعزيز أواصر العلاقات البينية بين السعودية واليمن الشمالي، لكن العلاقة الحميمة بين الطرفين لم يكن بوسعها أن تستبعد إجرائياً حضور الجنوب في الشمال، فقد كانت الوحدة اليمنية شعارًا مركزيا في شمال اليمن وجنوبه.

وتقاطعت الساحتين السياسيتين شمالاً وجنوباً ضمن منظومة واحد، وشكّلت عدن قاعدة متقدمة لنموذج قادم في الشمال، فيما كانت صنعاء تستقبل من يخسر في لعبة الصراع في الجنوب، وربما كانت أحداث يناير لعام 1968م خير شاهد على هذا التقاطع بين صنعاء وعدن، ومن قبل ذلك العلاقات الحميمة بين الرئيسين سالم ربيع علي وابراهيم الحمدي والتي انتهت بمقتلهما، ثم مقتل الرئيس الغشمي لاحقاً.

صراعات جديدة

في جنوب اليمن ومنذ إعلانها بعد الاستقلال تحت مُسمى «جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية»، ثم التعديل بمسمى «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» بدأت الصراعات منذ الاغتيال الغامض لفيصل عبد اللطيف الشعبي، ثم حادثة طائرة الدبلوماسيين في عام 1972، وصولاً إلى سلسلة الأحداث الصراعية الداخلية التي توجت بمذبحة يناير لعام 1968م.

في تلك المراحل كان الشمال يراقب الموقف عن كثب في الجنوب، وكانت التقاطعات الحميدة تنسيقاً وتكاملاً ملغومة بتقاطعات غير حميدة مداها تصفية الحساب بين النموذجين، ولقد تبيّن هذا الأمر بعد الوحدة مباشرة، فالعنفوان العاطفي المندفع نحو الوحدة الاندماجية الشاملة سرعان ما كشف المستور، فإذا بالنموذجين يتناطحان حد الاغتيالات والاستقطابات والتعطيل المتعمد للتسيير والإدارة، وصولاً إلى الاعتكافات والتأزيم الذي أفضى إلى حرب عام 1994، وبهذا تحولت الوحدة الطوعية إلى وحدة «معمدة بالدم».

كما يقول أنصار الحرب ووكلاء الحلول بالدماء، وتفارقت الأهواء بعد أن سيطرت لغة الظفر والنصر الواهم، وبدأت متوالية للفساد والإفساد الذي كان من نتائجها أن تتحول جماهير الوحدة في الجنوب إلى جماهير مطالبة بعودة الدولة السابقة.

أمام هذه الحقيقة المفجعة تفارقت الرؤى بين من يطالب صراحةً وبوحاً بانفصال الجنوب عن الشمال وعودة جمهورية ما قبل مايو، ومن يرى الذهاب إلى تصحيح مسار الوحدة هيكلياً من خلال اختيار نموذج اتحادي يتم الاتفاق عليه، ومن يعتقد أن ما يجري حالياً من صيغ يحقق هدف التصحيح، وأخيراً وليس آخراً من يرى أنه لا مشكلة أساساً، وأن القائلين بوجود مشكلة ليسوا سوى نفر من المغردين خارج السرب.

خلال المرحلة الانتقالية للوحدة والتي استمرت 4 سنوات «ما بين 1990 إلى 1994م» تحول صراع النموذجين السابقين في الشمال والجنوب إلى صراع أشمل، ودخل في الساحة فرقاء آخرين، وخاصة تيار الإسلام السياسي الذي تبلور لاحقاً في «حزب الإصلاح» ذو التركيبة السياسية والعقائدية والقبلية أيضاً، مما لا يتسع المجال لتفصيله هنا.

كان حزب الإصلاح متحالفاً مع المؤتمر الشعبي العام «الحزب الحاكم حالياً». رائياً لفترة ما بعد الاستبعاد القسري للحزب الاشتراكي اليمني الخارج من أصل النظام في الشطر الجنوبي سابقاً، والحامل في آن واحد لمشروع يمني شامل. كانت حسابات الإصلاح إن الاشتراكيين يساريين علمانيين، وإن المؤتمرين أقرب إلى روح الدين ومقتضيات الإسلام السياسي، لكنهم كانوا واهمين، فالمؤتمر الشعبي العام الذي تشكل عام 1984 ضم في طيّاته اليسار والقوميين، وكوكبة من طيوف الألوان التي لا يجمعها جامع، وكان خطابه براغماتياً انتقائياً.

وكان التنظيم غير مؤسس على التماسك الأيديولوجي، الأمر الذي جعله يستبعد «حزب الإصلاح» الممثل لتيار الإسلام السياسي، بمجرد حسم الموقف العسكري في حرب الوحدة والانفصال لعام 1994م، فأُسقط في يد الإصلاح الذي طالما منّى نفسه بأن يحل محل الحزب الاشتراكي. وكان ما كان تالياً من تقارب فوق براغماتي جمع الإصلاح والاشتراكيين والناصريين وحزب الحق في صيغة «اللقاء المشترك»، الذي كان مهندسها وعرّابها الأكبر الشهيد جار الله عمر الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني.

نموذجان ثوريان

مما سبق يمكننا الإمساك بالمقامات التي كانت سبباً للنتائج الماثلة، ويمكننا تلخيص تلك المقدمات فيما يلي :

نموذجان «ثوريان» في الشمال والجنوب تاقا للتغيير، وفق خطاب انتقائي براغماتي لم يخل من روح ديماغوجية، وكان الجنوب في هذا الباب أكثر راديكالية وتمثلاً لمعنى الأيدولوجيا المغلقة، ولمعنى الدولة العصرية من حيث قوة القانون والمؤسسة، ولهذا السبب لم تسمح صراعات الفرقاء المريرة في الجنوب من تدمير أسس الدولة ومقتضياتها.

وبالمقابل كان الشمال أكثر حيوية في البراغماتية المالية التجارية والاستثمارية، لكن متوالية التمرير والتبرير والفساد أفشلت مشروع الدولة العصرية، فجاءت الوحدة لتقدم نصراً مبيناً لمن لم يستوعبوا معنى الدولة والنظام والقانون مما أبهت دور فرقاء الخير والعقل سواء في إطار النظام أو خارجه.

وإذا تتبعنا مسلسل تناوب السلطة الرئاسية في شطري اليمن سنكتشف دون أدنى عناء أن الذين تناوبوا السلطة جاءوا اثر انعطافات دموية حادة، وإن من غادروها إما قتلوا أو أودعوا السجن حتى الموت، أو تم ترحيلهم قسراً، او هربوا خوفاً من تصفيتهم جسدياً، وبهذ المعنى، نحن أمام حالة مفارقة لمفهوم الجمهوريات الديمقراطية التقليدية، وهذا ليس حال اليمن فقط، بل إنه ناموس من نواميس الجمهوريات العربية التي ليس لها من الجهورية إلا اسمها، ومن العصر إلا شعاراته.

الانعطافات الدرامية، ومنطق حرق المراحل شكلت بيئة مناسبة لنمو خطاب سياسي فاقع اللون، وكان أبلغ تعبير عن هذا الخطاب جملة الوصوف والمصطلحات الحمالة لأحكام قيمة اطلاقية مازلت تعيد إنتاج نفسها حتى اليوم.

ومن الجدير بالذكر هنا إن تجربة ما بعد الوحدة اليمنية فتحت الباب لحقيقة جديدة مُغالبة لكل النواميس السابقة، فكان لا بد من أن تتم انتخابات رئاسية، وهذا ما كان، وقد فازالرئيس علي عبدالله صالح في آخر دورة انتخابية رئاسية، غير أن مرشح المعارضة الراحل فيصل بن شملان لم يهنئ الرئيس على الفوز، ولم يعترف بالنتائج شأنه شأن أحزاب المعارضة «اللقاء المشترك» التي اعتبرتها انتخابات غير كاملة.

خلال العقود الماضية تغير وجه اليمن حقاً، وكان التغيير أكثر وضوحاً خلال العقد الأخير الذي زادت فيه الاستحقاقات، ونمت المعارف، ودخل إلى حيز الفعل الحياتي جيل جديد مسلح بالادراك والعلم، وأصبح فرقاء الساحة السياسية مطالبين بمواقف متقدمة، بل أصبح الشارع يصنع خيارات لم تكن متوقعة، ولهذا ليس غريباً أن تتجاوز حركة الشارع القوى السياسية بطيوف ألوانها، وأن تجد الدولة نفسها بين نارين. . نار الاستحقاقات العاجلة الملحة باجراء اصلاحات من شأنها تقويض عرابي الفساد ولصوص المال العام، وما سينتجه من ردود أفعال محتملة.. ونار التعامل مع المشاكل المتفجرة في صعدة والجنوب، والتي قد تأخد أشكالا اخرى في مناطق اخرى إن لم يتم معالجة الموقف بحكمة.

هذه الصورة تجعلنا أمام مفارقة صاعقة بين الأدبيات السياسة المعلنة، وما يحدث على الأرض، وسنرى أن هذه المشكلة اليمنية هي عربية أيضاً وبامتياز، وأن الديمقراطية القائمة في العالم العربي مُفصلة على مقاساتنا، لأننا لم نصل بعد إلى مستوى استيعاب وتمثل الاستحقاقات التي يفرضها علينا هذا النموذج الأوروبي العالمي.

وهنا سنصل إلى تصنيف مواز لاحزاب المعارضة في اليمن حتى نرى غرائبية واكروباتية الوضع السياسي، وكيف تدور اللعبة السياسية بقمصان فضفاضة، وتعابير تجريدية خطاباً وبرامج.

فاليمن جمهورية بحسب الدستور، لكن الحاكمية ليست جمهورية بالمعنى الدقيق للكلمة، ولهذا السبب يتحدث الكثيرون عن التوريث الرئاسي الاشبه بالتوريث الملكي، وتتشابه الملكيات والجمهوريات العربية في مفارقة لا مثيل لها حتى أن بعضاً من الأطراف السياسية العربية تعلن رغبتها في عودة الحاكميات الملكية السلطانية طالما أن الجمهوريات لاتختلف عنها إلا في كونها فاقدة الشرعية، والشاهد إن الأنظمة الملكية في العالم العربي تبدو أفضل حالاً من الجمهوريات المُخاتلة.

تناوب دموي

تناوب السلطة الرئاسية في اليمن الجنوبي خضع لانعطافات دموية حادة، ومن غادروها إما قتلوا أو أودعوا السجن حتى الموت، فقد استبعد الرئيس قحطان الشعبي من السلطة قسرياً وأودع السجن حتى وفاته. والرئيس سالم ربيع مات مقتولاً إثر التداعيات التي ترافقت مع مقتل الغشمي في شمال اليمن، واتهم فيها سالم ريبع علي.

وتسلم الرئيس عبدالفتاح اسماعيل السلطة بعد مقتل سالم ربيع علي، لكنه استقال مرغماً بعد حين، وغادر إلى موسكو، ثم عاد بعد الاختلافات التي احتدمت بين علي ناصر محمد وعلي عنتر، وخلال أحداث يناير عام 1986 اختفى بصورة غامضة، وقيل انه مات في الدبابة التي كانت تقله، والتي تعرضت لقذيفة مدفعية واحترقت بمن فيها.

أما الرئيس على ناصر محمد فتولى الرئاسة بعد مغادرة عبد الفتاح القسرية إلى موسكو، لكنه غادر السلطة إلى شمال اليمن منذ صبيحة 13 يناير لعام 1986، ومنها إلى دمشق منذ تحقيق الوحدة في مايو 1990.

وتولى حيدر ابوبكر العطاس رئاسة الدولة اثر خروج علي ناصر ورفاقه، فيما تولى علي سالم البيض الامانة العامة للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في الجنوب، وكلاهما غادرا البلد إثر حرب الوحدة والانفصال في عام 1994، ومازالا في الخارج.

من انقلاب الى آخر

اليمن الشمالي لم يتأسّ بقوانين الأنظمة الجمورية المتعارف عليها، فكان كل رئيس يصل إلى الحكم بعد حدث فادح، ويرحل منه بحدث مشابه، فالرئيس الأول عبدالله السلال تولى الرئاسة بانقلاب على نظام الإمامة بقيادة الإمام بدر بن احمد ابن يحي حميد الدين، وكان الإمام استلم الحكم لتوه بعد وفاة والده الإمام احمد متأثراً بجراحه بعد محاولة اغتيال فاشلة قام بها كل من «اللقية والعلفي».

وبعد السلال تولى القاضي العلامة عبد الرحمن الارياني رئاسة مجلس الدولة إثر الانقلاب الأبيض، وعاش السلال في القاهرة لاجئاً سياسياً لفترة قبل أن يعود إلى اليمن، ومن سخريات القدر أن الأرياني عاش لاجئاً سياسياً في سوريا، وظل بها إلى أن وافته المنية. أما الرئيس ابراهيم الحمدي فمات مقتولاً في حادث غامض، وقيل انه كان بصدد الذهاب إلى عدن لاعلان الوحدة مع الرئيس الجنوبي آنذاك سالم ربيع علي، وأن مخطط الاغتيال كان جاهزاً في كل من صنعاء وعدن !

ومات الرئيس احمد الغشمي مقتولاً بحقيبة دبلوماسية متفجرة كان يحملها موفد انتحاري من الشطر الجنوبي، وتولى الرئيس علي عبدالله صالح الحكم بعد مقتل الغشمي، وحقق الوحدة مع نظيره الجنوبي علي سالم البيض.

د. عمر عبد العزيز