المستوطنون يستهلكون 80% من المياه الجوفية في الضفة

تطهير عرقي للفلسطينيين عبر البيروقراطية الإسرائيلية

صورة

تشكل المنطقة «ج» ما نسبته 60% من الضفة الغربية المحتلة، وتعتبر إسرائيل هذه المنطقة نذير شؤم كبير، وهي مؤلفة من تلال صخرية رمادية اللون، ووديان خضراء، وتشكل جزءاً أساسيا من اتفاقية أوسلو، التي علاها غبار النسيان بالقدر ذاته، وكان يفترض أن تسلم إلى الفلسطينيين. ولكن لو نظرنا إلى الإحصاءات وأوامر الهدم المتراكمة فوق إحدى الطاولات الموجودة في منزل عابد كساب، رئيس المجلس البلدي في قرية الجفتلك، التابعة لمحافظة نابلس. لبدت لنا أشبه بعملية تطهير عرقي عبر البيروقراطية الإسرائيلية.

هناك عشرات المنازل الفلسطينية التي لا يسمح ببقائها، والأسطح التي يتعين هدمها، والآبار التي يجب سد فوهاتها، وشبكات الصرف الصحي التي تتعرض للنسف دون سبب. كما شاهدت في إحدى القرى شبكة كهرباء بدائية يجبر الفلسطينيون على إنزال أعمدتها الكهربائية المثبتة على الأرض بالإسمنت المسلح، والمصطفة على طول طريق بدائي.

وبحسب القوانين الإسرائيلية السائدة هناك، يمنع أي نصب للأعمدة الكهربائية على الأرض، وإلا تعرضت للتدمير من قبل سلطات الاحتلال، التي لا تسمح بعمل حفر يزيد عمقها على 40 سنتيمتراً.

ولكن فلنعد للبيروقراطية الإسرائيلية، فقد قدمت لكساب إخطارات مكتوبة بالعربية والعبرية، تقضي بهدم 21 منزلا في القرية الواقعة في (يهودا والسامرة)، وهو الاسم التوراتي الذي تطلقه إسرائيل على الضفة الغربية. واختيرت هذه المنازل بصورة عشوائية وفق تسلسل منتظم. ووقعت الإخطارات اللجنة الفرعية للإدارة المدنية الإسرائيلية، التابعة لمجلس التخطيط الأعلى في إسرائيل.

ويشير كساب إلى أن هذه هي أقل المشكلات التي تواجه أهالي القرية، فالطلبات المقدمة لبناء منازل جديدة، إما أنها مؤجلة منذ سنوات، أو مرفوضة، والمنازل التي يتم بناؤها دون تصاريح تهدم على الفور، كما تغطى الأسطح، التي يعلوها الحديد الصدئ، بأغطية بلاستيكية، على أمل ألا تعتبرها الإدارة المدنية الإسرائيلية طابقا إضافيا، وفي تلك الحالة فإن البيروقراطية الإسرائيلية ستكون جاهزة على الفور لانتزاع سقف المنزل.

ويقيم في المنطقة «ج» ما يربو على 150 ألف فلسطيني، علاوة على 300 ألف مستوطن إسرائيلي يعيشون في 120 مستوطنة رسمية و 100 أخرى لم تحظ بالموافقة بعد، وتسمى حاليا مواقع استيطان. وهؤلاء المستوطنون يعتبرون غير شرعيين بحسب القانون الدولي. لكنهم لا يواجهون أية مشكلات في الحصول على تصاريح بناء من دائرة التخطيط الإسرائيلية.

يقول كساب، وسط صيحات الغضب والاستياء التي تتعالى من أهالي القرية، إن الهواء هو الشيء الوحيد الذي يسمح لهم باستنشاقه حتى الآن، مشيرا إلى أنهم ينتظرون، منذ ثلاث سنين، السماح لهم بشق طرق جديدة. ولم تسمح لهم سلطات الاحتلال ببناء عيادة طبية جديدة، وهناك نقص شديد في المياه، سواء المخصصة للأهالي، أو للزراعة. ويحتاج الحصول على تصريح لترميم شبكة المياه إلى مبالغ طائلة ومبالغ فيها، وتضاهي بناء شبكة مياه جديدة.

وتعاني القرى والبلدات الفلسطينية في شمال الضفة الغربية المحتلة بصورة عامة من انقطاع مياه الشرب عن منازل المواطنين، على الرغم من وقوعها على أكبر أحواض المياه في الضفة الغربية. وتمنع سلطات الاحتلال السلطة الفلسطينية من حفر آبار ارتوازية جديدة، لتزويد المدن والقرى الفلسطينية بالمياه.

وأدى الجفاف وقلة الإمطار في السنوات الأخيرة، إلى جفاف ينابيع المياه، ونقص في كمية المياه المستخرجة من الآبار الارتوازية، ناهيك عن منع ترميم الآبار القائمة.

وتوجد أراض شاسعة تصل إلى نهر الأردن، وهي عبارة عن سهول وأراض خصبة، لكنها تبقى في الصيف دون استغلال، بسبب عدم وجود مياه لري المزروعات، بينما تحصل المستوطنات الإسرائيلية المتناثرة على قدر كبير من المياه، ويستغل المستوطنون الأراضي ويزرعونها ويستخدمون الباقي في برك السباحة.

في غضون ذلك، تبدو عملية السلام شبه ميتة، وأصبحت الوعود الأميركية بإقامة دولتين لشعبين في حكم المنتهية، وتتغاضى الإدارة الأميركية عن عمليات الهدم الإسرائيلية المنظمة لمنازل الفلسطينيين..

وحتى عندما أوفد الرئيس الأميركي باراك أوباما مبعوث السلام الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، للقاء القادة الإسرائيليين والفلسطينيين، قابله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بصورة متعجرفة، واحتفل بفشل مهمته بزرع أشجار حول اثنتين من أضخم ثلاث مستوطنات إسرائيلية تحيط بالقدس.

هدر المياه

تشير منظمة العفو الدولية في تقرير لها نشرته مؤخرا، إلى أن مستوطني الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية، يستهلكون كمية مياه أكبر مما يستهلكه 3,2 مليون فلسطيني في المنطقة نفسها. كما أن إسرائيل تستهلك أكثر من 80% من المياه الجوفية في الضفة الغربية، وتترك للفلسطينيين أقل من 20% المتبقية».

وتبين معطيات منظمة العفو، أن المياه المخصصة للفرد الإسرائيلي تقدر بـ 300 لتر يوميا، في حين لا يتجاوز استهلاك الفرد الفلسطيني اليومي للمياه 70 لترا للاحتياجات المختلفة.

بل إن حصة المياه اليومية للفرد الفلسطيني في المناطق الريفية النائية لا تتجاوز 20 لترا؛ وتعادل هذه الكمية ما يحصل عليه المشردون الذين يعيشون في المناطق المنكوبة بالكوارث الطبيعية. وبالرغم من أن حوالي 200 ألف فلسطيني يعيشون في مناطق نائية، لا يستطيعون الوصول إلى مصادر المياه العذبة؛ فإن الجيش الإسرائيلي يمنعهم أحيانا من جمع مياه الأمطار. وفي المقابل، يتمتع 450 ألف مستوطن في الضفة الغربية بالمياه الغزيرة بشكل ثابت؛ فيروون بها حدائقهم، ومزروعاتهم، بل ويملأون برك سباحتهم.

بقلم - روبرت فيسك

ترجمة: عمر حرزالله

طباعة Email
تعليقات

تعليقات