انتقال صعب من الأمل إلى الجرأة

ثمانية ملامح أساسية في سياسة أوباما الخارجية

صورة

يمكن تقييم السياسة الخارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما بأنجع الطرق في جزأين: الأول يتعلق بأهدافه ونظام صناعة القرار لديه، أما الجزء الثاني فيتعلق بسياساته وتطبيقاتها. وعلى الرغم من قدرة المرء على التحدث عن الجزء الأول بثقة كبيرة، إلا أن الجزء الثاني لا يزال قيد التقييم.

وكرصيد يصب في صالحه، بذل أوباما جهودا طموحة لإعادة تحديد وجهة النظر الأميركية تجاه دول العالم، ولإعادة إيصالها بالسياق التاريخي الناشئ للقرن الحادي والعشرين. وقد أنجز ذلك بصورة رائعة. ففي أقل من عام قام بإعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية بصورة شاملة وقارنها ببعض المسائل المهمة جدا جغرافيا وتاريخيا. وهذه المسائل هي كما يلي: ـ الدين الإسلامي ليس عدوا للأميركيين، والحرب العالمية على الإرهاب لا تحدد الدور الحالي للولايات المتحدة في العالم. ـ ستكون الولايات المتحدة وسيطا نزيها وحازما فيما يتعلق بتحقيق سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين. ـ يجب أن تكون حملة قمع التمرد في الأجزاء التي تسيطر عليها طالبان في أفغانستان، جزءاً من مشروع سياسي أوسع، أكثر من كونه عسكريا مهيمنا.

ـ على الولايات المتحدة احترام ثقافة أميركا اللاتينية وحساسيتها التاريخية، وتوسيع اتصالاتها مع كوبا. ـ على الولايات المتحدة تفعيل التزاماتها من خلال خفض ترسانتها النووية بصورة كبيرة، وتبنى الهدف النهائي والمتمثل بعالم خال من الأسلحة النووية. ـ من خلال التعامل مع المشكلات العالمية، يجب معاملة الصين ليس كشريك اقتصادي فحسب، ولكن أيضا كشريك جيوغرافي وسياسي. ـ إن تحسين العلاقات الأميركية- الروسية هو مثار اهتمام لدى الجانبين، على الرغم من أنه يتعين تحقيق ذلك بطريقة مقبولة وليس من خلال السعي للتراجع عن حقائق ما بعد الحرب الباردة الجغرافية والسياسية. ـ يجب أن تعطى الشراكة الحقيقية عبر الأطلسي معنى أعمق، بهدف إزالة الانشقاقات الناجمة عن الخلافات المدمرة التي حدثت في السنوات القليلة الماضية على وجه الخصوص.

استحقاق نوبل للسلام

وفي إنجازه لكل هذه الأمور، يستحق أوباما بالتأكيد جائزة نوبل للسلام. وبصورة إجمالية أظهر حسا حقيقيا في الاتجاه الاستراتيجي، وفهما قويا لشؤون العالم الحاضر، وفهما لما يجب على الولايات المتحدة أن تفعله بشأن ذلك. وسواء كانت هذه المعتقدات نتاج تاريخه الشخصي، أو دراساته، أو حسه البديهي بالتاريخ، فإن ذلك يمثل وجهة نظر عالمية مترابطة تاريخياً.

ويجب أن نضيف أن الرئيس الجديد يعالج أيضا المشاكل الاجتماعية والبيئية الصارخة التي تواجه الإنسانية، والتي لم تبال الولايات المتحدة بحلها منذ أمد طويل. لكن هذا التقييم يركّز على مدى استجابة أوباما للتحديات السياسية والجغرافية الملحة.

وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه زعامة البيت الأبيض، يجب أن نلاحظ أنه قد تم ضبط إيقاع المنظور الكلي لأوباما بالنسبة لتعيين الفريق المتخصص بصنع سياسته الخارجية، والذي دخل البيت الأبيض بخطى ثابتة. ويعتمد أوباما على الخبرة الواسعة لنائبه جو بايدن في الشؤون الخارجية لاستكشاف الأفكار الجديدة والانهماك في رسم الاستراتيجيات العامة.

ويقوم مستشار أوباما للأمن القومي جيم جونز بتنسيق توقعات الرئيس الاستراتيجية وتحويلها إلى سياسة، ويتعين عليه في الوقت نفسه إدارة أضخم مجلس للأمن القومي في التاريخ، يتألف من 200 شخص، وهو يضاهي في عدده أربعة أضعاف موظفي مجلس الأمن القومي في عهد الرؤساء الأميركيين السابقين ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر وجورج بوش الأب، ونحو 10 أمثال موظفي الأمن القومي أيام الرئيس الراحل جون كنيدي.

ويلاحظ أن نفوذ وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، فيما يتعلق باستراتيجية الأمن القومي، يتنامى بصورة مطردة.

وأول تحد عاجل يواجه أوباما هو بالطبع عملية السلام في الشرق الأوسط. وقد باشر بإدارة هذه المسألة مبكرا لدرجة أنه أخذ زمام المبادرة فيها بهدف تحقيق تسوية على المدى القريب نسبيا. وهذا الموقف مبرر تاريخيا وهو يتماشى مع المصالح القومية الأميركية.

فالشلل الذي أصاب هذا الصراع استمر لأمد طويل، وتركه على وضعه الحالي غير المحلول له عواقب وخيمة على الفلسطينيين والمنطقة والولايات المتحدة، وسيلحق الأذى بإسرائيل في النهاية.

وليس مألوفا قول ذلك ولكن الأمر الصحيح من الناحية الاستعراضية هو أن معظم الأعمال العدائية ضد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ناجمة عن سفك الدماء والمعاناة الناشئة عن هذا النزاع الطويل.

عقبات أمام السلام

ولكن الآن وبعد أكثر من 40 عاما من احتلال إسرائيل للضفة الغربية، وبعد 30 عاما من محادثات السلام، من الواضح تماما أنه لو تركت المسألة لكي يحلها أصحاب العلاقة فلن يستطيع لا الإسرائيليون ولا الفلسطينيون القيام بذلك بمفردهم.

وهناك أسباب كثيرة لتعليل ذلك لكن خلاصة القول ان الفلسطينيين منقسمون جدا على أنفسهم وأضعف من أن يتمكنوا من اتخاذ القرار الحاسم والضروري لدفع عملية السلام قدما، كما أن الإسرائيليين منقسمون كثيرا وأقوى من أن يقوموا بذلك بمفردهم أيضا.

ونتيجة لذلك هناك حاجة لمبادرة خارجية قوية تحدد الأبعاد الأساسية لاتفاقية سلام نهائية تتيح انطلاق مفاوضات جادة بين الجانبين. ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا من جانب الولايات المتحدة.

غير أن الحافز الخارجي الضروري لم يتأت بعد بطريقة تتلاءم مع مصالح واشنطن وقدراتها. ومن خلال إثارتها موضوع المستوطنات في ربيع 2009، والتراجع عنها لاحقا نتيجة التعنت الإسرائيلي، عززت الإدارة الأميركية العناصر المتطرفة في إسرائيل، وقوضت العناصر الأكثر اعتدالا في الجانب الفلسطيني.

ثم تبددت الفرصة التي توفرت في اجتماع الجمعية العامة في سبتمبر 2009 لتعريف الولايات المتحدة بالإجماع الدولي فيما يتعلق بالأبعاد الأساسية لأية اتفاقية سلام. وبدلا من أن يتمسك بتلك الفرصة، اكتفى أوباما بحث إسرائيل والفلسطينيين على التفاوض بنية حسنة.

نحو مفاوضات جادة

ومع ذلك فإن الإجماع الدولي قد يمثل مركز إطلاق لمفاوضات جادة في أربع نقاط أساسية. الأولى يجب عدم منح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة إلى ما يعرف الآن بإسرائيل، لأنه لا يمكن توقع انتحار تل أبيب من أجل السلام. ويتعين إعادة توطين الفلسطينيين ضمن الدولة الفلسطينية مع دفع تعويضات لهم، وربما إبداء بعض تعبيرات الأسف لمعاناتهم. وهذا الشيء يصعب على الحركة الوطنية الفلسطينية تقبله، ولكن لا يوجد بديل آخر.

والنقطة الثانية يجب المشاركة بالقدس بصورة حقيقية. وتكون القدس الغربية بالطبع عاصمة إسرائيل والقدس الشرقية القديمة عاصمة الدولة الفلسطينية مع إجراء بعض الترتيبات الدولية. وإذا لم يكن هناك تنازل حقيقي بشأن القدس، فسيسود الاستياء أرجاء الضفة الغربية، وسيرفض الفلسطينيون عملية السلام، وسيكون من الصعب على إسرائيل تقبل هذا الحل الوسط. وهذا الموقف متوقع منها ولكن لن تكون هناك عملية سلام بدونها.

والنقطة الثالثة هي وجوب ارتكاز عملية السلام على خطوط عام 1967، ولكن مع مقايضة بعض الأراضي التي تتيح لإسرائيل ضم المستوطنات الكبيرة إليها دون إجراء مزيد من التنازلات عن أراضي الدولة الفلسطينية. وهذا يعني تعويض المستوطنات بأراض أخرى من إسرائيل في شمال وجنوب الضفة الغربية.

النقطة الرابعة هي أنه يتعين على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الالتزام بوضع قوات على طول نهر الأردن، وهذا سيعزز الأمن الإسرائيلي بعمق استراتيجي، ويقلل مخاوف إسرائيل من أن دولة فلسطينية ومستقلة قد تشكل نقطة انطلاق لأي هجوم عربي رئيسي عليها.

وستكون الأشهر القليلة المقبلة حاسمة جداً، والوقت آخذ بالنفاد بشأن اتخاذ قرار بهذا الشأن، ويجب الضغط على الجانبين من أجل التركيز على المسائل الرئيسية. يشار إلى أن أوباما كان قد دعا لبدء المفاوضات في القريب العاجل موضحا بصورة لا تقبل التأويل أن الهدف النهائي للمحادثات هو إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة بأراض غير مجزأة، تنهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967. لكن المشكلة أن فريق أوباما لم يظهر حتى الآن المهارة التكتيكية، ولا الصرامة الاستراتيجية الضرورية لتحريك عملية السلام.

المأزق الأفغاني الباكستاني

التحدي الثاني العاجل والحساس الذي يواجه السياسة الخارجية الأميركية ناجم عن المأزق الأفغاني ـ الباكستاني. فأوباما يعتزم التخلي عن بعض أكثر أهدافه طموحا، والذي يحدد الانهماك الأولي للولايات المتحدة في شؤون أفغانستان، كإنشاء دولة ديمقراطية عصرية فيها على سبيل المثال.

ولكن على هذه السياسة أن تكون أكثر حذراً في هذا الشأن، كما أن باكستان التي لا تزال تعتبر أكثر الأبعاد العسكرية الرئيسية وضوحاً، يراها الشعبان الأفغاني والباكستاني كحالة أخرى من الاستعمار الغربي تتطلب منهما استجابة عسكرية متشددة بصورة متزايدة.

لقد أعلن بعض الجنرالات الأميركيين البارزين في الآونة الأخيرة أن الولايات المتحدة غير قادرة على كسب الحرب في أفغانستان عسكرياً، وهو تقييم يفترض، بصورة منذرة بالسوء، أن النزاع مع طالبان قد يصبح مشابها لنزاع الاتحاد السوفييت مع المقاومة الأفغانية في بداية المواجهات في أواخر السبعينات، لذلك هناك حاجة عاجلة لتقييم استراتيجي شامل.

علاقات استراتيجية رئيسية تكرسها واشنطن

علاوة على تعامله مع التحديات الفورية، أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى اعتزامه إدخال تحسينات على 3 عناصر سياسية وجغرافية رئيسية تتعلق بعلاقة الولايات المتحدة مع روسيا والصين وأوروبا.

وتسبب تلك الدول مآزق لواشنطن على المدى الطويل لكنها لا تتطلب حاليا إدارة لأية أزمات. وكل دولة من هذه الدول لها خصوصيتها، فروسيا قوة إمبراطورية سابقة لديها طموحات منقحة، ولكن برأسمال اجتماعي متضعضع.

أما الصين فهي قوة عالمية متصاعدة، حدثت نفسها بخطوات رائعة مثيرة للدهشة، لكنها تقلل من طموحاتها العالمية الواسعة عن قصد، وفيما يتعلق بأوروبا فهي قوة اقتصادية عالمية، لكنها مجردة من القوة العسكرية والإرادة السياسية على حد سواء. وكان أوباما محقا في الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تعاون أوثق مع الدول الأوروبية.

مخطط استراتيجي

ولد زبيغنيو بريجنسكي في وارسو عام 1928. وفي خمسينات القرن الماضي بدأ عمله كواحد من الخبراء الأميركيين الأوائل في سياسة الاتحاد السوفييتي. وفي عام 1960 عمل مستشارًا للرئيس الأميركي الراحل جون كنيدي في شؤون المعسكر الشرقي أثناء حملته الانتخابية الرئاسية التي توِّجت بالنجاح. وقد عيَّنه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر رئيسًا لمجلس الأمن القومي لدى توليه الرئاسة عام 1977.

ومع دخول السوفييت إلى أفغانستان، وظهور اتجاهات معارضة في بولندا، وتنامي حدّة السياسة النووية التي اتّبعتها القوى العظمى، ازدادت بوضوح أهمية سياسة بريجنسكي المتصلبة تجاه المعسكر الشرقي في داخل الإدارة الأميركية عام 1979.

حيث أسهم إسهاماً فعالا في النتائج الخطيرة التي انتهت إليها الحرب الباردة، حين وضع أسس الخطة التي جذبت السوفييت إلى المستنقع الأفغاني. وحاليا يعمل بريجنسكي باحثًا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ومستشارًا للرئيس الأميركي باراك أوباما.

بقلم - زبيغنيو بريجنسكي

ترجمة - عمر حرزالله

طباعة Email
تعليقات

تعليقات