السودان....إلى أين المصير ؟ (11)

القضاء السوداني في ميزان الاتفاقية

صورة

في المقال السابق تعرضنا للتخليط الذي اندفع إليه بعض المُلبسين بلا حذق أو مهارة في موضوع ملاءمة القوانين للدستور، ومنها قانون الأمن الوطني. أضفنا أن الذي يبعث على الريبة في هذه القوانين أو مشروعات القوانين ليس هو النصوص في حد ذاتها، وإنما الخشية من استغلالها للافتئات على أهم المكاسب التي حققها الدستور للمواطن: وثيقة الحقوق. ثم أنتهينا من بعد إلى أن هناك ثمة عوامل نفسية تثير الفزع في النفوس من منح أي سلطات استثنائية لأجهزة بعينها مثل جهاز الأمن القومي، فلماذا التخوف؟

وراء التخوف عاملان، الأول منهما ذو صلة بالعاملين السابقين، أي إلزام الدولة بما نص عليه الدستور من ضوابط للإجراءات الاضطرارية. فإن كانت هذه الضوابط ضرورية في حالات الاعتقال في الظروف العادية، فما بالك بالظروف الاستثنائية. يُضاعف من تلك المخاوف الإشارات التي تقول بأن لابد من أن يكون لجهاز الأمن أنياب وأظافر، فآخر ما يتوقعه المواطن، وبالتالي الوطن، من الجهاز الذي يحميه هو العض والخربشة. أما العامل الثاني فهو عامل نفسي. فمن أهم الأسباب التي تُفزِع الكثيرين من منح سلطات استثنائية لجهاز الأمن هي أولاً شبهة الانتماء الحزبي للجهاز، وثانياً الممارسات السابقة التي نسبت إليه بالحق أو الباطل. على رأس تلك الممارسات تعذيب المعارضين للنظام، وهو تعذيب لا يزال أغلب ضحاياه أحياءً ومنهم سياسيون وأكاديميون مرموقون.

إن أخطر أدوات الحكم في أي دولة هي أجهزة العنف الرسمي المُشَرعَن. (legalized official violence). لهذا تُخضع هذه الأجهزة دوماً لرقابة عامة (Public oversight) عبر الجهاز التشريعي، كما تحرص تلك الأجهزة، من جانبها، على النأي بنفسها عن أي تدخل سياسي حزبي في أدائها لمهامها.

مثل هذا التدخل، إن سمح به، يعني خصخصة العنف الرسمي، أي انتقاله من يد السلطة العامة الخاضعة للرقابة الشعبية المؤسسية إلى احتكاره، أو على الأقل إخضاعه، لسلطان حزب، أو في الغالب اوليغاركية داخل ذلك الحزب.

هذه الظاهرة: ظاهرة حزبية الجهاز وعدم خضوعه للرقابة العامة الشفافة هي التي أرعبت معارضي النظام في الماضي، كما كانت أيضاً محل نقد من بعض المنتسبين لحزب المؤتمر لما رأوه فيها، ليس فقط من خروج على القيم الديمقراطية المتعارفة، وإنما أيضا من دحض لكل دعاوى الحركة الإسلامية بأنها قادرة على تقديم نموذج مثالي للحكم.

من هؤلاء عبد الوهاب الأفندي الذي لم تخنه شجاعته عندما أصدر كتابه الثورة والإصلاح السياسي في السودان 1995م، وظل يلاحق الموضوع في مقالات محكمة أرصنها.

نعود، كما وعدنا في المقال السابق إلى موضوع القضاء واتفاقية السلام. وبديهي أن يطال التغيير الجذري الذي أحدثته الاتفاقية في هياكل الحكم السلطة القضائية من جهة اختصاصاتها، وطرائق تنظيم أدائها حتى تتوافق وتنسجم مع الطبيعة الفيدرالية للحكم. وبوضوح، يقصر جدول السلطات القومية (الجدول أ- 7) دور المحكمة الدستورية والمحاكم القومية على إنفاذ وتطبيق القوانين القومية.

تلك السلطات لا تشمل جنوب السودان، حيث إن الدستور حسب المادة (132) يوكل أمر تعيين قضاته لرئيس حكومة الجنوب دون مساس بالمادة 130 من الدستور التي تشير إلى «مراعاة الكفاءة والنزاهة والمصداقية» في القضاة، كما لا يشمل الولايات. فحسب الجدول (ج ـ 7) من الاتفاقية عُهِد للولايات «الإشراف على السلطة القضائية الولائية وإقامة العدل على مستوى الولايات بما في ذلك صيانة وتنظيم المحاكم الولائية مع مراعاة المبادئ والمعايير القومية والإجراءات المدنية والجنائية».

ومن الواضح أن هذه اللامركزية لم تتحقق بعد إذ لا يزال المركز يهيمن على الأطراف في الشأن القضائي، في حين أن المطلوب كان هو إعادة هيكلة الجهاز القضائي بحيث يتوافق مع الأوضاع الجديدة.

ما هي المبادئ التي نستلهم، والمعايير التي نُقدر بها الأشياء حتى نصل إلى قرار سليم حول إنفاذ ما نصت عليه الاتفاقية والدستور؟ التوافق على المبادئ والمعايير ضروري، لأن الحوار لا يكون جاداً إلا بتكافؤٍ فكري، بمعنى توافق الطرفين على الأسس المعرفية والمعايير النقدية التي تضبط الحوار.

هذا أمر ضروري، ليس فقط لأن معمار الاتفاقية قام على أسس واضحة تراضى عليها الطرفان، بل أيضاً لأن في الدستور الضابط لأداء المؤسسات (دستور 2005)، والقوانين التي انبثقت منه، بله في الاتفاقية نفسها، فجوات تترك سعة في التأويل، وتتيح فسحة للاجتهاد؟

فرغم التفاصيل التي حفلت بها الاتفاقية في كثير من القضايا لم يذهب صانعو الاتفاقية أو شارعو الدستور إلى مثل ذلك التفصيل فيما يتعلق بالقضاء. انهماك المتفاوضين في اختصاصات السلطتين التنفيذية والتشريعية أمر لا تغيب دواعيه عن إدراك الفَطِن لأن الاتفاق محطٌ انتهت إليه رواحل المتفاوضين بعد لأي. فالرحلة من الاحتراب إلى التصالح، ومن انعدام الثقة إلى الإدراك المتبادل لظروف الآخر، رحلة عسيرة اكتنفها تاريخ حافل من إخلاف الوعود وخرق العهود.

الإدراك السليم، بوجه عام، لنصوص الاتفاقية وروحها، لا يعين عليه التلبث عند العوائد القديمة، والاستمساك بالممارسات السالفة كما هو الحال في أكثر من جهاز، بما في ذلك الجهاز القضائي. ولئن حدث هذا، تكون قد نهجنا أقرب المسالك إلى إجهاض الاتفاقية، وسيجعل الله من بعد الأمور أموراً.

صحيح أن البشرَ أسرى لعوائدهم. وصحيح أيضاً أن الكسل العقلي قد يدفعُ البعضَ لاستسهال الأمور. فكثير من الناس يركنون إلى العيش في رَحِم ما يعرفون، وهو رَحِم آمن. المطلوب، إذن، الإلمام الواعي بخريطة الواقع الجديد بكل تخومها وتضاريسها، ثم القراءة النقدية للتجارب السابقة حتى يتحقق توليفٌ (Synthesis) بين المتناقضات بشكل إيجابي منتج.

ثمة أمرين لابد من استلهامهما والاسترشاد بهما فيما نقرر بشأن القضاء حتى يتوافق مع الاتفاقية والدستور. الأمر الأول هو النظام الاتحادي الفيدرالي الذي أنشأته الاتفاقية، وهي تعني ما تقول. والأمر الثاني هو وثيقة حقوق الإنسان التي أصبحت مُحَصنةً (entrenched) في الدستور، ولهذا لا معدي منها ولا مهرب.

هذان هما الوتدان اللذان ترتكز عليهما الاتفاقية، ولهذا كانا قُطبُ الرحى ومثارُ النَقع في المفاوضات منذ مشاكوس وحتى نايفاشا. فمن الحكمة، إذن، التفطن عند الإقبال على التدابير اللازمة لإعادة هيكلة القضاء أو تنظيمه وفقاً لمقتضيات الوضع المُستجَد، إلى ما يستوجبه هذان الأمران.

حارسة الدستور

القضاء في السودان ذو تاريخ قديم ناصع رغم ما شابته من بُقعٍ وألمت به من بواقع، والبقعة اللون الذي يخالف ما حوله، والبواقع هي الدواهي. فمنذ مطلع الاستقلال استقرت في الإرث الدستوري السوداني حقائقُ هامة حول الأجهزة العدلية، وعلى رأسها توكيدُ مبدأ استقلال القضاء الذي وردت الإشارة إليه في باب الحقوق الأساسية في أول دستور للسودان المستقل (الفصل الثاني من الدستور المؤقت لعام 1956).

وتقرأ المادة التاسعة من ذلك الفصل كما يلي: «الهيئة القضائية مستقلة وليس لأي سلطة حكومية تنفيذية كانت أو تشريعية حق التدخل في أعمالها أو الرقابة عليها». ورود ذلك النص في الفصل المتعلق بالحقوق الأساسية أمر ذو دلالة.

في الدستور نفسه نصت المادة 102 على أن الهيئة القضائية هي حارسة الدستور ولها اختصاص النظر والحكم في أية مسألة تشملُ تفسيره أو تطبيق الحقوق والحريات الممنوحة بموجب الفصل الثاني منه.

المبدأ نفسه أُكد في الدستور المؤقت (تعديل 1956)، وفي الدستور الدائم لعام 1973 (المادة 178)، وفي دستور جمهورية السودان 1998 (المادة 110). بيد أن الدستور الأخير (دستور 1998م) أضاف للمعمار الدستوري السوداني محكمة دستورية. ولكن يفيد أن نستذكر أن الدستورين الأخيرين (دستور 1973م في عهد نميري ودستور 1998 في عهد البشير) جاءا في ظل فجوة قضائية (Judicial haiatus)، إن جاز التعبير، بسبب من طبيعة النظامين، نظام مايو ونظام الإنقاذ في مرحلتي الحكم العسكري المطلق.

فعلى سبيل المثال، أغفلت الأوامرُ الجمهورية الأولى لنظام مايو (الأمر الأول والثاني والثالث) موضوع القضاء إغفالاً كاملاً، بالرغم من أن تلك الأوامر تناولت بتفصيل المؤسسات التنفيذية والتشريعية كما تضمنت أمراً (الأمر الجمهوري رقم 4) حول حماية الثورة والجنايات التي ترقى إلى عمل ضدها.

على هذا النهج سارت المراسيم الجمهورية في عهد الإنقاذ (المرسوم الأول والثاني والثالث)، إذ أغفلت جميعُها أي إشارة للقضاء. وبديهي ألا يفسح حِرص هذه الأنظمة على الحماية التحكمية لنفسها مجالاً لقضاء مستقل.

التجربة الراهنة التي أفرزتها الاتفاقية والدستور أخذت بوجه عام بكل الضوابط التقليدية في المعمار الدستوري التي سلفت الإشارة إليها، بما في ذلك المحكمة الدستورية التي استحدثت في دستور 1998م.

مع ذلك، لم تكتف الاتفاقية بتلك الضوابط، بل أضافت إليها ضوابط أخرى تُحكِمُ التنسيق بين الأجهزة العدلية، وتوزع الاختصاصات بينها، وتنظم أداءها. ولا شك في أن وجود ثلاثة مستويات للأجهزة القضائية: المستوى القومي، مستوى جنوب السودان، المستوى الولائي يستلزم مثل تلك الضوابط. ولعل الجهازَ الأهم الذي أنشأته الاتفاقية لتحقيق التوازن بين، والانضباط في أداء، هذه الأجهزة هو المفوضية القومية للخدمة القضائية.

الحوار حول القضاء القومي في ماشاكوس ونايفاشا استظهر قدراً من عدم الثقة في القضاء القومي مما قاد للمناداة بفصل كامل بين المحكمة الدستورية، بحسبانها المحكمة القومية الوحيدة ذات الصلة الدستورية بالجنوب، وبين القضاء القومي. فرغم اعتبار تلك المحكمة جزء لا يتجزأ من القضاء القومي (الباب الخامس من الدستور) إلا أن تراتب الأجهزة القضائية جاء في فصلين مستقلين في ذلك الباب.

الفصل الأول (المواد 119-122) يتعلق بالمحكمة الدستورية ويُنص فيه صراحة على فصل المحكمة الدستورية عن السلطة القضائية القومية حيث تقول المادة 119 (2) : «تكون المحكمة الدستورية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ومنفصلة عن السلطة القضائية القومية». والفصل الثاني (المواد 123 - 132) يتعلق بالسلطة القضائية والتي تتكون من:

أ. المحكمة القومية العليا

ب. محاكم الاستئناف القومية

ج. أي محاكم قومية أخرى

هذا الفصل العسفي لا نجد له نظيراً في دساتير الدول الفيدرالية مثل الولايات المتحدة، الهند، كندا، جنوب أفريقيا، على سبيل المثال لا الحصر. ففي الولايات المتحدة اسند النصُ الفرعيُ الأولُ من المادة الثالثة للدستور الأميركي السلطة القضائية للمحكمة العليا وأي محاكم أخرى ينشئها الكونغرس من وقت لآخر.

بموجب هذا النص أنشئت المحكمة العليا في 24 سبتمبر 1789 وتم تنظيمها في 2 / 2/ 1790م بقانون أوكل لها الفصل في القضايا الدستورية أو تلك ذات الصلة بالحقوق الأساسية التي كفلها الدستور.

وفي الدستور النهائي لجنوب إفريقيا تم إسناد السلطات القضائية للمحاكم (المادة 160) وعددت المادة 166 من ذلك الدستور هذه المحاكم دون فصل بينها: المحكمة الدستورية، محكمة الاستئناف العليا، المحكمة العليا، المحاكم الأخرى. هذا هو الحال في المادة 29 من الدستور الألماني التي تنص على استقلال القضاء الفيدرالي وتحدد أجهزته بالمحكمة الدستورية، والمحاكم الفيدرالية.

عدم الثقة ... لماذا؟

ما هي شوائب عدم الثقة في القضاء التي دفعت مفاوضو الحركة الشعبية للدعوة إلى فصل المحكمة الدستورية عن بقية أجهزة القضاء القومي السوداني؟ على رأس تلك الدوافع الظن المقارب لليقين بأن تسييساً كبيراً لحق بالقضاء كان ذلك في تعيينات القضاة، أوفي استكانته للطبيعة التحكمية لنظام الحكم للحد الذي أودى بسيادة حكم القانون. ففي ظل تلك الحماية يصبح كل حكم أو أمر أو صنيع للسلطة التنفيذية غير خاضع للمحاسبة القانونية.

مفوضية الخدمة القضائية

أنشأ الدستور أيضاً مؤسسة جديدة للإشراف على الإدارة العامة للقضاء هي مفوضية الخدمة القضائية يرأسها رئيس القضاء وتتكون من ممثلي معاهد التدريس والقضاة وأعضاء المهن القانونية وأعضاء السلطة التشريعية القومية ووزير العدل. تكونت تلك المفوضية، شكلياً، على نحو ما ورد في الفقرة 2-12 من الاتفاقية على الوجه الذي «يعكس التمثيل الملائم والتعددية والتنوع».

إنفاذاً لهذا النص أوردت المادة 129 (1) من الدستور ما يلي: «ينشئ رئيس الجمهورية، بعد التشاور في رئاسة الجمهورية، مفوضية تسمى المفوضية القومية للخدمة القضائية تتولى الإدارة العامة للقضاء القومي ويحدد القانون تكوينها ومهامها وفقاً لما جاء في اتفاقية السلام الشامل». فما الذي أتى به القانون؟ وهل قامت المفوضية بالواجبات التي أوكلها لها الدستور؟

الواجب الأساس للمفوضية هو إدارة القضاء القومي في ظل نظام اتحادي فيدرالي. فالدستور يمنح الولايات في الشمال سلطات قضائية تنفرد بها، ولكن كيف تمارس الولايات راهناً هذه الواجبات؟ لعلنا مرة أخرى نستلهم تجارب الآخرين، ففي أميركا، بولاياتها الخمسين، مثلاً، عدد نظير من المحاكم العليا يختار أعضاءها حكامُ الولايات.

ويطلق عليها اسم (Superior Courts) تمييزاً لها عن المحكمة القومية العليا (Supreme Court of the United States). وفي كندا عشر محافظات (Provinces) لكل واحدة منها محكمة عليا يختار قضاتها القضاء الفيدرالي. وفي الهند، بولاياتها الثماني والعشرين، ثماني عشرة محكمة عليا لكل واحدة منها رئيس يطلق عليه اسم رئيس قضاة الولاية يعينهم رئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس قضاء عموم الهند.

ويعود تاريخ هذه المحاكم العليا لزمان بعيد (أقدمها محكمتا بومباي وكلكتا اللتان أسستا في عام 1862).

ومن الواضح أن الهند لا تُفرد محكمة عليا لكل ولاية بل تتضام الولايات فيها، حسب حجمها، لتصبح تحت إشراف محكمة عليا واحدة، باستثناء مقاطعات الاتحاد (union territories) ومنها دلهي، فلكل واحدة من هذه المقاطعات محكمة عليا تشرف على القضاء فيها.

يقود هذا إلى سؤال هام هو ما الذي نعني بالمحكمة العليا؟ فالمحاكم القومية العليا في كل الدول التي اشرنا إليها محاكم محدودة العدد بحكم طبيعة العمل المناط بها، ولا يتجاوز عدد أعضائها ما يربو قليلاً على العشرين في أكثر الحالات (المحكمة العليا الأميركية 9 قضاة، الهندية 22 قاضياً، جنوب إفريقيا 20 قاضياً، كندا 9 قضاة).

وحسب ما توفر لدينا من معلومات، بالسودان اليوم 82 قاضي محكمة عليا إلى جانب 30 آخرين تمت ترقيتهم للمحكمة العليا في 5/11/2002م (مجلة الأحكام القضائية السودانية 2002م). وبعد أعوام أربعة أوردت مجلة الأحكام القضائية أن عدد قضاة المحكمة العليا لم ينخفض بل زاد، إلى جانب قضاة للمحكمة العليا آخرين منهم المُعار، ومنهم المنتدب، ومنهم من هو في إجازة بدون مرتب.

ولعل اكبر البدع هي تعيين قضاة محكمة عليا إضافيين بالمشاهرة عُهد إليهم بالنظر في قضايا خطيرة مثل قضايا دارفور. البدعة ليست في التعيين فكلهم من القضاة ذوي الدربة والقدارة، وإنما في المشاهرة.

فأي استقرار أو حصانة تتوفر لهذا القاضي الذي يعالج اخطر القضايا وهو يعرف جيداً أن مصيره في كف عفريت. وما الذي أبقاه هذا النمط من التعيين للحصانة التي وفرها الدستور للقضاة بأن لا يتم عزلهم إلا بسبب «السلوك المشين أو عدم الكفاءة أو فقدان الأهلية».

نحن إذن أمام ظاهرة أصبح فيها مركز «قاضي محكمة عليا» مرتبة يتم الترفيع الإداري لها، وليست وظيفة ذات مقومات محددة في جهاز محكوم العدد. الترفيع قد يكون واحداً من وسائل صلاح المعاش للقضاة، فالقضاة فئة مهضومة الحقوق، وهم أجدر العاملين بأن توفر لهم مقومات الحياة التي تليق بمقامهم حتى يرغبوا بأنفسهم عن المطامع، ولا يذهبوا إلى المهاداة بالفساد، تلك أمور لا تحسُن الأحدوثة بها.

التقليد الذي درج عليه القضاء منذ صدور دستور السودان المؤقت 1956م كان هو تحديد عدد القضاة. فالمادة 83 من ذلك الدستور نصت على ما يلي: «لا يجوز إجراء أي تعيين يكون أثره زيادة عدد القضاة عما هو عليه في اليوم المعين إلا بقانون».

وظل ذلك هو الحال في دستور السودان المؤقت (تعديل) 1965 والقوانين المنبثقة عنه. وفي عام 1976م صدر قانون عدد القضاة ومرتبات الهيئة القضائية الذي تحدد بموجبه أن يكون عدد القضاة وفقاً للجدول الأول المرفق بالقانون والذي تضمن 26 قاضياً للمحكمة العليا، و45 قاضي استئناف و74 قاضي مديرية من القضاة المدنيين والشرعيين. ذلك القانون أباح لرئيس الجمهورية زيادة عدد القضاة بالتشاور مع مجلس القضاء العالي.

وعلى ذات النهج ذهبت المادة 32 من قانون الهيئة القضائية لسنة 1986 إلا أن عدد القضاة ارتفع إلى 45 قاضياً للمحكمة العليا، و 75 قاضياً لمحاكم الاستئناف، ثم تناسل القضاة من بعد.

وثيقة الحقوق

أياً كانت دواعي هذا التناسل القضائي، يصبح من الضروري اليوم التمييز بين قضاة المحكمة العليا المعرفة بالألف واللام، وقاضي محكمة عليا كدرجة من درجات الترقي. وكما قلنا فإن المحاكم العليا المناط بها واجبات مثل تلك التي نصت عليها الاتفاقية والدستور هي محاكم محدودة العدد، معروفة الواجبات، بحيث لا تصبح المحكمة العليا وليمة متحركة (moving feast).

في ذات الوقت لرئيس القضاء والمفوضية فسحة ومندوحة في تسكين (بلغة أهل الوظائف الإدارية) ذوي الدربة والقدارة ممن ترقوا لتلك الدرجة الرفيعة في السلم القضائي في محاكم السودان العليا في الولايات.

التحول الجذري الذي يقتضيه إنفاذ الاتفاقية لا يقف فقط عند إعادة هيكلة الأجهزة القضائية بل يتمثل أيضاً في تطوير الصلاحية المهنية للقاضي بالصورة التي يقتضيها التحول الجديد. فالدستور والاتفاقية يحددان صفات ينبغي توفرها في القاضي، وهي صفاتٌ نصت عليها كل دساتير السودان السابقة، مثل النزاهة، الكفاءة، المصداقية، التجرد.

ولئن أخطأت القاضي واحدة من هذه الصفات كان ذلك وَصْماً. هناك أيضاً مؤهلات تكتسب بتكوين أكاديمي ومهني ظل القضاء السوداني يلتزم به عند التعيين. كلا الأمرين يتوفران في من عصم ربي من القضاة.

بيد أن الاتفاقية، وليس فقط فيما يتعلق بالقضاء، فرضت على السودان أوضاعاً جديدة لابد من الإلمام بدواعيها والإدراك السليم لعواقبها. تلك الأوضاع تتطلب الوعي بمعارف جديدة تزداد أهميتها يوماً بعد يوم مثل قوانين حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، ومكافحة الجرائم عابرة القارات، والإرهاب الدولي الذي ألزم السودان نفسه بمحاربته في المعاهدات الدولية والإقليمية.

والتكامل الاقتصادي الإقليمي وتداعياته العدلية مثل منظومة السلوك التي حددتها النيباد، وآلية الرصفاء التي أصبح السودان عضواً فيها منذ بضع أعوام. القضاء في ظل كل هذه الأوضاع في حاجة إلى تجديد، فحتى الأشجار تجددُ أوراقها في المواسم.

وثيقة حقوق الانسان

نأتي إلى الوتد الثاني في الاتفاقية ألا وهو وثيقة الحقوق. دساتيرُ السودان جميعُها حوت نصوصاً حول الحقوق الأساسية، ولكن الإضافة الحقيقية التي جاءت بها الاتفاقية في هذا المجال هي، أولاً، تحصين هذه الحقوق في الدستور في وثيقة متكاملة، وثانياً إشارتها الصريحة للعهود الدولية حول الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولا تحسبن القضاء كان غبياً في الماضي عن التجارب الإنسانية في حماية حقوق الإنسان، إذ إن تلك الحقوق امتداد للقانون الطبيعي. لهذا وصف فقهاء القانون الفرنسيون القضاء بالحارس الطبيعي لحقوق الفرد (gardiens naturels des droits de l?individu(. ولكن، بموجب النصوص الجديدة لم تعد هذه الحقوق حقوقاً طبيعية يستدركها القاضي بالعقل، أو حقوقاً إنسانية تفرضها العهود الدولية ويبني القاضي أحكامه عليها بالقياس، وإنما أصبحت أيضاً ترتكز على إرادة الشارع الدستوري.

فالقضاء ملزم بالامتثال للمادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن «لكل شخص الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أي أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون».

وهو ملزم بالمادة العاشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية التي تقول: «لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظراً منصفاً وعلنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة موجهة إليه». هذه النصوص ما أوردت إلا لحماية المواطن الإنساني من عاديات الظُلم وجنف الغَشم ومرارة الضيم.

ودور القضاء في هذا المجال هو الحيلولة دون الظلم ابتداء، وليس فقط الانتصاف للظالم من المظلوم عند الحُكومة، أي عند الحكم. لقد أوجب طرفا الاتفاق على نفسيهما تطبيق اتفاقية السلام الشامل والدستور، وتنزيل أحكامها في كل شبر من أرض السودان. هذا هو دورنا، ونحن له مُنذَرون.

أما دور القضاء فهو النأي بنفسه عن الحكم بالهوى، «فإذا قضي المرء بالهوى احتجز الله عنه»، أي احتجب، كما يقول قضاة الإسلام. فكم من الأحكام تصدر اليوم في المحاكم الجنائية الدنيا دون بينة عُدول. وكم من حكم في جناية ترخص فيه القضاة ابتناء على الظنون أو الاحتمالات أو القرائن. لست بحاجة للقول لمن هم أدرى بالشِعاب أن الأصل في أدلة الجنايات هو قطعية الثبوت الذي يفيد الجزم واليقين، لأن القرائن يصح قانوناً إثبات عكسها.

ومن المؤسف حقاً ألا نرى بعد مضي خمس سنوات من إرساء قواعد الحكم الجديد في السودان حكماً قضائياً واحداً يثري الثقافة القانونية اعتماداً على المفاهيم الجديدة التي جاءت بها الاتفاقية، ناهيك عن أحكام يسير بذكرها الركبان مثل أحكام محمد أحمد أبو رنات في الجنايات والإجراءات، ومحمد إبراهيم النور وعثمان الطيب في قضايا الأرض، ومحمد يوسف مضوي في القانون التجاري، ودفع الله الرضي في القانون المدني وتقارير اللجان القضائية مثل قضية مقتل وليام دينق، وبابكر عوض الله في القانون العام، وأحمد متولي العتباني في القانون الدستوري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات