أزمات دولية وحروب مقبلة تطل برؤوسها على البشرية العطشى

نقص المياه يغرق العالم في بحر من الدماء

صورة

كانت الأمم المتحدة سبّاقة الى متابعة البيئة،وإيلائها جانبا لا يُنكر من الاهتمام. وقد تجسد هذا النهج من جانب المنظومة الدولية في المبادرة منذ السبعينات الى إنشاء منظمة دولية متخصصة في هذا الموضوع هي برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب).

وقد اختاروا موقعه في العاصمة الكينية نيروبي، وجعلوا من هذا الموقع الذي يشغله أيضا برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) هو المقر الأفريقي للمنظومة الدولية جنبا الى جنب مع المقر الأساسي الذي تشغله الأمانة العامة في نيويورك، والمقرين الأوروبيين في كل من جنيف ـ سويسرا وفيينا ـ النمسا. وجاء عقد التسعينات من القرن الماضي، فتأكدت الصلة العضوية والجدلية العميقة بين خطط التنمية وخاصة على صعيد العالم الثالث وبين أحوال وتطورات البيئة.. فكانت مبادرة الأمم المتحدة أيضا الى عقد مؤتمر ريو الشهير في البرازيل في عام 1992 تحت عنوان «البيئة والتنمية». لكن ها هو القرن الحادي والعشرون ينصرم منه عقده الأول وقد حّفته ظاهرة بالغة الخطورة وشاملة التأثير على مستوى كوكبنا الأرضي بأسره. وهذه الظاهرة تلخصها العبارة البسيطة، الباترة التي أصبحت في زماننا على كل لسان: تغير المناخ.

راحت إذن الأيام الغابرة.. التي كانت فيها قضايا المناخ ترادف أو تكاد ترادف مجرد متابعة واستطلاع أحوال الطقس ورصد درجات الحرارة وتدارُس معدلات سقوط الأمطار بين غزارة الهطول، مما كان يوجب أحيانا اتخاذ الاحتياطيات لمواجهة مشاكل الفيضان وربما السيول.. و بين ما كان يحدث في أحيانا أخرى حين يعمد السكان المؤمنون في أوقات الجفاف الى انتظار الغيث بل وأداء صلوات الاستسقاء.

أصبح تغير المناخ يجسد واحدة من أخطر القضايا في العالم.. وبات مسؤولا عن هذه القضية فيلق يضم كوكبة من أهم وأكفأ العلماء الاختصاصيين ويحمل العنوان التالي: الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ.

ولقد أدت جهود هذه المجموعة الدولية، فضلا عن الخطاب العالمي الذي ساد في قمة كوبنهاغن الى أن تأكدت الدعوة المستجدة في طول العالم وعرضه الى أن تصبح قضية البيئة ـ وبالذات مشاكل، بل وأخطار تغير المناخ ـ هي البند رقم واحد، لا على أجندة العلماء الاختصاصيين وحسب، بل على جداول أعمال أهل السياسة والحكم والإدارات الوطنية في جميع دول العالم.

من هنا باتت هذه الأجندات تضم بيانات وتحذيرات بشأن خطورة ما قد يطرأ على كوكبنا من تحولات بالغة السلبية بحيث لم تعد خافية على الفهم ولا الرصد ولا المتابعة (تأمل مثلا ظواهر موجات التسونامي العاتية في جنوب شرقي آسيا.. أو نوازل الزلازل المدمرة في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي دع عنك آفات الجفاف الكارثية في أنحاء شتى من أفريقيا ـ جنوب الصحراء على وجه الخصوص).

حول مستقبل المياه

من هنا انعقد إجماع عالمي ـ كوكبي إن شئت ـ على أهمية نشر الوعي البيئي بين مختلف الدول والشعوب، وعلى اختلاف مستويات التحصيل التعليمي والانتماء الطبقي ونوعيات الوظائف والمهن والأعمال.. بل وعلى تباين الأعمار والأجيال.

وقد اقتضت تطورات الأمور البيئية، ومعها تنبؤات العلماء الاختصاصيين، نشر وتعميم هذا الوعي نظرا لأن قائمة الخطر المحدق بالبشر تحوي في مقدمتها بندا جوهريا ويمس في الصميم حياة ومستقبل الإنسان: إنه بند مستقبل الماء على سطح الأرض.

في هذا السياق بالذات يستعيد المحللون كلمات سبق الى إطلاقها الرئيس الروسي الأسبق جورباتشوف في عام 2000 قائلاً: إن الماء، شأنه شأن الديانة والأيديولوجية ينطوي على طاقة عاتية يمكن أن تحرك الملايين من البشر.. ومنذ فجر الحضارة الإنسانية ظل الناس ينتقلون من مكان لمكان بحيث يصحون أقرب ما يكونون من مصادر الماء. بل كان الناس يتحركون أيضا عندما يكون الماء غزيراً وافرا.. وما برحوا يكتبون عن الماء، ومن أجله يبدعون.. يغنون ويرقصون ويحلمون أيضا.. لأن الجميع بحاجة الى كل قطرة منه.. على تعدّد الشعوب.. واختلاف المكان والزمان.

في ضوء هذا كله يلفت اهتمامنا.. العدد الخاص الذي أفردته لقضية المياه.. واحدة من أهم الدوريات السياسية الأميركية: لقد خصصت مجلة «وورلد بوليسي» المعنية بقضايا السياسة في العالم باكورة أعدادها الصادرة مع مطلع هذا العام (يناير 2010) لبحث وتحليل قضية المياه في العالم.

ولم يكن في الأمر مجرد مناقشة هادئة ولا مجرد تحليلات رصينة مزودة بالحقائق أو الإحصاءات.. بقدر ما أن جاء هذا كله من منطق تحذيري بشأن مستقبل المياه وما قد يرتبط به من سلوكيات يصل بعضها الى مستوى الصراع بين أطراف عالمية شتى.

حروب المياه

لهذا اختارت «وورلد بوليسي» لهذا الملف السوبر ـ خطير العنوان المثير التالي: حروب المياه.

وعمدت الأوراق ـ الأبحاث العلمية ـ داخل هذا الملف الى اختيار عناوين إنذارية كما قد نسميها من قبيل أي من المسميات التالية:

مواجهة الهيدرو ـ أزمة (بمعنى الأزمة المائية (المستحكمة).

ظاهرة الذوبان العظيم (وهو الانصهار واسع النطاق لجبال الجليد السرمدية عند القطبين الشمالي والجنوبي من كرة الأرض) بين المياه المخبوءة.. والصراعات المستترة.

وإذا كان بديهيا أن كل هذه القضايا البيئية شواغل وأن تقضّ مضاجع العالم.. وبحيث ينبغي أن يتعزز إزاءها وعي جميع سكانه، إلا أن المصادفات شاءت أن يكون في مقدمة العلماء المهتمين بهذا الشأن البيئي، والمنبهين إلى تداعياته وعقابيله اثنان من العلماء العرب.

الأول في الأوساط الدولية كان رائدا في هذا الميدان البيئي.. وهو الدكتور «مصطفى كمال طلبة» الذي يعد الأب المؤسس لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) وهو أول مدير تنفيذي للبرنامج المذكور في مقره الافريقي الذي ألمحنا إليه في كينيا.

الثاني هو الدكتور «إسماعيل سراج الدين» الذي يتولى حاليا منصب مدير «مكتبة الإسكندرية» في مصر العربية، وقد حرصت مجلة «وورلد بوليسي» على إيراد إشارة إليه على غلاف العدد الخارجي تحت عنوان: «حديث مع إسماعيل سراج الدين». وهو الحوار الذي حمل العنوان المنذر بالخطر عن «حروب المياه».. وإن كان محاوروه، وهم من كبار محرري المجلة، قد حرصوا على أن يشفعوا هذا العنوان بوضع علامة استفهام وكأن العنوان يطرح تساؤلا ـ لا نراه بريئا هو: هل.. تنشب حروب في العالم بسبب المياه؟

إسماعيل سراج الدين.. لماذا؟

ليس لأنه مدير مكتبة الإسكندرية.. ولا لأنه مثقف عربي بارز.. ولكن لأنه واحد من العلماء العرب ذوي السمعة الدولية من المهتمين على مستوى التخصص بالذات بقضية المياه، منذ أن شغل منصب نائب رئيس البنك الدولي متخصصا في ميدان «التنمية المستدامة بيئياً واجتماعياً»، وموقع رئيس الشراكة العالمية المعنية بالمياه ورئيس اللجنة العالمية للمياه في القرن 21.

والأهم من هذه المناصب ـ المائية كما قد نسميها ـ فإن حوار المجلة السياسية الأميركية يقدم المفكر العربي بأنه واحد من أبرز المؤمنين بأن الماء هو أخطر سلعة أو مادة في حياة البشر ومن ثم فهو الأهم من الناحية الاستراتيجية.

نبوءة عمرها 20 سنة

في مستهل الحوار يستعيد الدكتور سراج الدين نبوءة منشورة كان قد سبق إليها في عام 1990 وقال فيها: إذا كانت حروب القرن العشرين قد اندلعت بشأن البترول.. فإن حروب القرن القادم (الحالي) سوف تتصل بالماء حيث يرتفع طلب بلدان متزايدة العدد على المياه فيما يقل توافرها باطراد.

يحذر الرجل أيضا، لا من حروب الدول وحسب ولكن من صراعات (أهلية) يمكن أن تنشب داخل الدول ذاتها إذا ما تُركت قضايا المياه للتراكم والتفاقم والإهمال، خاصة وأن نصف سكان العالم مع حلول منتصف القرن الحالي (2050) سيكونون مقيمين في المدن بسبب سرعة واستشراء ظاهرة التحول الحضري.

وهو ما سيؤدي الى زيادة الطلب باطراد على توافر المياه، فما بالك عندما نعرف أن أهم وأغزر مصادر المياه العذبة ـ الثمينة بكل مقياس في معظم قارات عالمنا ـ تتشارك في أحواضها ومجاريها دول مُشاطئة عديدة، وهو ما يجسد بداهة مجموعات ومسارات متباينة من المقاصد والأجندات والمصالح.. التي يخشى مع التطور أو مع القلة والشحة أو الندرة أن تتحول الى مصالح متضاربة.

دعك أن تكون متناقضة، فإذا بها تشكل البيئة الخطيرة لنشوء الصراعات التي تترجم نفسها الى سلوكيات العنف الذي قد يجتاز ميادين الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد الى ساحات القتال الدموي بين الأطراف.

من هنا ينبّه الفرقاء، ومنهم بالطبع صاحب حوار «وورلد بوليسي» الى ما يمكن أن نطلق عليه من جانبنا الوصف التالي: المالثوسيه.. المائية.

نشير هنا الى تحذيرات المفكر البريطاني الشهير توماس مالثوس (1766 ـ 1834) التي يعرفها المهتمون بأمر الاقتصاد والسكان في العالم بأنها نظرية مالثوس، وجوهرها ذلك التحذير إزاء ما قد يؤول إليه الأمر من نقص في موارد الغذاء في العالم.. الذي يشهد كما ذكر مالثوس تزايدا في حجم السكان دون أن يواكبه تزايد مواز وكاف في موارد الغذاء الكافية لإطعام كل فم.

عن السكان والمياه

إن «المالثوسيه المائية» كما يحذر منها إسماعيل سراج الدين وأضرابه تقول بأن كثيرا من مناطق العالم شهدت زيادة السكان بمقدار 3 أضعاف فيما شهدت زيادة في استهلاك المياه بمقدار 6 أضعاف، خاصة وأن هذه الزيادة في البشر كثيرا ما صاحبها تغييرات تحولت بعدد كبير منهم الى الطبقات المتوسطة التي يزيد استهلاكها من كل شئ.. ابتداء من اللحوم الى الالكترونيات.. الى المياه بطبيعة الحال.

من هنا يؤكد هذا الحوار.. وغيره من بنود «خطاب المياه» في عالمنا أهمية أن تصبح حماية وتطوير المصادر المائية.. فضلا عن التماس مصادر جديدة.. حفرا وتحلية واستكشافا والتماسا بالضرورة لأساليب تكفل بالعلم والوعي ترشيد الاستخدامات المائية على أن يتحول كل هذا لكي يصبح في صدر أولويات الاستراتيجية الوطنية هذه الدعوة مطلوبة على مستوى المناطق والأقاليم والبلدان.

أما على الصعيد الدولي فقد ألمح هذا الحوار الى أن بالإمكان أن تنظر الأطراف الدولية في أمر ترشيد وتنظيم استخدامات موارد المياه في العالم.

بل قد يصل الأمر الى أن تشهد مراحل قريبة أو بعيدة من زماننا. إنشاء كيان جديد على غرار «الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

كيان يتولى تنظيم استخدامات المياه ويعمل على فضّ أو حلّ ما قد يرتبط بها من نزاعات.

كيان قد يحمل يوما اسم: «الوكالة الدولية للطاقة ـ أو الموارد ـ المائية».

محمد الخولي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات