قرار إدارة أوباما المضي بصفقة أسلحة مع تايوان، جاء مفاجئاً بتوقيته وبمغادرته المبكرة للتوجه الذي اعتمده الرئيس في السياسة الخارجية. تفوح منه رائحة عودة إلى مقاربة، كان سيّد البيت الأبيض قد أوحى بأنه لا ينتمي إلى مدرستها. كان قد شدّد على التغيير والانفتاح مع تغليب الحوار والدبلوماسية؛ في التعاطي مع الملفات والشؤون الخارجية.

كما سبق ونوّه بأهمية التعاون والشراكة، خاصة بين الدول الكبرى؛ من أجل ضمان الفعالية في التصدّي للمشكلات الكبرى؛ الاقتصادية والمناخية والأمنية وغيرها. لكن بيع أسلحة بأكثر من ستة مليارات دولار، لجهة تثير حساسيات بلد مثل الصين؛ خطوة لا تندرج في هذه الخانة. لاسيما وأنه ليس هناك من الدواعي الأمنية، ما يبرّر مثل هذا التسليح الآن.

كما لا تتفق، مبدئياً على الأقل، مع ما دأب أوباما على التبشير به. خاصة وأن ردّ فعل بكين كاد أن يفجّر أزمة في العلاقات مع واشنطن. والتوتر الذي نشأ، مفتوح على المزيد من التأزم. بل هو، في ظلّ ظروفه ومعطياته الأميركية والصينية والدولية، قد يتطور ويقود إلى نوع من الحرب الباردة؛ بين القوة العظمى والعملاق الصاعد. وربما يكون هو المآل المطلوب.

فالقرار لا يبدو أنه مجرد عملية بيع سلاح فقط. لحظته الراهنة، تشي بأنه ينطوي على أبعاد استراتيجية متعلقة بالمنافسة، في مرحلة انتقالية دقيقة ومصيرية؛ بين الكبيرين.

مبررات واهية

مصادر الإدارة الأميركية، علّلت القرار بأنه ليس سوى استكمال لقرار سابق، اتخذته إدارة بوش بتزويد تايوان بالأسلحة. الصفقة كانت بحدود 13 مليار. تمّ يومذاك تنفيذ نصفها.

واليوم يتم تنفيذ المتبقي. وتتذرع أيضاً بأمرين: إنها أبقت طائرات اف 16 ـ 66 منها ؟ خارج الموافقة؛ على اعتبار أنها سلاح هجومي. ثم أن واشنطن، كما تقول الإدارة، ملزمة بموجب « قانون تايوان « الصادر عام 1979، بتزويد الجزيرة بالأسلحة التي تلزمها لمواجهة أي هجوم تقوم به القوات الصينية ضدّها. لكنه تعليل لا يصمد في وجه الواقع.

لا واشنطن ملزمة بموعد، بخصوص التسليح. ولا تايوان تواجه أي هجوم، أو هي مهدّدة بشيء وشيك؛ من هذا القبيل. الدواعي أبعد وترتبط بالمعادلة الدولية وتوازناتها الراهنة.

التنين الصيني، باتت مسيرته تقترب من السرعة الصاروخية. الأرقام تنطق بذلك. في العام الماضي، تقدّم على ألمانيا وصار في المرتبة الثانية من حيث الصادرات. كما احتل المقعد رقم 3 في الاقتصاديات الدولية.

وحسب بعض التوقعات، هو مرشح لتبوؤ المركز العالمي الأول ؛ في غضون 17 سنة. في ذات الوقت، تمسك بكين بعدة أوراق خارجية وازنة. هي مفتاح التوصل إلى تسوية، للنووي الكوري الشمالي. كما تتحكم بقرار العقوبات، التي تسعى واشنطن لتمريره في مجلس الأمن.

من دون تعاونها، كثاني أكبر ملوّث مناخي في العالم؛ يتعذر الوصول إلى اتفاقية ملزمة لمواجهة الاحتباس الحراري.

بالإضافة إلى ذلك، هي المشتري الخارجي الأكبر (حوالي 800 مليار دولار) لصكوك الخزينة الأميركية، التي تموّل الموازنة وعجزها الفلكي. وحدها من بين البلدان الصناعية، تمكنت من عبور المطبّات العنيفة للأزمة المالية العالمية؛ بأقل الخسائر وبالمحافظة على معدل نمو لا يجاريها فيه أحد: حوالي 8%. هذه التمايزات أعطتها، ربما، الشعور بالعظمة. راحت في الآونة الأخيرة تتصرف من موقع الإملاء أحياناً ؟

كما في مؤتمر كوبنهاغن، أو من موقع فرض الذات، كعملاق صاعد؛ سواء في مجلس الأمن أو في قضايا العملات، الصينية والأميركية؛ وأزمتها الأخيرة مع «غوغل» والانترنيت.

رفض المنافسة

مشكلة واشنطن أنها لا تطيق وجود منافسة على موقعها. ولا الاقتراب من هذا الموقع. ويزيد من تأزمها، أن أوراق الزعامة الدولية،تتناقص في أيديها. وإذا كانت العلاقات بين البلدين قد اعتادت على وصلات من التوتر، لتعود بعدها المياه إلى مجاريه؛ إلا أن اللحظة المفصلية الراهنة، قد تضع الأمور على سكّة ثانية. فالخطوة الأميركية تبدو، مصممة لكبح اقتحام التنين الساحة الدولية؛ إما من خلال إقحامه بسباق تسلّح وإما بتوريطه في أزمات إقليمية أو دولية، تلجم اندفاعه.

الاستدارة الأوبامية، تنطوي على خطر الانجرار إلى العسكرة. والخشية أن تكون المدرسة المحافظة وحلفائها، وراء هذا التحول. عندئذ، يصبح انسحاب المزيد من التوتر على الشرق الوسط؛ مسألة تحصيل حاصل.

فيكتور شلهوب