بعد طرحه يهودية الدولة، ونزع سلاح الفلسطينيين، ها هو رئيس الحكومة الإسرائيلية يطرح شرطا جديدا في عملية التسوية، يتمثل بإحاطة الجيش الإسرائيلي بالدولة الفلسطينية المفترضة، من كل جوانبها، بدعوى الحؤول دون تجربة إطلاق الصواريخ من غزة (ما يعني في الحقيقة تكرار تجربة حصار غزة!).
هكذا باتت قائمة الشروط الإسرائيلية صعبة وطويلة جدا، فهي تشمل، أيضا، عدم العودة إلى حدود 1967، وضم الكتل الاستيطانية، والحفاظ على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ورفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
ولا يبدو أن هذه القائمة ستنتهي. وعلى رغم ارتكاز هذه الشروط على الأيديولوجية الصهيونية، وعلى ادعاءات إسرائيل بالحفاظ على طابعها كدولة يهودية، وعلى أمنها، إلا أنها تنبثق، أيضا، من إدراك إسرائيل لحال الضعف العربي (وضمنه الفلسطيني) في مواجهتها.
فمن وجهة نظر إسرائيل ليس ثمة ما يضطرها، أو ما يدعوها، لا بالوسائل السياسية ولا بالوسائل العسكرية، لتقديم «تنازلات» سياسية، في عملية التسوية، وهذا ما أوضحه مرارا وتكرارا بنيامين نتانياهو باعتباره أن الحفاظ على إسرائيل القوية أهم من عملية التسوية، وبتأكيده بأن إسرائيل تستطيع تدبر أمرها بدون تسوية، وعبر فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين.
ويرى نتانياهو، ومعظم أطراف ائتلافه اليميني، بأن عملية التسوية من شأنها أن توهن إسرائيل، وأن تخلق الشقاق في المجتمع الإسرائيلي، وأن تضعف صدقية الصهيونية، وأن تشجع الآخرين على استمرار تحدي إسرائيل.
وكلنا نذكر تصريحات افيغدور ليبرمان، بهذا الصدد، والتي دعا فيها دول العالم إلى ترك إسرائيل وشأنها والانصراف نحو حل المشاكل في باكستان وأفغانستان وإيران والعراق! وإذا نظرنا الأمر من تلك الزاوية فسنجد أن حدود إسرائيل، مع الدول العربية المجاورة، هادئة من كل النواحي، وليس ثمة ما يهددها. أما بالنسبة للفلسطينيين، فثمة هدوء معلن في الضفة وغير معلن في غزة.
ويحاول المحلل الإسرائيلي، ألوف بن، شرح هذا الوضع على النحو التالي: «أكثر الإسرائيليين مقطوعون اليوم عن النزاع مع الفلسطينيين ولا يحتكون بهم. فهم يرونهم شخوصا غير واضحة في الأخبار.. تبعد نابلس ورام الله نحو أربعين دقيقة سفر عن تل أبيب، وهما موجودتان في نظر الناس في تل أبيب في كوكب آخر.. المستوطنون وراء جدار الفصل هم الإسرائيليون الوحيدون الذين يقابلون الفلسطينيين..
من خلال نافذة السيارة في الشوارع المشتركة.. يمكن السفر إلى المستوطنات الكبيرة مثل معاليه ادوميم واريئيل دون رؤية الفلسطينيين تقريبا.. تزيد العزلة الفرق بين شكل رؤية الإسرائيليين لدولتهم وشكل رؤية العالم لها.. بسبب العزلة وعدم الاكتراث، لا يوجد ضغط عام على الحكومة للانسحاب من «المناطق» ولإقامة دولة فلسطينية». («هآرتس»، 13-1).
وقد وصل الأمر حد أن جهاز «الشاباك»، ذكر في تقرير أصدره مؤخرا، بأن «العام 2009، هو الأهدأ منذ بدء الانتفاضة الثانية.. حيث قتل خلاله 15 إسرائيليا بينما في آخر ثلاثة أشهر من العام 2000 حيث اندلاع الانتفاضة قتل 44).» (عاموس هارئيل، «هآرتس»، 31-12) وبعد كل ذلك فلماذا تذهب إسرائيل إلى التسوية؟!
إضاءة
نشأت دولة إسرائيل لكي يصبح لليهود وطن قومي لهم، ولكي يتخذوا القرارات في شأن أنفسهم وكي يستطيعوا التطور كشعب ومجتمع وأفراد. نشأت دولة إسرائيل كي لا يظل اليهود لقمة سائغة لمبغضيهم الذين يفعلون بهم ما شاءوا.. من أجل التيقّن من حقيقة وجود دولة اليهود، يجب أن نعطي احتياجات إسرائيل الأمنية أعلى تفضيل.
فإذا فقدت إسرائيل قدرتها على الدفاع عن نفسها ـ فلن تقوم في عصر الاتفاقات أيضا. لقد برهنت اتفاقات أوسلو.. أن الاتفاقات.. ليست ضمانا للأمن.. إذا شعر أعداء الدولة اليهودية بأنها لا تملك سوى خيار الاتفاقات، فسيستغلون ذلك لدفع إسرائيل إلى التنازلات، وليمسوا بأمنها وبعدل وجودها أيضا..
واضح انه من وجهة نظر الجيل الشاب والبالغين أيضا، يفضل الهدوء والسكينة على الحروب، لكننا بشرنا.. أن عدد الإسرائيليين الذين يعودون من خارج البلاد زاد هذه السنة بـ 10 في المئة.. في الجانب الاقتصادي أيضا.. نجحت إسرائيل في مدة زادت على 60 سنة في إقامة اقتصاد فخم برغم الضغط الأمني.. على إسرائيل أن تفكر بجدية في تفاوض لا يوجد في أساسه كثير من التنازلات للفلسطينيين.
في الأمور المهمة ـ مثل حدود قابلة للدفاع عنها، وإنهاء النزاع والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ومنع إعادة اللاجئين إلى داخل إسرائيل ومكانة إسرائيل في القدس القديمة ـ يجب على إسرائيل أن تكون عنيدة.(يعقوب عميدرور، «إسرائيل اليوم»، 20-1)
