أعلن ناتان شارانسكي، رئيس «الوكالة اليهودية»، التي تعنى بشؤون الهجرة إلى إسرائيل، بأن هجرة اليهود إلى الدولة العبرية سجلت ارتفاعاً، خلال عام 2009، بنسبة قدرها 17 بالمئة، مع عدد قدره 16244 شخصاً، مقابل 13859 عام 2008، الذي اعتبر أدنى عدد للمهاجرين يسجّل منذ عام 1987؛ وهو عام اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
ولفت شارانسكي إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يسجل فيها ارتفاعاً في أعداد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، منذ عشر سنوات (التي شهدت اندلاع الانتفاضة الثانية والمواجهات الإسرائيلية ـ الفلسطينية)، مشيراً إلى أن نصف هؤلاء المهاجرين تقريباً جاء من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق (7210 أشخاص).
فيما أتى الباقون من أميركا الشمالية وأوروبا وأميركا الجنوبية؛ وموضحاً أن 60 في المئة من هؤلاء المهاجرين دون سن الخامسة والثلاثين.
معلوم أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين اضطلعت، ومازالت، بدور كبير في صناعة الدولة العبرية، وكان لها دور كبير في استقرار هذه الدولة وتطورها، وهي كانت إحدى أهم ركائز المشروع الصهيوني الذي تأسس على فكرتي «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» و«أرض الميعاد» المزعومتين.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل تشهد إسرائيل موجة جديدة من الهجرة اليهودية في المرحلة القادمة؟ أم أن الهجرة إليها ستظل محدودة لأسباب متعددة؟
للإجابة عن هذين السؤالين يمكن القول ان الهجرة إلى إسرائيل لم تكن يوماً على وتيرة واحدة، وإنما شهدت موجات متعددة، ضمنها الموجة التي صاحبت السنين الأولى لإقامة إسرائيل، والموجة التي بدأت في مرحلة التسعينيات.
وبينما كان عدد اليهود في إسرائيل لحظة قيامها (1948) يقدر بحوالي 650 ألفاً (قدم معظمهم منذ أواخر القرن التاسع عشر)، ارتفع هذا العدد بمقدار الضعف في السنوات الخمس الأولى على قيام إسرائيل. وبلغ مجموع المهاجرين اليهود إلى إسرائيل منذ قيامها حوالي ثلاثة ملايين يهودي، ضمنهم حوالي مليون، قدموا ضمن موجة الهجرة من دول الاتحاد السوفييتي السابق في عقد التسعينات.
وفي الواقع فقد شكلت الهجرة اليهودية على الدوام، منبع قوة لدولة إسرائيل التي جهدت لاستقطاب عدد كبير من يهود العالم، تعزيزاً لصدقيتها في ادعائها تمثيلهم، وتأكيداً لمبررات وجودها كدولة يهودية تعتبر نفسها الملاذ الآمن لليهود؛ هذا فضلاً عن حاجتها للهجرة لتطوير عوامل الإنتاج لديها وسعياً منها للتغلب على واقع كونها موجودة في إطار محيط عربي واسع.
هكذا، شكل قيام إسرائيل علامة شاذة بين الدول، بمعايير عديدة، ليس لأنها قامت على أنقاض شعب آخر، أو لأنها قامت بوسائل القوة والإرهاب، فحسب، وإنما من الأساس لأنها افتقدت العوامل اللازمة لنشوء الدول لناحية توفّر الأرض والشعب ومستوى معين من التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، التاريخي.
فقد ولدت هذه الدولة أصلاً من رحم المؤسسة الصهيونية، التي عملت على جلب «الشعب» بالهجرة والاستيطان، كما عملت على جلب الأرض عبر الاستيلاء عليها بأساليب غير مشروعة؛ استناداً إلى موروث أيدلوجي ـ غيبي.
أي أن المؤسسة هي التي صنعت الدولة و(الأمة)، على خلاف الوضع الطبيعي الذي يتطلب وجود شعب مستقر، عبر التاريخ، في إقليم جغرافي محدد، تجمعه قواسم ثقافية واقتصادية ونفسية، يعبر عن نفسه، نتيجة التطور الذاتي والموضوعي، في دولة.
وتحاول الدعاية الإسرائيلية الالتفاف على هذه الحقائق والبديهيات باعتبار أن قيام إسرائيل هو معجزة (ربانية)، وبأن اليهود هم أمة استثنائية، وشعب فوق قوانين الطبيعة والتاريخ!
ولكن قصة الهجرة اليهودية تبين زيف هذه الرواية الصهيونية فالحركة الصهيونية أصلاً لم تنشأ نتيجة التطور السياسي للتجمع اليهودي في فلسطين أو في البلدان العربية، أصلاً.
وإنما هي نشأت في الغرب وبدعم من الدول الاستعمارية، وبمستوطنين يهود قدموا من أوروبا، على الأغلب، وقد احتلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والنشاط الاستيطاني فيها، مكاناً مركزياً في النشاط العالمي للحركة الصهيونية؛ فهي بالنسبة للمشروع الصهيوني، وللدولة الإسرائيلية، فيما بعد، بمثابة الشريان الحيوي الذي أمدهما بأسباب البقاء والتجدد.
ومغزى ذلك أن إسرائيل لم تقم كنتيجة للتطور الذاتي: السياسي والاجتماعي والاقتصادي للتجمع اليهودي في فلسطين (أليشوف)، بل إن عملية بناء المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين تم بفعل النشاط السياسي الصهيوني الذي اتخذ أشكاله المؤسساتية بعد قيام الدولة العبرية.
عموماً، وعلى رغم الحديث عن ازدياد أرقام المهاجرين اليهود، فثمة مؤشرات تؤكد انحسار الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، بسبب تغير ظروف اليهود في أوطانهم، وتراجع جاذبية المشروع الصهيوني، وعدم استقرار البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، وأساساً بحكم نضوب معظم التجمعات اليهودية.
خصوصاً في آسيا، وإفريقيا، ونسبياً في أوروبا الشرقية، علماً ان بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحد لا تعد مصدراً للهجرة اليهودية، علاوة على كونها مصدراً جاذباً للهجرة اليهودية من روسيا، أو من إسرائيل ذاتها.
اضاءة
بلغ المعدل السنوي لعدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل في السبعينات 35 ألف مهاجر، وفي الثمانينات بلغ 15 ألف مهاجر، وفي النصف الأول من التسعينات بلغ 70 ـ 80 ألفاً، وكان وصل ذروته في العامين 1991 ـ 1992 حيث بلغ 199 و176 ألفاً، وفي العقد المنصرم لم تتجاوز الهجرة اليهودية عتبة الـ 15 ألفاً في العام.
وبرغم كل عوامل التشجيع على الهجرة، فإن ثلث يهود العالم فقط يقطنون في إسرائيل بينما الثلثين مازالوا يفضلون العيش خارجها وعلى الأخص في أميركا وأوروبا، ما يعني أن إسرائيل لم تنجح في استقطاب يهود العالم للعيش فيها على اعتبارها دولتهم وملاذهم الآمن!
ماجد كيالي
