أكد الدكتور محمود أبوزيد رئيس المجلس العربي للمياه وزير الري المصري السابق أن دول الخليج العربي وليبيا من أكثر دول العالم التي ستعاني من ندرة المياه مستقبلا، وهو ما يتطلب من المسئوولين وضع الإستراتيجيات والخطط والبرامج لمواجهة هذا النقص.
وأشار أبو زيد إلى أن إسرائيل تحصل على معظم الموارد المائية الموجودة في الأردن وغزة وجزء من سوريا، نافيا أن تكون الدولة العبرية تقوم بسرقة مياه الخزان الجوفي بشبه جزيرة سيناء بمصر. وكان لـ «البيان» هذا الحوار مع الدكتور محمود أبوزيد رئيس المجلس العربي للمياه، وزير الري المصري السابق: * البعض يردد أن الحروب خلال القرن الحالي ستكون حروبا مائية في المقام الأول، فما حقيقة ذلك؟ ـ لا نستطيع أن نقول إنها ستكون حروبا بالمعني الحرفي للكلمة، بل من الممكن أن نقول إنه ستكون هناك صراعات على المياه، خاصة وأن هناك تقارير ودراسات متخصصة تؤكد حدوث مثل هذه الصراعات بعد وصول عدد من الدول العالم إلى حد الفقر المائي وهو معدل مرشح للارتفاع. كما أن هناك زيادة في نسب استهلاك المياه، خاصة وأن عدد سكان العالم في تزايد مستمر في حين أن الموارد المائية تقريبا ثابتة، ومع ذلك، أعتقد أن الصراعات حول المياه لن تصل إلى حد الحروب.
في ظل هذه المخاوف، ما هو موقف الدول العربية من مشكلة ندرة المياه؟
في البداية لابد وأن نؤكد أن المنطقة العربية تعاني من هذه المشكلة ؟ ندرة المياه أكثر من مثيلاتها من المناطق الأخرى، لكن في نفس الوقت لابد من التأكيد أن معاناة كل الدول العربية لن تكون بنفس الدرجة.
فهناك دول لا يوجد بها مياه مثل منطقة الخليج العربي وليبيا، على عكس المناطق الأخرى مثل السودان والصومال، فدول الخليج العربي ستعاني من مشكلة المياه، وهو ما سيدفع المسؤولين بها لإعداد الخطط والبرامج لمواجهة هذه النقص، والدليل على ذلك أن جامعة الدول العربية أنشأت أخيرا مجلسا وزاريا للمياه، ومنذ ثلاث سنوات أنشئ المجلس العربي للمياه، ومن أهدافه أولا عمل فحص للموارد المائية في العالم العربي كله وبحث سبل مواجهة هذه المشكلة.
كما أن المجلس الوزاري قرر، في اجتماعه الأخير، إعداد استراتيجية للأمن المائي العربي، من خلالها نبحث في الموارد المائية المتاحة ثم الاحتياجات المائية، وتدشين خطة لمواجهة الاحتياجات المائية في عام 2050، خاصة أن ما بين 60 إلى 65 في المائة من المياه العربية تأتي من خارج المنطقة العربية، وهذا الأمر يؤكد أهمية التعامل مع هذه المشكلة.
من وجهة نظرك كيف يمكن للوطن العربي التصدي لهذه المشكلة؟
هذه المشكلة يمكن مواجهتها بوضع الخطط والاستراتيجيات وإقامة المشروعات المائية، فالمنطقة ستعاني من فقر مائي، والهدف من هذه الاستراتيجيات أن نبحث ماهية هذه المشروعات التي يمكن تنفيذها لمواجهة هذا النقص المائي، فالموارد المائية لم تستغل بشكل جيد حتى الآن.
والدليل على ذلك نهر العاصي في لبنان والفرات بالعراق، وفي الوقت نفسه يجب أن نسير في الاتجاه الثاني وهو تحلية مياه البحر، ومن المعروف أن منطقة الخليج بها 60 في المائة من مشروعات التحلية على مستوى العالم، وهذه التكنولوجيا متوافرة في المنطقة العربية وتختص السعودية منها بنسبة 30 في المائة.
كما يجب أن تكون هذه الاستراتيجيات ضمن نظام التكامل بين الدول العربية، فبدلا من توجيه المياه لزراعة الأرز والقصب في بعض الدول يجب أن نوجهها للزراعة في الخارج، فمثلا يوجد في سوريا والسودان محصول القمح بكثرة، وعلى الجانب الآخر هناك محاصيل فائضة بدول أخرى، والتكامل سيصل بنا إلى تبادل المحاصيل والاستخدام الأمثل للمياه فلا بد أن نعترف بأن هناك إهدارا لنسب كبيرة من المياه في دول كثيرة.
أعلنت العديد من دول منبع نهر النيل أنها ستقيم سدودا مائية على نهر النيل فهل يمكن سيؤثر هذا على حصة مصر؟
لن نستطيع أن نقول إن هناك سدودا وبعدد كبير، وإنما يقام حاليا سد رئيسي على النيل الأزرق، وهذا السد تم دراسته وبحثه بين مصر والسودان وتمت الموافقة عليه، خصوصا أنه لتوليد الكهرباء وليس لحجز المياه، والأمر الثاني أن بعض هذه السدود التي نسمع عنها لا تقع ضمن نطاق حوض النيل بل خارجة عنه، فأثيوبيا لديها 20 نهرا.
ما حقيقة الخلافات بين دول منبع نهر النيل ودولتا المصب مصر والسودان حول حصتهما من مياه النيل؟
في الفترة الماضية والتي كنت فيها وزيرا للموارد المائية والري في مصر استطعنا أن نقنع دول حوض النيل أن الحصة الحالية لمصر والسودان تبقى دونما مساس بها، وشكلنا لجنة لكي نبحث عن المشروعات المستقبلية لزيادة الموارد المائية لمصر والسودان وباقي دول حوض النيل وهذا يتبعه بحث مشروعات كبيرة وكثيرة.
كما أن هناك مبادرات واتفاقيات بين دول حوض النيل، وهناك مبادرة منذ أكثر من 40 عاما، وهذه المبادرة تنص على أن تبدأ دول حوض النيل في دراسة الأحوال المائية المهدرة من نهر النيل وتبحث المشروعات المشتركة لدولتين على الأقل، ولا تؤثر على أية دولة، وهناك أيضا اتجاه ثان لعمل تقييم شامل تشارك فيها كل دول حوض النيل ونحن نسير في الاتجاهين.
ولكن هناك مطالبات الآن من جانب دول منبع حوض النيل بتعديل الاتفاقيات القديمة خاصة اتفاقية 1929 على اعتبار أنها وقعت في عهد الاستعمار؟
كانت هناك مطالب بالنص على عدم الالتزام بالاتفاقيات القديمة على أساس أنها وقعت في عهد الاستعمار، وفي رأيي الشخصي أننا تغلبنا على هذه النقطة بأن تم النص في الاتفاقية الجديدة على حقوقنا في الاتفاقيات القديمة، وطالما أنني سأحصل على ما أريد فليس هناك لزوم للقول بأنني سأتمسك بالاتفاقيات القديمة.
وهل تستطيع دول المنابع أن تنفذ تهديدها في حال عدم الوصول لاتفاق بتوقيع الاتفاقية بدون مصر والسودان؟
لايزال هذا الاقتراح قائما من بعض الدول الأفريقية، وهم يستطيعون توقيع اتفاقية أخرى جديدة لتنظيم شؤون مياه النيل فيما بينهم، لكنهم لا يستطيعون توقيع اتفاقية حوض النيل لأنه مازال ينقصها بعض البنود وغير مكتملة.
أعلنت مرارا وتكرار رفضك فكرة توصيل مياه النيل لإسرائيل وكل المراقبين الآن يرون أن تواجدها في المنابع هدفه الحصول على حصة من المياه عبر ترعة السلام، فما حقيقة ذلك؟
وأنا من جانبي مازلت حتى الآن أرفض فكرة إمداد إسرائيل بمياه النيل وأصر عليها والرئيس مبارك نفسه رفض ذلك.
إذن بماذا تفسر تحركات إسرائيل في منابع النيل، وماذا تريد من مصر؟
طبعاً تريد حصة من مياه النيل لكنها لم تعرض ذلك بشكل مباشر، وقد تكون هناك وعود أو إيحاءات إلى دول حوض النيل بذلك، لكني أعلم تماما وهذا رأيي الشخصي أن إسرائيل تتمنى الحصول على مياه من النيل، لكنها لم تعرض ذلك على مصر بشكل مباشر.
ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به المجلس العربي للمياه لمساعدة الدول التي تستولي إسرائيل على حصصها من المياه؟
موارد المياه في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية محدودة جدا، وإسرائيل تحصل على معظمها من الأردن وغزة وجزء من سوريا، ويوجد مساهمة من المجلس لحل هذه المشكلة من خلال القيام برفع تقارير للبنك الدولي بصفة دورية عن الموارد المائية لغزة، والإخوة في فلسطين طالبوا منا أن نساعدهم في وضع مقترحات لزيادة الموارد المائية. لكن المجلس لا يدخل في مفاوضات مع أحد لأننا هيئة غير حكومية ولا نتبع أية حكومة بعينها.
ما حقيقة ما يقال عن سرقة إسرائيل لمياه الخزان الجوفي المصري؟
هذا كلام غير صحيح لأن الخزان الجوفي مشترك، وهو موجود تحت أرض شبه جزيرة سيناء، وجزء من مياهه تتحرك ناحية صحراء النقب، كما أن إسرائيل لا تستطيع سرقة هذه المياه، حيث إن اتجاه سير المياه الطبيعي هو من سيناء إلى النقب، ومصر بدورها حفرت مجموعة الآبار من أجل أن تستغل حقها في المياه بهذه المنطقة.
ما هي أبرز الملفات المعروضة على أجندة المجلس خلال عام 2010؟
يوجد العديد من الملفات، أهمها ملف ندرة المياه بالدول العربية وهو ملف مهم جدا، وأيضا ملف الثروات المائية المخفية وإعادة استخدام المياه ومعالجتها، وملف تلوث المياه، خصوصا أنه منتشر جدا، وطبعا هذه ملفات أساسية، ويوجد ملفات أخرى مثل الأمن المائي العربي ومساعدة الدول العربية في الحصول على حصص المياه الخاصة بها وغيرها من الملفات المطروحة على المجلس.
في ما يتعلق بالشأن المصري، هل ترى أن مصر لديها سياسة مائية واستراتيجية تمكنها من تلبية احتياجاتها والحفاظ على مقدراتها ومواردها في المستقبل؟
السياسة المائية حتى عام 2017 تم وضعها سنة 2002 ووضعت بعد دراسات مستفيضة شارك فيها جميع الأجهزة والوزارات المعنية بالمياه وليس وزارة الموارد المائية فقط، وتم تحديد دور كل وزارة في السياسة المائية وما هي الأعمال المطلوبة من كل وزارة، وبرنامج تنفيذ الأعمال وما هي تكلفة تنفيذ السياسة المائية.
وما هي أبرز محاور وسمات هذه السياسة؟
السياسة الزراعية في مصر تشتمل على ثلاثة محاور، المحور الأول هو تعظيم الاستفادة من الموارد المائية الحالية، والثاني هو مواجهة التلوث والعمل على الحد منه أو التخلص منه، والمحور الثالث العمل مع دول حوض النيل للحصول على حصة إضافية.
وتعظيم الاستفادة من الموارد المائية يدخل فيه التوسع الأفقي في توشكى وترعة السلام وكل المشروعات التي نتحدث عنها الآن، وبدأ تنفيذ هذه السياسة بعد عرضها على مجلس الوزراء وتم الاتفاق عليها.
هذه هي السياسة القائمة حتى الآن، وقبل خروجي من الوزارة شكلت لجنة من الخبراء لوضع الخطوط العريضة للاستراتيجية المائية حتى عام 2050 لقناعتي بأنه يجب أن نمتلك نظرة مستقبلية بعيدة المدى للمياه، ولم يحدث إلا اجتماع واحد لهذه اللجنة وتوقف العمل فيها لأنني خرجت من الوزارة.
البنك الدولي يشترط تسعير المياه وهناك قانون جديد للري يسمح بدخول المنتفعين والقطاع الخاص في إدارة الموارد المائية.. فهل هذه مقدمات لبيع المياه للمزارعين فعلياً؟
حتى الآن سياسة الدولة عدم تسعير المياه، ولايزال الوزارة الحالية تسير على هذا المبدأ ولكن تكلفة تنفيذ المشروعات في الخطة مرتفعة جدا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ان تتحملها الدولة وحدها، إذن نحن استعضنا عن موضوع تسعير المياه بموضوع استعادة التكاليف.
فإذا كنت تقدم خدمة للمزارع أو الفلاح فإنه سيساهم في هذه التكلفة ولا يتحملها كلها، وبالفعل بدأنا في مشروعات الصرف المغطى وتطوير الري باستعاضة جزء من التكاليف في الأراضي القديمة فقط، لأن التطوير يحدث فيها هي فقط.
هل يعني هذا أن الحكومة سوف تسعر المياه في الأراضي الجديدة؟
المشروع الوحيد الذي حدث فيه استعادة جزء رئيسي من تكلفة الري هو مشروع توشكى، وهذا لا ينطبق على مشروع غرب الدلتا لأنه أول مشروع في مصر أقيم فيه على أساس مساهمة قوية من القطاع الخاص.
وهذه المساهمة تم الاتفاق عليها بسبب وضع الأراضي في المشروع، فالمياه الجوفية تتناقص والملوحة تتزايد في ظل وجود استثمارات كبيرة جداً والمستثمرون لديهم رغبة أكيدة في المساهمة للمحافظة على استثماراتهم فوافقوا جميعهم على مد المشروع بمياه النيل عن طريق ترعة جديدة على أن يتحملوا جانبا من التكلفة والدولة تتحمل جانبا آخر.
ولكن هناك خطة من قبل وزارة الري لتركيب عدادات للمياه على الآبار الجوفية في أراضي المشروع؟
هذا ليس بداية للبيع، ولكن في غرب الدلتا يوجد تعد خطير على المياه الجوفية، فما يتم سحبه الآن أكبر بكثير من قدره الخزان الجوفي وتركيب العدادات هو وسيلة للتعرف على مقدار الرفع ولكنها ليست وسيلة لتسعير المياه.
القاهرة ـ عماد الأزرق

