يتابع المؤلف في هذه الحلقة ظاهرة التوسع التي دفعت أتباع الطريقة الصوفية السنغالية إلى الهجرة لأميركا وإنشاء مجتمعات من التجار المسلمين هناك ولكنهم لم ينسوا وطنهم الأم في غرب إفريقيا من حيث المساهمة في العمران وأعمال الخير والتنمية..
ثم تتحول الحلقة إلى تحليل سلوكيات بارونات الحروب الأهلية الذين يمارسون أبشع السلوكيات ويستغلون ثروات القارة وخاصة الماس لتحقيق مآربهم.. وهو ما أدى إلى انهيار الأحوال الاقتصادية في كثير من الأقطار جنوب الصحراء لاسيما بعد أن قلت موارد المعونة الخارجية بعد الحرب الباردة حيث تحولت بها دول غرب أوروبا إلى دول الشرق الأوروبي لدعم بنائها بعد الحقبة الشيوعية. في الفصل العاشر الذي خصصه الكتاب للحديث عن السنغال في منطقة غرب إفريقيا ؟ نلاحظ شغف المؤلف بالظاهرة والسلوكيات والتوجهات الإسلامية في ذلك البلد الإفريقي المطل على مياه المحيط الأطلسي. بل إن المؤلف يتبع مسار هذا المد المسلم من غرب إفريقيا إذ يعبر هذه المياه ذاتها فيصل إلى أقصى بقاع هجرة مسلمي السنغال. قبل أن يسهب في وضع قارئه في صورة هذه المَهَاجر ومواقعها من خارطة العالم، يحرص المؤلف على إيضاح كيف أن مجتمعات المتصوفة من مريدي القطب الصوفي السنغالي أحمدو بامبا.. تتوخى دوما إنشاء مراكز أو زوايا أو تكايا.. سمها ما شئت وإن كان المؤلف يوردها تحت اسم «ظاهرة». وأيا كانت التسمية، فهي محاور أساسية في حياة مجتمع المريدين من متصوفي السنغال المسلمين.. ويتمثل دورها في أن تتولى تأمين كل ما يحتاجه المريد الوافد مجددا إلى قرية أو مدينة.. ناهيك عن مجتمع المهاجرين الغرباء في هذا البلد الغربي أو ذاك.. وبديهي أن هذه الاحتياجات تتمثل أساسا في المأوى وفرصة كسب الرزق الحلال.
«الزاوية» هي الحل... يسوق المؤلف مثلا على ذلك حين يقول (ص260): عندما يحل المريد (من مسلمي السنغال) في مدينة للمرة الأولى فهو يتوجه مباشرة إلى حيث الزاوية وهناك يهيئون له السبيل كي يسكن ويتسلم مبلغا من المال على سبيل القرض كي يبدأ في ممارسة عمل تجاري.. ثم يكفلون له نوعا من الدعم الاجتماعي. ويواصل المؤلف الحديث في هذه النقطة قائلا: في نيويورك.. جاء إنشاء «الزاوية» على يد حفيد القطب الصوفي أحمدو بامبا.. كان ذلك في عام 1985 (أي بعد وفاة الجد الأكبر بنحو 58 سنة) وهناك كان المريدون السنغاليون قد شرعوا في استيراد المصنوعات والحلّي التي أبدعتها فنون إفريقيا منذ بواكير الثمانينات وبدأ المريدون في بيعها في شوارع الحاضرة الأميركية.. وفي المقابل كانوا يرسلون من نيويورك أنواع السلع والمعدات والأجهزة الكهربائية إلى طوبا.
مقرهم الأساسي في السنغال من أجل بيعها في أنحاء منطقة غرب إفريقيا بأسرها.. بعدها ؟ يستطرد المؤلف ؟ شرعوا في إحضار القبعات والساعات والنظارات الشمسية والمظلات والمصنوعات الجلدية من أنحاء شتى من العالم من أجل ترويجها في نيويورك. وهكذا ازدهرت تجارة هذه الجماعة من المسلمين ويرجع الفضل في ذلك إلى نوعية النظام الذي اتبعوه في البيع والشراء وفي تحويل النقود بين أميركا وإفريقيا.. وهو نظام يتبع أسلوبا يقوم على أمرين هما: البساطة والثقة من هنا يؤكد المؤلف أن المعاملات كانت تتم عن طريق مكالمات الهاتف بأقل قدر من الأوراق والصكوك والإجراءات الحكومية وما إليها.. وربما فات المؤلف أن يشير أيضا إلى أنها كانت تتم على أساس نقاء الذمة وتوخي الأمانة وكليهما من سلوك المسلم.. المؤمن الحق.. وخاصة في مجال التجارة.. وهو المجال الذي دخل به نور الإسلام ؟ بغير عنف ولا سيف ولا قسر ولا إجبار إلى أصقاع القارة الإفريقية من شرقها إلى غربها.
السنغال.. الصغيرة؟
يواصل الكتاب الحديث حيث يذكر أنه في عام 2002 قدروا حجم جماعة المريدين من مسلمي السنغال في نيويورك بنحو 7 آلاف من سكان ضاحية هارلم ذات الأغلبية التي يطلقون عليها وصف «الافرو- أميركي».. وهذه الجماعة شكلت في هارلم ما يمكن أن يوصف بأنه السنغال الصغرى ؟
ليتل سنغال، على وزن ليتل ايتالي ؟ إيطاليا الصغرى التي تتاخم الحي الصيني ؟ «تشاينا تاون» في جنوبي جزيرة مانهاتن في نيويورك.. وكان طبيعيا أن تضم «ليتل سنغال» كل ما يحتاجه سكانها المسلمون من مساجد ومدارس ومكتبات وزوايا تمارس دورها الاجتماعي على نحو ما المحنا إليه وخاصة في حل المشاكل التي تصادف الأسر والأفراد في علاقاتهم وزيجاتهم ووفاة أقاربهم..
وهي تتولى بالذات تجهيز المتوفي من أجل إرسال جثمانه بشكل خاص إلى حيث يدفن في توبا مركزهم الديني الذي يوقرونه في أرض السنغال.. عاملين في ذلك بوصية أغلب المريدين الذين يرحلون إلى عالم البقاء.
في السياق نفسه يرصد المؤلف ما تم من إرسال المريدين مبلغ 8 ملايين دولار من أجل استكمال بناء مستشفى خيري حديث لابناء جماعتهم. كان ذلك جزءا مما يحرص مسلمو السنغال على إرساله إلى الوطن ؟ الأم حيث تدل الإحصاءات على أنهم دأبوا منذ مطلع القرن الجديد من شتى مَهَاجرهم مبلغا يصل إلى 20 مليون دولار سنويا وهو ما يشكل نحو 20 في المائة من حجم الاستثمار الأجنبي (الخارجي) المباشر في السنغال.
مع هذا كله.. فلم تفلح مثل هذه المساهمات في أن تنقل إفريقيا من وهدة الفقر والتخلف إلى مرحلة من التطور والتنمية والكفاية.. صحيح أن جماعات المريدين في السنغال تبذل قصارى جهودها من أجل المساهمة في نشاط بلدها ؟ لكن الأصح على نحو ما يذهب غليه المؤلف - أن ثمة عوامل اجتماعية وثقافية حالت، ولا تزال تحول، دون دفع عجلة التنمية والتجارة إلى الأمام في إفريقيا.
يقول المؤلف في هذا الخصوص (ص274): كثيرا ما سمعت على لسان الأفارقة.. أن الإفريقيين لا يجيدون العمل في دنيا التجارة وعالم الأعمال (البيزنس).. ليس هناك ثقة في مقدرتهم أو كفاءتهم.. هكذا يردد البعض ويضيفون: اتركوا مثل هذه الأنشطة إلى اللبنانيين أو الآسيويين.
من هنا تحولت الثقة إلى أنحاء شتى من إفريقيا إلى كل ما هو أجنبي.. حتى وصلت المسألة إلى مجال الطعام فوجدنا في نيجيريا مثلا من يمتنع عن شراء الأرز المزروع مرددا مقولة: إن الأرز الأجنبي المستورد هو الصنف الوحيد الممكن تناوله.
هكذا تعطلت عجلة النشاط التجاري والصناعي في إفريقيا.. وتفاقمت الأوضاع مع نهاية الحرب الباردة.. بعدها وجد المانحون الغربيون أنفسهم وقد تحرروا من عبء تقديم المعونات إلى البلدان الإفريقية ضمانا لبقائها في الصفوف المعادية للمعسكر الشرقي أو الشيوعي الذي كان منافسا المعسكر الغربي في حقبة الحرب الباردة، هكذا تناقصت معونات الغرب إلى إفريقيا.. لأنها تحولت بالضرورة صوب دول شرقي أوروبا لزوم الإجهاز التام على ما تبقى من المعسكر الاشتراكي الذي كانت أعضاء فيه.
لهذا دخلت دول إفريقيا مع عقد التسعينات في أزمة معاناة اقتصادية وشظف معيشي تجسد بالأساس في تدني قيمة عملاتها النقدية إلى حد الانهيار في بعض الأحيان.. وأدى تداعي قيمة العملة إلى أن مرتبات كبار الموظفين في سلك الخدمة المدنية انخفضت قيمتها إلى حدود دنيا لدرجة أن أصبح الموظف الكبير يتقاضى ما يوازي 50 دولارا في الشهر..
وهكذا تحولت الأمور إلى الأسوأ.. بمعنى أن الأفراد والاختصاصيين الذين كان يؤمل من جهودهم أن يحققوا تحولات الرفاه في الاقتصاد أصبحوا هم أنفسهم فريسة للفاقة والاحتياج. فما بالك وقد أدت الأزمات الاقتصادية إلى تسريح الآلاف من صغار الموظفين والعاملين وكلهم كان يعول أسرا كبيرة الحجم..
وهكذا تحولت قطاعات حتى من كبار الموظفين إلى مجرد الدوام الشكلي في المكاتب لفترات قصيرة وبعدها ينطلق الموظف إلى حيث يعمل سائقا لتاكسي هو في الأصل سيارة المصلحة الرسمية.. فيما ينطلق زميل آخر إلى مساعدة زوجته في إعداد أصناف من وجبات الطعام الجاهز لزوم بيعها على قارعة الطريق!
انتشار الرشاوى
في غمار هذه الأجواء من الحرمان الخانق والأزمات المستحكمة كان لابد وأن تنتعش آفة الفساد الصغير.. أو مبالغ الرشاوى التافهة التي توضع في يد الموظف أو في درج مكتبه كي ينفذ الخدمة الواجب أداؤها لصالح عامة المواطنين.. لا عجب أن يرصد مؤلفنا الأسماء والنعوت المختلفة التي أطلقوها على هذه الرشاوي الصغيرة..
في كينيا يسمونها «الشاي» وفي غرب إفريقيا يسمونها «داش» وفي الكونغو المتأثر باللغة الفرنسية تحمل اسم «بتي سوكر» أي حفنة قليلة من السكر (هل نضيف في بلادنا العربية لفظة «الحلاوة» كناية على هذا النوع من توافه الفساد؟).
الفضل للنفط
هل معنى ذلك أن البؤس القاتم والعوز الرهيب صار قدرا مقضيا.. مكتوبا على جبين إفريقيا؟ يجيب الكتاب (ص281) بالنفي.. موضحا خلال فترة ما بعد الاستقلال، وقد استغرقت الأمد الزمني بين منتصف الثمانينات إلى أواخر التسعينات.. سجلت 5 أقطار فقط من بلدان إفريقيا جنوبي الصحراء معدلات للنمو كانت مرتفعة بقدر يكفي أو يكاد يكفي لحياة أفضل من أجل الجيل الإفريقي القادم. كان منها 3 بلدان هي الكونغو ؟
برازافيل وأنجولا ورواندا خارجة لتوها من آتون حروب أهلية رهيبة.. لكنها استطاعت أن تواصل مسيرة النمو ؟ في حالة الكونغو وأنجولا بالذات وبوتيرة سريعة بفضل انتاج النفط.. الذي كان نعمة سابغة على اقتصاداتها بقدر ما كان بالضبط نقمة خطيرة هي التي سببت نفس هذه الحروب الأهلية، وأيضا بقدر ما أن هذه الثروات المتأتية من النفط أدى التركيز عليها أو الركون الكامل إلى عائداتها إلى اختناق سائر القطاعات المنتجة في تلك البلدان..
صحيح أن هذه العائدات أضفت لمسات لامعة على حياة تلك الأقطار الإفريقية لدرجة أثارت الإعجاب من جانب كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لكن الصحيح أيضا أن هذا اللمعان جاء على حساب سائر قطاعات الاقتصاد على صعيد كل منها.
أما بقية أقطار إفريقيا السوداء.. فقد عانت، ولعلها لا تزال تعاني، من تدهور نوعية الحياة وخاصة عندما يتحكم في مقاليد الأمور بارونات الحرب ومهربو الأسلحة والشركات الأجنبية المتعددة الجنسيات والاحتكارات الدولية المتحكمة في الخامات والمواد الأولية التي تمثل عصب الحياة ومحور الاقتصاد في غالبية هذه الدول.
بارونات الحروب
زاد الأوضاع تفاقما أن بارونات الحرب الأهلية المتربحين من إشعالها فرضوا سطوتهم ؟ بقوة السلاح غير الشرعي - على بعض من تلك الخامات. وفي سيراليون مثلا أصبح الماس هو المعدن الكريم النفيس الذي تنتجه مناجمها مادة لتبادل أنواع الأسلحة والذخائر وسائر أدوات الدمار لدرجة أن أصبح يحمل اسم «الماس الدموي».
وفيما أمعن بارونات الحروب في مراكمة ثرواتهم بفعل ما كانت قواتهم وميليشياتهم تقترفه من أعمال السلب والنهب وتجنيد الأطفال والاغتصاب الجماعي للنساء.. فقد كان يرضيهم ولاشك أن تشيع جرائمهم هذه.. فإذا بالضمير العالمي يستيقظ وإذا بوكالات منظومة الأمم المتحدة تصمم على تنفيذ مخططات التدخل الإنساني لصالح جموع المنكوبين والمشردين واللاجئين من شعوب إفريقيا..
وفي غمار تلك الظروف يوضح المؤلف (ص283) أبعاد الصورة في عبارات تقول: كان هؤلاء المتمردون يعيشون على أعمال السلب والاغتصاب.. وكم كانوا سعداء إذ يتركون مهام رعاية شعوبهم وسائر الواجبات المنوطة بالدولة التي يتحكمون في مقاليدها ؟
لكي تنهض بها وكالات الأمم المتحدة وسائر المنظمات الخيرية غير الحكومية.. وماداموا قادرين على توفير الطعام والمأوى.. و.. النساء أيضا(!) لصالح محاربيهم، لم يكن لديهم أدنى اهتمام بمصالح الشعوب التي ينتمون إليها أو الدول التي يحملون جنسياتها.
ويواصل المؤلف هذا الحديث المؤسي حقا في السطور الأخيرة من هذا الفصل العاشر من كتابه يقول: وأيا كان الدافع نحو إشعال نيران الحرب، فقد بدا الأمر وكأن الغاية المقصودة أصلا كانت هي الحصول على الموارد الثمينة من الألماس أو الأخشاب أو موارد الثروات المعدنية..
هكذا بدا الأمر وكأن القوم في إفريقيا قد أشعلوا نيران حروب لا يخمد لها نيران.. وهو ما جلب ؟ كما يؤكد مؤلفنا ؟ على إفريقيا السوداء حالات من الانهيار والتداعي الاقتصادي والسياسي بل والأخلاقي على السواء.
إن إفريقيا حسب المؤلف هي القارة الميئوس منها.. أو: قارة بلا أمل. ومع ذلك، يختم المؤلف هذا الفصل العاشر من الكتاب بسطر واحد يقول فيه: كانت فترات سيئة، ولكن مهما كانت معاناة الشرور التي كابدتها إفريقيا، فلم يكن اليأس واحدا منها.
الطريف أن مؤلف كتابنا لا يتورع عن القول بأن مبالغ الرشاوى اليومية جاءت في إفريقيا أقرب ما يكون إلى نوع شخصي من ضريبة القيمة المضافة التي يسمونها في نظم الغرب باسم «فات»: قد تبعث على الضيق ولكن لا مفر من ممارستها ودفعها ما دامت الخدمات المطلوبة تؤدى.. إلى أن يقول المؤلف أيضا: هكذا أصبحت هذه «الضريبة المضافة» لا هي منافية للأخلاق ولا حتى مخالفة للقانون!
أصبحت اليوم أمرا مألوفا في كل أنحاء إفريقيا (السوداء).. لدرجة أن أضحت ممارستها محتومة بعد أن هبطت قيمة العملات الوطنية إلى القاع وبات المستخدمون المدنيون يتقاضون مرتبات لا يجاوز معدلها اليومي ثمن رغيف من الخبز.. فما بالك؟
عدد الصفحات 577
الناشر: بابلك افيرز، نيويورك ـ 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي



