انهمكت واشنطن، مؤخراً، بالحديث عما يتعين على الحكومة الأميركية أن تفعله بشأن اليمن. هل يتعين عليها منح حكومة صنعاء المزيد من المساعدات العسكرية؟ وهل يجب البدء بتقديم برنامج من المساعدات الاقتصادية واسعة النطاق؟ وهل ينبغي المساعدة في تطبيق برنامج لإزالة التطرف أم تعزيز القوات الخاصة اليمنية؟

اليمن دولة ضعيفة وفقيرة، بينما الولايات المتحدة دولة قوية وغنية، ومن خلال الرزمة الملائمة من المساعدات، يفترض معظم المسؤولين الأميركيين أنه يمكن للجانبين العمل معاً لتحقيق أهداف مشتركة. غير أن الواقع العملي يبدو مغايراً تماماً، وفوضوياً بصورة أكبر. ومن المنظور اليمني، فإن التهديد العام يبدو محدوداً، ولا يشكل خطراً حقيقياً. ويرى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، الذي يتربع على سدة الحكم منذ أمد طويل ويمسك بزمام السلطة بقوة، أن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية يُعتبر مسألة من الدرجة الثالثة، يعدها أقل إثارة للقلق من التمردات الساخنة جداً في شمال البلاد وجنوبها، ومن دخل النفط الآخذ بالتضاؤل بسرعة كبيرة، ومن انخفاض منسوب المياه الجوفية، ومن البطالة الهائلة المتفشية بين أبناء الشعب اليمني.

وفي الواقع، يعتبر كثير من المسؤولين في القيادة اليمنية أن أتباع القاعدة الذين يتراوح عددهم بين 200 و 300 فرد، يجب أن يعتبروا فرصة سانحة أقل من اعتبارهم تهديداً، فزيادة الالتزام الأميركي تجاه بلادهم ستصب في مصلحتهم وتضخ الأسلحة لبلادهم، وتزيد تدريب قواتهم، ويمكن توظيف ذلك ضد سلسلة واسعة من التهديدات التي تواجهها صنعاء، والتي لا علاقة لها بالقاعدة. ويؤدي تدفق الأموال إلى إيجاد الفرص، ليس بالتعاقدات والمقاولات فحسب، ولكن أيضاً في مجالات أخرى قد لا تكون مشروعة بالضرورة. وليست هذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها الحكومة اليمنية تحويل المعاناة والضائقات إلى فرص لا تعوض. وبدلاً من أن تحاول إخماد ما تعتبره واشنطن تطرفاً في البلاد، حاولت القيادة اليمنية التركيز على مكافحة التمرد في الشمال.

ولدى اليمن قدر كبير وكامل من المشكلات المنوعة، وبرغم أن بعضها غير مستعص على الحل على المدى الطويل، إلا أنها كلها غير قابلة للحل على المدى القصير. من هنا فإنه يتعين على دول الجوار المساهمة بقدر كبير في رفع المعاناة عن الشعب اليمني، لأن الشعور الأميركي تجاه هذا الصراع وغيره من الصراعات، يتطلب من واشنطن التصرف على وجه السرعة في أية مشكلة تواجهها والمضي قدماً في إيجاد الحلول الملائمة لها دون تردد. وهناك كثير من الدول التي تعاني من القلاقل، والتحديات الكثيرة جداً التي بدأت تطفو على السطح، وتحتاج واشنطن بعقليتها المفردة لتكريس عشرات السنين لتخفيف المعاناة وتنمية أي من دول ما بعد الحرب الباردة.

والتحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة في اليمن لا يتمثل بالتصرف والإقدام على بعض الأفعال غير المجدية التي لا طائل منها، ولكن عوضاً عن ذلك تركز على أداء الأفعال التي لها نتائج مرجوة. ودول الجوار مؤهلة أكثر من غيرها بالتعاون مع السياسات اليمنية بمهارة منقطعة النظير، فهي تتفهم السياسات العشائرية، وتستطيع التعامل معها بدلاً من أن تلتف حولها، لا بل يمكنها بسهولة كبيرة فرض سياستها بالقوة، أو استمالة تلك العشائر بطرقها الخاصة، خاصة تلك التي تحمي القاعدة.

ولا تستطيع دولة واحدة من دول الجوار، القيام بهذا الدور بمفردها، بل يجب أن يكون التعاون جماعياً، نظراً للمصالح وصلات القربى والتاريخ المشترك بين صنعاء وجاراتها، كما أنه لا يمكن اتهام دول الجوار كافة بالعمالة لدول أجنبية لا تتحمس لها العشائر، لو قامت جماعياً بحل مشكلات اليمن. ونظراً لأن واشنطن تواجه وضعاً اقتصادياً صعباً فيتعين على الدول الشقيقة أن تبادر بمساعدة اليمن مادياً ومعنوياً.

والدور الفعّال الذي يمكن للولايات المتحدة أن تفعله في هذا المجال هو المساعدة في زيادة اهتمام القيادات العربية في دول الجوار بمسألة اليمن وإقناعها بالتدخل لحلها بصورة مشتركة، وكذلك تنسيق الحلول ومراقبة ردود الفعل وتطويعها.

ويتعين إعادة مناقشة جداول الأعمال المدرجة على القائمة الأميركية، وعقد الاجتماعات المتتالية على مستوى القمة بين الولايات المتحدة والعواصم العربية التي تربطها بها تحالفات وعلاقات وثيقة. وأي دور بطولي تقوم به الإدارة الأميركية بمفردها سوف يحول اليمن إلى مشكلة درامية مستعصية على الحل، وسيحول هذه الدراما إلى مهزلة، وربما إلى مأساة كبيرة.

تغيرات جذرية

الدكتور جون ألترمان هو كاتب أميركي عمل مديراً لبرنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، كما شغل منصب مساعد نائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط.

وفي محاضرة ألقاها في المركز الوطني في واشنطن مؤخراً تحت عنوان «السياسة الأميركية في العالم العربي لمرحلة ما بعد جورج بوش»، لم يستبعد الدكتور ألترمان حدوث تغيرات جذرية في السياسة الأميركية باتجاه العالم العربي في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.

كما ترغب في ذلك شعوب المنطقة. وقال إن الرئيس باراك أوباما سيواصل تعامله مع قضايا الشرق الأوسط بطيبة أكبر، وستكون له رغبة ملحة لإثبات حضوره في هذه المنطقة، لكن ذلك لا يعني أنه سيوجد تحولاً كبيراً في السياسة الأميركية في المنطقة.

بقلم ـ جون ألترمان

ترجمة: عمر حرزالله