رغم الجهد الكبير الذي قام به رئيس جهاز الأمن السابق، صلاح عبدالله قوش منذ قيام حكومة الوحدة الوطنية لإزالة الصورة المرعبة للجهاز بفتح فُرجة للتواصل مع الجمهور والانفتاح على معارضي النظام، إلا أن ثمة ممارسات للجهاز كان فيها تجاوز كبير للدستور مثل الرقابة القبلية على الصحف، واعتقال بعض الصحفيين والسياسيين، كدرت تلك الصورة.

هذه المخاوف لن تزيلها عمليات العلاقات العامة لأن الأمن حالة موضوعية كما هو حالة نفسية: الموضوعي يتمثل في القوانين والمؤسسات والسياسات، والنفسي ينعكس في ثقة المواطن في استقلالية وعدالة الجهاز. فأمن الوطن لا يتعزز إلا بشعور مواطنيه بالأمن، كما لا يستدام أمن الدولة إلا بإحساس الفرد الذي ترعاه بان تلك الدولة هي دولته، لا دولة حزب بعينه.

فما الخوف إلا ما تخوفه الفتى

ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا

هذه هي الأمور التي يجب أن يتجه إلى النقاش حولها المتحاورون بدلاً من الحذلقات الفقهية العنيدة من جانب من تصدوا للأمر وهم بذلك يرغمون أنفسهم على فعل لم يطلب منهم، وإرغام النفس هوان.

الحالة الثالثة الإعلام الرسمي

من بين ما وجه به القرار الرئاسي (341) أن يعكس الإعلام الرسمي في برامجه، خاصة الراديو والتلفزيون، الأجندة الوطنية حول السلام والديمقراطية. وفي وطن اتخذ الديمقراطية التعددية منهجاً في الحكم لا معدي عن أن يكون الإعلام الرسمي ملكاً لكل مواطنيه. هذا هو جوهر ما قالت به اتفاقية السلام الدائم ونص عليه دستور السودان الانتقالي حول احترام التعددية السياسية وتمكينها من التعبير عن نفسها.

الإعلام الرسمي ينبغي أيضاً أن يكون هو اللسان المعبر عن ثقافات السودان بكل تنوعها، حتى يصبح لما نص عليه الدستور معنى عندما قال: «السودان وطن جامع الأديان والثقافات فيه مصدر قوة وتوافق وإلهام» (المادة 1 (3)) أو قال: «تعترف الدولة بالتنوع الثقافي في السودان وتشجع الثقافات المتعددة على الازدهار المنسجم والتعبير عن نفسها عبر وسائط الإعلام والتعليم» (المادة 13 (4)).

لذلك، عندما ينضاف إلى ما أوجبه الدستور توجيهاً رئاسياً يصبح تغافل تلك التوجيهات أمراً ذا خطر يستوجب المساءلة.

هذا التغافل أصبح تحدياً مقصوداً عين عَمد للحركة الشعبية: الحزب الشريك، بل وتجاه رئيسها، النائب الأول لرئيس الجمهورية. نومئ هنا إلى حالتين: الأولى هي تهيئة المنابر لواحد من قدامى ميليشيات الحرب في الجنوب (جبراييل تينق) الذي ورد ذكره في المقال السادس (6) وأيضاً للمنشقين عن الحركة الشعبية ليُلحق كلاهما السوء بتلك الحركة، لا ليبشرا برأي أو يدعو لفكرة.

هذه الأجهزة لم توفر، كما قلنا من قبل، منفذاً صغيراً لأي سياسي مناوئ، مهما علا شأنه، كي يعرض على الناس أفكاره ورؤاه حول السلام والديمقراطية. الحالة الثانية، والتي تمثل قمة الاستهانة، هي قرار تلك الأجهزة مصادرة خطاب النائب الأول لرئيس الجمهورية في مؤتمر عموم الأحزاب.

وبصرف النظر عن المكانة الرسمية لصاحب الخطاب تعاملت أجهزة الإعلام الرسمي مع ذلك الخطاب الذي نقل بحذافيره عبر كل القنوات العربية وكأنه ليس بخبر، مما يعكس قصوراً فنياً لا يشرف جهاز إعلام، وخطأ سياسياً لا يقدم عليه من يدرك النواهي. في نفس الوقت سُخِرت نفس القناة بعد إسبوع واحد من مصادرتها خطاب النائب الأول لرئيس الجمهورية إذاعة كل مداولات المؤتمر الوطني، وليس فقط خطاب الرئيس. مع ذلك يتساءل المتسائلون: «سلفا مالو زعلان!»

ولكيلا نظلم أجهزة الإعلام المرئي نقول ان أجهزة إعلامية رسمية أخرى حذت حذوها النعل بالنعل. فإلى جانب تسخير وكالة سونا كنافذة يطل منها الخارجون على الحركة من رفاقها القدامى على الجمهور كلما عَنَّ لهم عقد مؤتمر صحفي لذم الحركة وقيادتها، واظبت وكالة أخرى أسميناها وكالة دس السم في الدسم (الرأي العام 12/12/2006) على إشاعة التلافيق.

تلك الوكالة أصبحت صورة بدائية لوزارة الحقيقة عند جورج أورويل. ولئن كانت «وزارة الحقيقة» عند اورويل هي جهاز أراد به الأخ الأكبر، أي الحزب المهيمن، تصوير كل قيم الشرف والحرية كفِرية برجوازية، إلا أن وكالة دس السم في الدسم اختارت هدفاً لها افتعال المعاير والسعي بين الناس بالأكاذيب ثم نشرها في صحف لا يعنيها في كثير او قليل التثبت مما تنشر لأن الأخبار المزعومة هي إعلانات مدفوعة الثمن مقدماً.

هذا النوع من المؤسسات الإعلامية التي ما أريد من إنشائها إلا إشاعة الأكاذيب لا تشرف أي حزب، ولا تحمد لأي حكومة، إن كان من ورائها حكومة. ولئن تذهب تلك الوكالة في (12/12/2006) إلى نشر تصريح لرجل مطلوب للعدالة (جبرائيل تينق) يقول فيه: «كنت في الجنوب عشرين سنة فلماذا لم يقبض على سلفا، دون وعي منها بالفرق بين الحالتين يحق لنا التساؤل عمن هم الواقفون وراء تلك الوكالة»، خاصة إن كان «سلفا» المذكور أعلاه هو النائب الأول لرئيس الجمهورية.

الحالة الرابعة القضاء

نعم القضاء الذي أعيا أمره الشكاة، حتى كادوا يتجاوزون مرحلة اليأس منه. الواجب الأول للقضاء هو صيانة الدستور وإرساء سيادة حكم القانون. ليس للقضاء سبيل إلى ذلك إلا ان تمتع في كل مستوياته، خاصة العليا منه، بخصلتين: الأولى هي النزاهة والمصداقية والتجرد وتطبيق القانون «دون تدخل أو خشية أو محاباة»، والثانية: الالتزام بحاكمية الدستور، وليس أي قانون آخر.

ولئن حرصت الحركة منذ ماشاكوس على تأكيد حاكمية الدستور فلم يكن ذلك الإصرار عبثاً أو لهواً، بل جاء لإدراكها أن في مدونة القوانين السودانية تشريعات لا تتفق مع جوهر الاتفاقية، لا سيما وثيقة الحقوق.

بموجب ذلك، نصت الاتفاقية كما نص الدستور على ما يلي: «الدستور القومي الانتقالي هو القانون الأعلى للبلاد ويتوافق معه الدستور الانتقالي لجنوب السودان ودساتير الولايات وجميع القوانين». هذا النص لا يحتاج إلى ابتعاث القضاة لمعهد للتعليم الإضافي حتى يكتنهوا معناه.

وعلى كل، يعني عدم إعمال هذا النص واحداً من شيئين: أما أن القضاة الذين انحازوا في أحكامهم إلى القوانين القائمة رغم عدم ملاءمتها للدستور لم يستبطنوا جوهر المادة المتعلقة بحاكمية الدستور، وفي هذا قصور فني.

أو أنهم تجاوزوه قصداً، وفي هذا قصور من نوع آخر نعيذ منه القضاء. هذا مقام مناسب نستحضر فيه الندوة المهمة التي دعى لها رئيس القضاء للتداول حول القضاء السوداني في ظل اتفاقية السلام والدستور الانتقالي (18 فبراير 2006م). وجه لنا رئيس القضاء مشكوراً الدعوة للمشاركة في تلك الندوة وكان لنا بضع آراء عن كيف تعاد هيكلة القضاء إذ لا يمكن له أن يبقى على الوجه الذي كان عليه من قبل الاتفاقية، خاصة بعد إقرار لا مركزية الحكم.

فبقاء القضاء على ذلك الوجه يجعل منه جسماً مترهلاً، دون مدعاة أو جدوى. لهذا ارتأينا تضمين تلك المحاضرة في هذه المقالات، أو بالأحرى تضمين الأجزاء منها التي تتعلق بدواعي شكوكنا في القضاء منذ التفاوض.

مهما يكن من شيء، فإن من أهم ما ورد من مداخلات خلال تلك المحاضرة، مداخلة قاضي المحكمة العليا تاج السر محمد حامد التي قال فيها: «كيف تتحدث عن استقلال القضاء في الوقت الذي قضاة منسوبون إلى الأمن حتى في المحكمة العليا». لو كنت في موقع رئيس القضاء لرأيت في ذلك القول من قاضٍ مسؤول صفعة قاسية على وجه القضاء ولقلت لنفسي: «هذا حديث لا يجوز للمرء أن يعود لداره إلا بعد التحقق من أمره».

ثم جاء تقرير لجنة الاتحاد الأفريقي حول دارفور (تقرير امبيكي) في التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي ليقذف بحجر آخر على قضائنا إذ كان من بين استنتاجاته أن «الثقة في القضاء السوداني قد تقلصت».

ثالثة الأثافي كانت هي قرار المحكمة الدستورية بإباحة الرقابة القبلية على الصحف رغم كل ما نص عليه الدستور من حماية للحقوق الأساسية، وألزم المحكمة الدستورية بصيانة تلك الحقوق مع تأكيده على وجوب أن تكون القوانين التي تنظم ممارسة الحقوق، وبخاصة حرية الصحافة والإعلام «وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي» (المادة 39 (2)).

تلك الرخصة القانونية لانتهاك حرية أساسية رفضها رئيس جهاز الأمن محمد عطا المولى عندما قال ما معناه أن جهاز الأمن، رغم الرخصة التي منحتها المحكمة الدستورية للجهاز، لن يُجري أي رقابة قبلية على الصحف، ويا لتلك من معابة في حق القضاء.

إن كان للقِدر اثفية رابعة، لقلنا أن رابعة الأثافي هي أن تلك المحكمة، حتى الآن، لم تنتصر في أي حكم من أحكامها للدستور. فكلما طرق بابها طارق يطالب بأعمال الدستور لإحقاق حق ضيعته القوانين، كان الانتصار للقوانين.

الناس لا تريد من القضاء شيئاً غير السوية والنصفة ولا يكون ذلك إلا بتوخي العدل في الأحكام، وإمعان النظر في القضايا، والاستهداء الأمين بالسوابق القانونية، حتى يصبح حكم القضاء هو عين الحقيقة. ومنذ عهد فلاسفة اليونان كان العدل واحداً من الفضائل الأربع: الحكمة، الشجاعة، العفة، والعدل، بل ان أحد هؤلاء الفلاسفة (أرسطو) أضاف أن العدالة هي مركز النظام في أي مجتمع.

أو ليست هذه هي جماع الصفات التي يتطلبها دستورنا من قضاتنا؟ ثم، أوليس هذا هو الذي حضنا عليه ديننا حتى نحو من نبغض: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، أعدلوا هو أقرب للتقوى».

الحالة الخامسة استهداف النساء

عند تناولنا لحقوق غير المسلمين في العاصمة القومية أشرنا إلى استهداف النساء بوجه خاص من جانب شرطة أمن المجتمع بدعوى تطهير المجتمع من الفساد. ما هو المجتمع؟ وما هو الفساد؟ المجتمع كائن وهمي تصطنعه العناصر المكونة له وهي عناصر يتسيدها الذكور في السودان.

لقد ظلت المرأة في السودان ضحية لحصار اجتماعي كاد أن يطحنها طحناً ويصادر أحلامها. مع ذلك لم تنخذل المرأة السودانية، ففي خلال العقود الثلاثة الماضيات برعت المرأة وأجادت في ميادين العمل العام: السياسة، الأدب، الصحافة، التعليم، الطب، الفنون التشكيلية وكانت كُفأً نظيراً للرجل في كل هذه الميادين.

لذلك، حان الوقت لكيما يكف الذين لا يرون في النساء غير عجماوات يفتحلهن الرجال عن هذا الاستحقار لأمهاتهن وأخواتهن وزوجاتهن، فالمراة هي كل هؤلاء. كما أن اقتصار الفساد فيما ترتدي المرأة وما تعتمر، أي ما تضع على رأسها من غطاء، يوحي أن المجتمع الخرطومي كله نساء، أو ربما يوحي بأن المرأة الخرطومية هي مبعث كل الشرور الاجتماعية.

ونخص الخرطوم بالذكر لأن بدعة مطاردة النساء هذه لا تجدها في بورتسودان ولا الأبيض ولا عطبره. أياً كان الأمر، انكب حراس الضمير المجتمعي في هذه المدينة المغلوبة على أمرها، وفق معايير لا تصدر من نفس سوية، على إصدار الأحكام على من هو العفيف ومن هو أسير الشهوات، ومن هو الفسيد ومن هو المستقيم، ومن هو المعطوب خلقياً ومن هو السليم من أي عطب خلقي.

مهمة تحديد ما هو العمل المجافي للأخلاق تُركت لرجال شرطة النظام العام دون تبصير لهم بما هو حلال وما هو حرام، ودون رقابة محكمة على أدائهم بحيث لا تقود عملية تطهير المجتمع المزعومة إلى فساد أكثر قبحاً. وحسب ما نشرت بعض الصحف هناك 000 .43 بلاغ رُفعت في عام 2008م تتعلق بالإخلال بالنظام العام، طال أغلبها النساء.

وأدين منهن بضع آلاف أمام محاكم النظام العام، والتي تكاد تكون محاكم إيجازية مما يتنافى مع مبادئ راسخة في الدستور مثل المحاكمة العادلة (المادة 43)، واحترام الخصوصية (المادة 33) والمساواة أمام القانون (المادة 13). أولا يثير الدهشة أن لا تشمل عشرات الآلاف من القضايا المتعلقة بطهارة المجتمع قضية واحدة تتعلق بالفساد الاقتصادي في بلد ينص دستوره على ضمان الطهارة في الحياة العامة .

ويُدرِج تحت تلك المادة الفساد الاقتصادي وإساءة استخدام السلطة التقديرية (المادة 16)، أوفي ولاية يقول مجلسها التشريعي أن نسبة الفقر فيها تتجاوز 70% (تقرير رئيس لجنة التعليم والصحة بمجلس تشريعي ولاية الخرطوم، 21 ديسمبر 2009م).

إزاء كل هذا نتساءل إن كان المراد من ممارسات أجهزة تنفيذ القانون والمحاكم هو الطهارة في الحياة العامة، أم زرع الخوف في النفوس حتى يسكن الناس للخوف ويستأنسوا بالضيم

قد تعيش النفوس في الضيم

حتى لترى الضيم أنها لا تضام

في سبيل تلك الغاية «النبيلة» فلتُكسر نفوس النساء، فبكسرها ورضى الرجال بذلك، تنكسر نفوسهم أجمعين. من هو هذا العبقري الذي يريد لنفوس مواطنيه، رجالاً كانوا أو نساءً، أن تنكسر حتى يُحمل الواحد منهم لإخفاء لسانه في جيبه والتزام السير جزعاً إلى جانب الحيطان. النفوس ليست مثل العظام يُعالج كَسرَها جراح ماهر، بل إن كسرها لا ينجب إلا شعباً فَروقاً شديد الفزع. ليت هذا العبقري أدرك أن الحرية وحدها هي منبع الفضيلة والعفة والاستقامة.

حرية الصحافة

العجب العاجب أن المحكمة الدستورية ذهبت في حكمها المعيب حول إباحة الرقابة القبلية على الصحف إلى الاستدلال بقرارات المحكمة العليا في الولايات المتحدة. فات عليها أن تلك المحكمة لم تنتصر في أي حكم من أحكامها لقرار إداري ينتقص من التعديل الأول للدستور (ئيَُّّْ ءٍمَلٍمَُّ) وهو التعديل الذي يتعلق بحماية حرية التعبير ويحظر على الكونغرس وعلى الأجهزة التشريعية بالولايات إصدار أي قانون ينتقص من تلك الحرية.

مثلاً، في قضية مفصلية: الإتحاد القومي لترقية الملونين )NAACP) (National Association for the Advancement of Colored People) ضد ولاية اوباما (1958م)، أدخلت المحكمة في باب حرية التعبير حرية التجمع أيضاً باعتبار أن الغرض من التجمع هو التعبير عن رأي سياسي في قضية عامة. أما حول حرية الصحافة فتظل القضية الكبرى التي ابتنيت عليها كل الأحكام التي أصدرتها المحاكم الأميركية حولها، فيما بعد، هي قضية أوراق البنتاغون (Pentagon papaeَّْ).

ذلك الحكم أيده ست من قضاة المحكمة التسع. أوراق البنتاغون هي مذكرات سرية للغاية حول العلاقة بين الولايات المتحدة وفيتنام في الفترة 1945 ـ 1967 أعدتها وزارة الدفاع بناء على طلب وزيرها روبرت ماكنمارا. تلك المذكرات كشفت عن توسيع الإدارة لنطاق الحرب إلى مناطق أخرى مثل كمبوديا ولاوس دون موافقة الكونغرس.

كما كشفت أيضاً عن خداع الرؤساء من ترومان إلى نكسون للشعب حول مسيرة ونطاق تلك الحرب. قام بسرقة هذه الوثائق احد الموظفين: دانيال ايليسيرج ودفع بها لجريدة نيويورك تايمز التي بدأت في نشرها في 31/6/1971م مما دفع وزارة الدفاع لمقاضاة اليسبرج ومطالبة المحكمة بإيقاف النشر.

وعند حكمها اقرت المحكمة مقاضاة اليسبرج إلا أنها رفضت إيقاف النشر لما فيه من إخلال بحق الصحيفة في النشر والتعبير بموجب التعديل الاول للدستور. أتخذت المحكمة ذلك القرار رغم أن المعلومات التي نشرتها الصحيفة كشفت للناس أمورا تمس كرامة الدولة، بما في ذلك الرؤساء، وتُجلي على الناس حقائق تحرص الكثير من الدول، خاصة تلك التي لا تثق في شعوبها أو تحترمهم، على أن تبقى في طي الكتمان.

بدلاً من الاستهداء بتلك القضية وبغيرها مما أصدرته المحكمة العليا لإعلاء حق الصحافة الدستوري في التعبير ذهبت محكمتنا الدستورية الموقرة للاستدلال بقضايا غير ذات بال وكأنها كانت تبحث، دون مدعاة للبحث، عن قشة ترتكز عليها لتقول للناس أن للافتئات على حرية التعبير نظائر في الدول الديمقراطية.

في المقال السابق تعرضنا للتخليط الذي اندفع إليه بعض المُلبسين بلا حذق أو مهارة في موضوع ملاءمة القوانين للدستور، ومنها قانون الأمن الوطني. أضفنا أن الذي يبعث على الريبة في هذه القوانين أو مشروعات القوانين ليس هو النصوص في حد ذاتها، وإنما الخشية من استغلالها للافتئات على أهم المكاسب التي حققها الدستور للمواطن: وثيقة الحقوق.

ثم أنتهينا من بعد إلى أن هناك ثمة عوامل نفسية تثير الفزع في النفوس من منح أي سلطات استثنائية لأجهزة بعينها مثل جهاز الأمن القومي، فلماذا التخوف؟

وراء التخوف عاملان، الأول منهما ذو صلة بالعاملين السابقين، أي إلزام الدولة بما نص عليه الدستور من ضوابط للإجراءات الاضطرارية.

فإن كانت هذه الضوابط ضرورية في حالات الاعتقال في الظروف العادية، فما بالك بالظروف الاستثنائية. يُضاعف من تلك المخاوف الإشارات التي تقول بأن لابد من أن يكون لجهاز الأمن أنياب وأظافر، فآخر ما يتوقعه المواطن، وبالتالي الوطن، من الجهاز الذي يحميه هو العض والخربشة.

أما العامل الثاني فهو عامل نفسي. فمن أهم الأسباب التي تُفزِع الكثيرين من منح سلطات استثنائية لجهاز الأمن هي أولاً شبهة الانتماء الحزبي للجهاز، وثانياً الممارسات السابقة التي نسبت إليه بالحق أو الباطل. على رأس تلك الممارسات تعذيب المعارضين للنظام، وهو تعذيب لا يزال أغلب ضحاياه أحياءً ومنهم سياسيون وأكاديميون مرموقون.

إن أخطر أدوات الحكم في أي دولة هي أجهزة العنف الرسمي المُشَرعَن. (legalized official violence). لهذا تُخضع هذه الأجهزة دوماً لرقابة عامة (Public oversight) عبر الجهاز التشريعي، كما تحرص تلك الأجهزة، من جانبها، على النأي بنفسها عن أي تدخل سياسي حزبي في أدائها لمهامها.

مثل هذا التدخل، إن سمح به، يعني خصخصة العنف الرسمي، أي انتقاله من يد السلطة العامة الخاضعة للرقابة الشعبية المؤسسية إلى احتكاره، أو على الأقل إخضاعه، لسلطان حزب، أو في الغالب اوليغاركية داخل ذلك الحزب. هذه الظاهرة: ظاهرة حزبية الجهاز وعدم خضوعه للرقابة العامة الشفافة هي التي أرعبت معارضي النظام في الماضي.

كما كانت أيضاً محل نقد من بعض المنتسبين لحزب المؤتمر لما رأوه فيها، ليس فقط من خروج على القيم الديمقراطية المتعارفة، وإنما أيضا من دحض لكل دعاوى الحركة الإسلامية بأنها قادرة على تقديم نموذج مثالي للحكم. من هؤلاء عبد الوهاب الأفندي الذي لم تخنه شجاعته عندما أصدر كتابه الثورة والإصلاح السياسي في السودان 1995م، وظل يلاحق الموضوع في مقالات محكمة أرصنها.