EMTC

كتاب ـ أفريقيا.. الأسرار والمعجزات ـ الحلقة (4)

الصراعات العرقية.. مذابح ودماء تغرق فرص التنمية

صورة

هذه الحلقة تعرض للسنغال ذات الأغلبية المسلمة مع التركيز على مؤسس طريقة الصوفية هناك أحمدو مامبا الذي تسامع مريدوه بكراماته بوصفه من أقطاب طريق العارفين. تراث هذا القطب حفل بالتعاليم التي دفعت أتباعه إلى عبادة الله وحب العمل وحسن التعامل مع الناس وهو ما أدى إلى نجاحهم في مضمار التجارة.

وتعرض الحلقة أيضا إلى مواريث الاستعمار البرتغالي في أنغولا ومنها وجود عناصر المولدّين من حالات التزاوج بين مواطنيها ومستعمريها حيث يصل الأمر إلى ازدواج الولاءات، فيما تعرض لميراث الاستعمار الألماني في روانداالذي أدى إلى صراعات دموية بين التوتسي والهوتو ومصرع مليون. وينتقل المؤلف بين دول أفريقية طالما تسامع العالم بأخبارها سواء بالإعجاب حين كانت تخوض حربها التحريرية (أنغولا نموذجا) أو بالأسف والصدمة حين تحولت مياه أنهارها إلى لون الدم بفعل مذابح (رواندا ؟ بوروندي) أو بفعل ما شهدته وكابدته من حروب أهلية راح ضحيتها الآلاف ولم يتورع قادتها لا عن تجنيد الأطفال ولا عن نهب الثروات الوطنية (سيراليون نموذجا).

في أنغولا يلاحظ المؤلف في زيارة قام بها مطلع عقد الثمانينات.. أن عاصمة البلاد لواندا كانت تضم النخبة من الساسة الحاكمين والمثقفين وأعضاء حركات التحرير التي سبق وأن تصدرت نضالات ذلك البلد الأفريقي ضد عقود طويلة من الاستعمار البرتغالي. هنالك لاحظ المؤلف أن معظم أفراد هذه النخبة كانوا يحملون أسماء برتغالية.. ولكن لاحظ أيضا أن كلا منهم كان يعمد إلى حمل اسم أفريقي وطني بعيد عما كان مسجلا بالبرتغالي في السجلات الرسمية التي كانت ترجع إلى حقبة الاستعمار. أصبح السيد «البروتو روبيرو» هو نفسه السيد «كابولا».

ورغم ذلك كانت مطاعم النخبة تقدم أصنافا برتغالية من الطعام وكانت صالاتها الأنيقة تزينها الزهور البلاستيكية وارد أوروبا.. فيما كان كبار المسؤولين الأفارقة في أنغولا يحرصون على ارتداء أكثر البدلات أناقة وأغلاها سعرا ولا ينسون الأزرار الذهبية في القمصان ولا تزيين المعاصم بأغلى الساعات المصنوعة خصيصا من الذهب النفيس! ويلاحظ المؤلف عمق التأثير السلبي الذي خلّفته الفترة الطويلة للاستعمار البرتغالي.. لقد طبع البرتغاليون بصماتهم الثقيلة على مجرى الحياة اليومية. وعلى مجالات الثقافة والسلوك في أنغولا..

خاصة وقد اتسم استعمارهم بطابع الاستيطان الذي حرم أهل البلاد الأصليين والشرعيين أيضا من أجود الأراضي.

أكثر من هذا: لقد خلفت عصور السطوة الامبريالية البرتغالية.. وغيرها.. فئات أو شرائح وربما طبقات من سكان تلك الأقطار الأفريقية كان علماء الأنثروبولوجيا السياسية والاجتماع يعرفونها باسم «المولاتو» أو هم «المولّدون» نتيجة حالات زواج بين الأوروبيين الوافدين مع موجات الاستعمار وبين البعض من أبناء البلاد.. هنا يشير المؤلف إلى أن هؤلاء «المولّدين» أو هم فئة النصف نصف.

كما قد نسميهم.. كانوا أقرب إلى الطبقة التي تتمتع بقدر ما من الحقوق والامتيازات.. تعلوهم بالطبع طبقة أو فئة السادة الاستعماريين من حكام أو مستوطنين.. وتدنو منهم طبقات الأفارقة الذين لم يتمتعوا بحقوق.. أي حقوق لا من قريب ولا من بعيد.

بهذا شهدت أفريقيا منذ الربع الأخير من القرن التاسع.. ومع السنوات الأولى من القرن العشرين.. تطورات ديموغرافية وطبقية وثقافية تمثلت بالذات في نمو طبقات وفئات تعيش على أرض القارة السوداء وبالطبع تقتات من خيراتها وتنعم بأفضل مواردها، ولكن يظل ولاؤها، إما مشدودا إلى أقطار بعيدة خارج أفريقيا ذاتها، أو يظل مزدوجا يميل إلى أفريقيا تارة ويجنح إلى أقطار وثقافات خارج حدودها تارات أخرى.

خلل التوازن

ربما يتجسد النموذج من هذا القبيل في بلدين أولهما سيراليون الذي وضعوا في مواقع الحكم فيه عناصر من العبيد السابقين الذين أعتقوهم في انجلترا.. إضافة إلى ليبريا التي أعادوا إليها ذرية من العبيد السابقين من أميركا.

يقول المؤلف: تمثل ليبريا نموذجا استثنائيا لاستيطان العبيد الذين تم تحريرهم من أميركا.. وحتى الآونة الأخيرة كانوا يعيشون بمعزل عن أهل البلاد الأصليين.. بل وكثيرا ما استخدموا هؤلاء الأصليين.. عبيدا!

وها هو دستور ليبريا الذي شهد مرحلة إنشاء الدولة في عام 1864 تقول سطوره بالنص ما يلي: نحن شعب جمهورية ليبريا: كنا في الأصل من ساكني الولايات المتحدة في أميركا الشمالية.. وبين وقت وآخر زاد عددنا بفعل الهجرة من أميركا وبسبب حالات الانضمام إلينا من جانب قبائل المتوطنة..

وقد قمنا بتوسيع حدودنا من خلال حيازة الأرض التي اشتريناها بنزاهة من أهل البلد الأصليين. على هذا النص الدستوري يعلق المؤلف في سطر واحد يقول فيه: هذه الوثيقة لا تمنح أي حقوق سياسية لمن تصفهم بأنهم «أهل البلاد الأصليين«.

في السياق نفسه يتوقف مؤلف الكتاب عند هذه الفئات شبه الأفريقية وشبه الأوروبية.. وقد نبتت جذورها تحت جناح الوجود والنفوذ الاستعماري. ويلاحظ تكاثف وجود هذه الفئات في مناطق السواحل من القارة وهذا أمر طبيعي باعتبار أن دواخل القارة.. أريافها وأدغالها إنما تسكنها قبائل أهل البلاد الأصليين.

لهذا يضيف قائلا: على طول تلك السواحل الأفريقية كنت تصادف هذه المجتمعات الجديدة المخلوطة التي أصبح أفرادها أقرب إلى الوسطاء الذين اختاروا حياة الانفصال عن سائر الأفارقة وأصبحوا يحترفون الوساطة التجارية بين أوروبا وأفريقيا.

وعندما زاد خلل التوازن بين هذه الفئات وبين شعوب تلك الأقطار، تعقدت النظرة إلى الوسطاء المنعزلين (والمتكبرين أيضا) كانوا أقرب إلى دود العّلّق الطفيلي الذي يتغذى على مصّ دماء العبيد والاستحواذ على موارد الذهب والمطاط وزيت النخيل. وفي مقابل ذلك كانوا يكتفون باستيراد السلع المصنعة من أوروبا.

وهكذا فلم يتح للأقطار الأفريقية أي فرص معقولة للتنمية أو التطور.. وكان الاستثناء الوحيد من ذلك هو حالتا مصر (في الشمال) وجنوب أفريقيا (الى الجنوب) ولا أتيح لتلك الأقطار أن تنشئ صناعات تحويلية تتولى تجهيز وتصنيع موادها الأولية ومن ثم تحقيق تنمية حقيقية..

وفي أغلب الأحوال.. كان هذا كله يتم بمعرفة قوى الاستعمار. وقد نطرح السؤال الحائر يقول: فماذا كانت إذن مهمة تلك الجماعات من أنصاف الأفارقة.. المولدين.. من سلالات العبيد الذين أعتقهم الاستعمار الإنجليزي أو الأميركاني وأعاد «شحنهم» إلى أفريقيا؟

يجيب المؤلف عن السؤال.. يقول:

كانوا وسطاء يتخذون مقارهم في مدن ومرافئ السواحل من أفريقيا.. ويكادون يقصرون تعاملهم مع الملوك ورؤساء القبائل المقيمين في دواخل تلك البلاد، ويعملون بالتالي وكلاء عن مصالح الشركات الأوروبية.

ولأن أفريقيا قارة شائعة.. ومساحات مترامية الأطراف.. ولأن هذه المساحات لم يجد معظمها بعد من يمعن في دراسة ولا رسم خرائطها ولا تحقيق تواريخها.. ولا التدقيق المبالي والحادب في أحوال سكانها..

فقد تروعنا انطباعات مؤلف هذا الكتاب.. مع سطور الفصل التاسع التي يبلورها في عبارات يصوغ بها وقائع جولته في التلال المحدقة بمدينة «بوجمبورا» عاصمة بوروندي.. الناس هناك قالوا لزائرهم الكاتب الإنجليزي: إن مذبحة رهيبة وقعت في هذه الأنحاء. أين.. بالضبط؟

هنا.. لا إجابة.. فلم يكن أحد يعرف، وربما لا يريد أن يحدد.. في أي موقع حدثت المذبحة ولا حجم خسائر الأرواح التي راحت ضحيتها. وكل ما ناله مؤلفنا من هذه الملابسات هو ما أصاب سائق سيارته ذات الدفع الرباعي من حالة هلع دفعت السائق إلى مواصلة القيادة بسرعة جنونية دون أن يصغي إلى تحذيرات الزائر الأوروبي فما بالك وقد سمع الزائر والسائق أن «الأشرار» يعيثون في أرجاء المنطقة فسادا، وأنهم هاجموا السيارات طيلة أسبوع مضى وذبحوا ركابها..

مرقت السيارة كالسهم وسط الأحراش.. فجأة لمح مؤلف كتابنا جماعة من أطفال بوروندي وهم يحملون الرماح والسهام.. اقتربت السيارة منهم وحدق راكبوها في ملامحهم.. لم يكونوا أطفالا ولكنهم كانوا جماعة من شعوب الأقزام في أفريقيا كانت في طريقها إلى رحلة صيد..

وحين مضت السيارة على مهاد الطريق لمح المؤلف أيضا جماعة مختلفة هذه المرة.. كانوا عمالا من الصين يرتدون بدلات الشغل الزرقاء ويعملون في دأب صامت.. ويقومون بأعمال التشييد وفي مقدمتها تعبيد الطريق.

كان مشهدا يتناقض تماما مع ما كانت عليه أحوال رواندا وبالذات في عام ,1994. حين اشتعلت نيران الصراع العرقي.. الدموي بين جماعات الهوتو والتوتسي.. وكان هذا الاشتعال بتدبير متواطئ من جانب المؤامرات السياسية على نحو ما يوضح المؤلف (ص224)..

وظلت حرائق هذا الصراع مشتعلة اللهيب إلى أن أودت بحياة ما تقدره الأوساط الدولية بنحو مليون من البشر. وقد يساورنا العجب تاريخ العلاقة بين جماعتي الهوتو والتوتسي. كانت علاقة يسودها حالة من الوئام والتعايش السلمي بينهما وذلك قبل أن يستولي الاستعماريون الألمان على مملكتي رواندا وبوروندي في القرن التاسع عشر.

والأغرب، أن هناك من لا يزال يلقي بتبعة تلك المذابح التي عانتها المنطقة على عاتق تلك القوى الإمبريالية. والمهم أن تلك التراجيديا الإنسانية أفضت رغم ثمنها الفادح إلى محاولة تخطي أبعاد تلك المأساة.

حيث أصبح تركيز الأوضاع الجديدة في المنطقة على مداواة الجراح وعلى إنزال القصاص العادل بمن تسبب في المذابح (يوجد في السجون أكثر من 100 ألف معتقل بانتظار المحاكمة).. فيما تتطلع الأجيال الجديدة إلى أمل في حياة ربما تكون أفضل أو أقل عنفا.. تحت شعار يحاولون العمل من أجله وهو: «رواندا الجديدة«..

زعيم المتصوفة المسلمين

بعد هذا يعمد مؤلفنا إلى نقلة واسعة،ربما ترتاح فيها نفس القارئ من حديث المجازر إلى حديث الروح والتصوف في السنغال. في الفصل العاشر.. حديث مفعم بالاحترام عن «أحمدو بامبا» الذي لايزال تاريخ الإسلام في ذلك البلد الإسلامي يتعامل مع سيرته بقدر لا يخفى من المحبة والإكبار.

في عام 1853 كان مولد الشيخ «أحمدو بامبا مباكي«.. وفي عام 1895 بدأ الناس يتحادثون عن كراماته بوصفه وليا متصوفا وشاعرا يبدع أناشيد الحب الإلهي ويبشر بالمحبة بين الناس..

هذا الزاهد الافريقي المسلم.. استقل قاربا بسيطا ليعبر النهر منفيا من السنغال إلى جارتها الغابون. تقول الحكايات.. الكرامات.. أن أحمدو بامبا مد خطواته وسط النهر وخطا من القارب.. انبسط أمامه بساط من حصير.. تطلع إلى السماء يحمد الله على نعمته ويدعو ربه أن يوفق خطاه..

ثم سار على صفحة الماء عائدا إلى أرض السنغال حيث أسس تجارة باركتها تعاليم الإسلام الحنيف. والذين يعملون في سلك هذه التجارة (العالمية) يحملون صفة «المريد» وهم أتباع أحمدو بامبا.

وينتشر المريديون في كل أنحاء المعمورة، ما بين باريس إلى لوس أنجليس (في أميركا)، ومن هونغ كونغ إلى ضفاف الخليج في شرقي جزيرة العرب.. وإذا صادفوك هنا أو هناك، فهم يعرضون عليك تجارتهم.. من الجواهر النفيسة أو الأحزمة أو الحقائب الجلدية الثمينة.

هؤلاء المريدين بعبارات موجزة يمتلكون القدر الوافر من سلعة تفتقر إليها كثيرا.. وهي: الثقة. ولم يكن الاستعمار الفرنسي في السنغال ليرتاح إلى تعاليم هذا الزعيم الصوفي الزاهد المسلم. من هنا قرر الفرنسيون إرساله إلى المنفى مرة إلى الغابون ومرة إلى موريتانيا. ولكن سخط الجماهير حمل الاستعمار الفرنسي على السماح له بالعودة..

فكانت عودته رسميا إلى السنغال منتصرا في عام 1907 وهناك قد يحدثك القوم بأنها كانت عودة مشى فيها الشيخ الجليل على صفحة الماء!

والقطب الأفريقي جليل حقا.. لماذا؟ لأن دعوته الصوفية لم تقم على أساس اعتزال الدنيا أو اتخاذ السلبية سلوكا في الحياة بل كانت دعوته تقوم على دعائم ثلاث هي: طاعة الله سبحانه، إتقان العمل، مسالمة الناس.

كان أحمدو بامبا السنغالي المتصوف يؤمن بأن الصلاة والطاعة والدرس والفقه ثم العمل والجهد أمور كفيلة بحماية الناس من الوقوع في غواية الفساد أو في الانجذاب إلى الثقافة والأعراف التي جاء بها المستعمرون الفرنسيون إلى أرض السنغال في غرب أفريقيا. لهذا كتب لدعوته القيّمة أن تنتشر في زوايا حفلت بها ارض السنغال.. وحين رحل إلى عالم البقاء في عام 1927 بلغ أتباعه 70 ألف مريد ولكن يقدر عددهم الآن بأكثر من 3 ملايين.

تأليف: ريتشارد داودن

عدد الصفحات 577

الناشر: بابلك افيرز، نيويورك ـ 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات