تقطن العشائر الكردية في شمال العراق في المناطق الشمالية الشرقية في زاخو، عقرة، دهوك، العمادية، وأخرى كردية جنوبية تقطن في لواء السلمانية، اربيل، كركوك، وسمي مجتمعهم ب«المجتمع الصغير».
وكان العثمانيون قد بسطوا نفوذهم على كل تلك المناطق الواقعة في شمال العراق، وعوملت عشائرها الكردية بالأساليب نفسها التي اتبعها العثمانيون مع العشائر العربية في الوسط والجنوب، فقد وجدوا أن قوة العشائر تكمن في قوة رؤسائها، لما يتمتع به هؤلاء من قوة ونفوذ كبيرين. وفي المقابل اتسمت العلاقة بين أكراد العراق والعثمانيين بالتمرد والتصادم، فقد طغى على الأكراد التمرد والعصيان والثورة الدائمة ضد السلطة العثمانية، ومن ذلك أنهم ظلوا ممتنعين عن دفع الضرائب والانضمام إلى الجيش العثماني، وكانت الذروة في الفترة ما بين 1878 و1880. وقد اتبع العثمانيون سياسة الفرقة من أجل السيطرة على العشائر الكردية، وضرب بعضها بالبعض الآخر، وجعلهم تحت قبضتهم، كما لجأ العثمانيون إلى إغراء بعض الأطراف بالمال، كي يلين ويلتزم الخضوع لنفوذهم. واستطاعوا من خلال هذه الأساليب إضعاف العشائر الكردية الكبيرة، مثل آل بابان في السليمانية والبهدينانية في العمادية والسيطرة عليها.
وفي الإطار ذاته شجع العثمانيون الزعامات الكردية الدينية، فأمدوها بالمال والنفوذ، وخصوا بذلك البرزانيين الذين بدأوا ينافسون الأسر الأخرى، وتمكنوا من شراء الأراضي والقرى ونشر نفوذهم الديني بالأموال التركية، وإمعانا في السيطرة تدخل العثمانيون في النزاعات بين العشائر الكردية، ومساندة طرف ضد آخر، فمثلا وقف الأتراك عام 1878 إلى جانب عشيرة الزنكنة أثناء نزاعها مع عشيرة الهماند، فقويت الأولى ضد الثانية، وفضلا عن ذلك عمد العثمانيون إلى تأليف فرق عسكرية من العشائر الكردية الموالية لهم سميت «الخيالة الحميدية» وأشركتها في حروبها، وساعدت هذه الفرق أيضا في ترجيح كفة بعض العشائر على أخرى. كما عمد العثمانيون إلى تمييز أكراد العراق عن غيرهم من أكراد المنطقة من خلال السماح لهم باستخدام اللغة الكردية، وإنشاء الصحف الخاصة بهم، وارتداء الزي الكردي، فامتلكوا حظوة لم يمتلكها غيرهم من أكراد تركيا أو سوريا أو إيران.
حلم الدولة الكردية
وبعد الحرب العالمية الأولى، التي كانت الدولة العثمانية طرفا خاسرا فيها، تقدم الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون بخطة تطوير تضمنت الحكم الذاتي لغير الأتراك في الإمبراطورية العثمانية، بمن فيهم الأكراد عام 1918 مما مهد لظهور «معاهدة التجزئة» عام 1920، والتي فرضها الحلفاء المنتصرون على الدولة العثمانية.
كان من بنود هذه المعاهدة إنشاء دولة كردية، إذا رغب الأكراد في ذلك، وهذا الأمر شجع الأكراد على تنفيذ تطلعاتهم المستقبلية نحو حق تقرير المصير. لكن الدولة التركية الحديثة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك عام 1923، تمكنت عبر التحالف مع بعض الزعماء العرب، والسياسيين البريطانيين الذين لا يحبذون قيام دولة كردية، من استبدال معاهدة الحلفاء عام 1920 بمعاهدة لوزان عام 1923، التي نصت في بنودها على عدم إنشاء دولة كردية.
وهذا التطور جعل الأكراد يشعرون بخيبة أمل في تأسيس دولتهم، حيث تم دمج الأكراد في الدول الحديثة النشوء في كل من تركيا والعراق وسوريا. لكن هذه الخيبة لم تنجح في إنهاء الحلم بإنشاء دولة كردية، بل انها أبقته يقظا في النفوس، ينتظر اللحظة التاريخية المناسبة، خاصة مع التطورات التي طرأت على المنطقة والتي تمثلت في استقلال العراق، وما جرى بعد الاستقلال من صراعات واضطرابات سياسية لعب فيها الجيش والأحزاب والقوى الخارجية أدوارا كبرى.
أزمة العام 68
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق في يوليو 1968، لعبت التغيرات السياسية والإقليمية دورا مهما في صالح الحلم الكردي، إذ استغل الأكراد بزعامة الملا مصطفى البارزاني حالة الصراع الداخلي والتربص الخارجي الذي قادته إيران ضد العراق، فاستفادوا من الدعم الإيراني لهم، وتمكنوا من امتلاك قوة قتالية كبدت القوات العراقية خسائر كبيرة.
وحسب تقارير مجلة نيو ميدل أيست البريطانية فإن الحرب العراقية ضد الأكراد كلفت ميزانية العراق في 1969 ما يقارب 30%. كما تدخل الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لصالح الأكراد، وأعلن أن الولايات المتحدة مصممة على دعم صديقتها إيران ضد العراق. مما أدى إلى خشية بغداد من تعاظم الدور الإيراني في المنطقة، فقامت بالتفاوض مع البارزاني.
وفي 11 مارس 1970، تم التوقيع على اتفاقية الحكم الذاتي للأكراد بين الحكومة العراقية والملا مصطفى البارزاني، وفيها اعترفت الحكومة بالحقوق القومية للأكراد، مع تقديم ضمانات لهم بالمشاركة في الحكومة العراقية، وكفلت لهم حق استخدام لغتهم القومية في المؤسسات التعليمية، وأصبحت اللغة الكردية لغة رسمية في العراق، وأدخلت في المناهج الدراسية، ومنح الأكراد سلطات محلية خاصة.
ولكن بقيت مشكلة كركوك معلقة، فلم يتم التوصل إلى حل حاسم بشأنها، وبقيت عالقة بانتظار نتائج الإحصاء السكاني لمعرفة نسبة القوميات المختلفة في كركوك.
وتم الاتفاق على إجراء الإحصاء عام 1977، إلا أن البارزاني استبق الأحداث وأعلن رسميا عام 1974 حق الأكراد في نفط كركوك وقرر ضمها إلى منطقة الحكم الذاتي، فاعتبرت الحكومة العراقية ذلك إصرارا على تعقيد الأمور، ورأت في ضم كركوك إعلان حرب ضد وحدة العراق، وقامت في مارس 1974 بإلغاء الحكم الذاتي من جانب واحد من دون موافقة الأكراد، الذين اعتبروا هذا الإجراء الجديد مخالفا لاتفاقية عام 1970.
في تلك الأثناء كانت بغداد تندفع بخطوات سريعة نحو موسكو، وكان الإسرائيليون يلحون على الأكراد بضرورة مصادمة القوات العراقية وجرها في صراعات عسكرية داخلية، بهدف تخفيف الضغط على جبهتهم مع سوريا.
وقامت واشنطن بعقد اجتماع سري بين قيادات كردية ووكالة المخابرات الأميركية لتنفيذ هذه الخطة، عبر تقديم مساعدات مالية وعسكرية إلى الأكراد عن طريق إيران. ومع استمرار الصدامات العسكرية وتوسع نطاقها اضطرت القيادة العراقية إلى توقيع اتفاقية الجزائر الخاصة بإعادة ترسيم الحدود بين العراق وإيران، بهدف منع طهران من مساعدة المتمردين الأكراد.
وكانت هذه الاتفاقية كفيلة بسحب دعم الشاه لحركة التمرد الكردي التي انهارت تماما بعد توقيع الاتفاق عام1975، وانتهى المطاف بالبارزاني إلى اللجوء للولايات المتحدة الأميركية، حيث توفي فيها عام 1979 في مستشفى جورج واشنطن.
حرب الخليج الثانية
وجاءت حرب الخليج الثانية 19901991 وخروج القوات العراقية من الكويت، فانفصلت كردستان عمليا عن سلطة بغداد مستفيدة من سياسة الأمر الواقع التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على العراق عبر منطقتي حظر الطيران في شمال وجنوب العراق، حيث الأكراد والشيعة، وهو ما أدى إلى زيادة تطلعات الأكراد نحو الانفصال وحق تقرير المصير، وتشكلت الحكومة الكردية الإقليمية الأولى في العام 1991.
وقد سيطر عليها أبرز حزبين سياسيين كرديين في العراق، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وتكون الإقليم من ثلاث محافظات من أصل 18 محافظة عراقية، هذه المحافظات هي: اربيل، دهوك، السليمانية. واغلب سكانها من الأكراد، وامتد ت المنطقة إلى حدود تركيا وإيران.
وفي العام 1992 أقر برلمان كردستان العراق وبالإجماع مبدأ الفيدرالية، وبغض النظر عن موقف العرب والتركمان والأقليات الأخرى الموجودة في العراق، كخطوة أولى لمنع سيطرة الحكومة المركزية على المحافظات الكردية.
وتطور الحكم الذاتي الكردي في أواخر عهد حكم البعث، فتمتع بالازدهار الاقتصادي مستفيدا من برنامج النفط مقابل الغذاء الذي كانت تشرف عليه الأمم المتحدة، عبر تخصيصه حصة من عائدات النفط العراقي لإقليم الحكم الذاتي الكردي.
دولة ما بعد الاحتلال
وبعد احتلال العراق عام 2003، إثر الغزو الأميركي البريطاني، أيدت حكومة كردستان الوجود الأميركي في العراق، حيث اعتبر جلال الطالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني سحب القوات الأميركية والبريطانية من العراق، دعوة خاطئة وعاطفية مبنية على الشعارات وليس على الواقع، وحذر من الانسحاب المبكر للقوات الأميركية والبريطانية، لأن ذلك سوف يدفع العراق إلى الفوضى والحرب الأهلية، والى التدخل التركي والإيراني في المنطقة.
أما مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، فانه أكد على عدم خروج القوات الأميركية قبل استقرار الوضع الأمني في العراق، لكنه شدد على ان الوجود الأميركي مؤقت في البلاد.
وساهم الاحتلال الأميركي في تقوية الأكراد انطلاقا من سياسة المحاصصة الطائفية التي أقحمت في الدستور الجديد الذي أقر تحت الاحتلال، وتبعا لذلك زادت نشوة الأكراد بحلم الاستقلال، وساعدهم على ذلك أيضا توالي حكومات ضعيفة على بغداد، مما جعل حكومة كردستان تشعر بالقوة والتفوق. وتعمق لدى المواطن الكردي مفهوم كردستان الكبرى، متجاهلا المفهوم الوطني العراقي العام، وأضحى المواطن الكردي يتطلع إلى مسافات ابعد من المحيط الوطني الحقيقي.
أصبح إقليم كردستان العراق كما لو كان دولة مستقلة، حيث صار لها برلمان وحكومة وشرطة وجيش وعلم مستقل، إذ تقوم حكومة الإقليم بأداء جميع أعمالها وواجباتها بعيدا عن سلطة الحكومة المركزية، كما لايطبق القانون العراقي في أراضيها إلا ما يقرره البرلمان الكردي.
فكردستان العراق اليوم مسؤولة عن الحفاظ على أمنها، من خلال قواتها العسكرية (البشمركة)، وهي تخلو من أعمال العنف إلا ما ندر، وهذا ما جعلها تختلف عن بقية محافظات القطر، وترفع علمها الخاص بها.
ورغم ترددها في رفع العلم العراقي (الأصلي) إلى جانب علم كردستان العراق، لأنه في نظرها احد رموز النظام العراقي السابق، إلا أنها قامت برفعه في بعض المناطق وحظره في مناطق أخرى.
ولا يسمح الإقليم الكردي للقوات العراقية العربية التابعة للجيش العراقي الجديد بالدخول إلى أراضيها، كما لا تسمح لوزارات العاصمة بغداد بفتح مكاتب فرعية لها في مناطقها. ويرفض الأكراد تسليم حماية حدود العراق الدولية الشمالية والشرقية إلى قوات بغداد، خشية سيطرة الحكومة المركزية من جديد على الوضع في كردستان.
العراق الفيدرالي
واليوم يحلم الأكراد بعراق فيدرالي لا تسيطر عليه أية حكومة مركزية، متمسكين بالدستور العراقي الجديد، الذي سن في نهاية عام 2005. كما يصرون على توسيع منطقة حكمهم الذاتي، في الآونة الأخيرة، لتشمل المناطق الغنية بالنفط، وخاصة «كركوك» الواقعة جنوب الإقليم، والتي لطالما حلم الأكراد بضمها إلى إقليمهم لتكون عاصمة لهم وليس مدينة اربيل، وهذا ما يرفضه العرب والتركمان من سكان كركوك.
لقد نجحت كردستان العراق في إجراء انتخابات برلمانية في 25يوليو الماضي عززت بها وضعها الداخلي والخارجي في مواجهة الحكومة في بغداد، فهناك خلافات حادة بين الطرفين، فيما يتعلق بوضع مدينة كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها، وتعمق الخلاف بعد توقيعها 15 عقدا نفطيا مع 20 شركة عالمية كبرى دون موافقة حكومة بغداد.
وبدأت في تصدير النفط من جانب واحد، ومن اجل ذلك سارع وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني، ليعلن إلغاء إبرام هذه العقود، ويوجه تحذيرا للشركات النفطية بعدم إبرام مثل هذه العقود قبل إقرار قانون النفط والغاز من قبل البرلمان العراقي، لكن الأكراد مضوا في طريقهم، معللين تصرفهم هذا بأنه متجانس مع الدستور ومواده المتعلقة بكيفية التصرف بالثروات الطبيعية.
وقد أبلغت الإدارة الأميركية حكومة بغداد وأربيل بضرورة حل المشكلات العالقة بينهما، قبل انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2010 طبقا للاتفاقية الأمنية الموقعة بين حكومة واشنطن وبغداد، لأن استمرار المشكلات العالقة بين الإقليم والمركز، يعد تهديدا واضحا لاستقرار العراق.
غير أن كردستان ماضية في طريقها، فجددت ولاية مسعود البرزاني الذي انتخب عام 2005 لأربع سنوات مقبلة، وأسندت رئاسة وزراء الحكومة إلى د. برهم صالح، الذي وعد بالإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد المالي والإداري، وقد ضمت الحكومة وزراء تكنوقراط متخصصين في مجالات وظائفهم.
وسارت الحكومة الجديدة في كردستان على سياسة ثابتة تجاه كركوك واستمرت في فرض الهيمنة عليها، ومن أجل ذلك تطالب بإعطائها وضعا خاصا في الانتخابات البرلمانية العامة المقبلة والتي يجري الاستعداد لها الآن، في مساع لفرض حالة عدم استقرار في البلاد.
وقد سن قانون الانتخابات الجديد في 8 نوفمبر الماضي بعد مخاض عسير بين الجبهات الثلاث؛ العرب والتركمان والأكراد، في مجلس النواب العراقي حول مدينة كركوك، وقد تم التصويت في البرلمان العراقي بأغلبية 141 صوتا من بين 196 من النواب الحاضرين.
ومرر القانون بعد موافقة التحالف الكردستاني على ان تأتي لجنة خاصة من الأمم المتحدة لإحصاء عدد الأكراد الموجودين في كركوك، وتدقيق سجلات الناخبين خلال عام من تاريخ عملها، وبذلك استقرت جميع الكتل البرلمانية حول القانون الانتخابي الجديد، وأخذت تعد عدتها للانتخابات البرلمانية المقبلة.
ومن المتوقع أن تفرض الأزمة الكردية إفرازاتها على الجميع بعد الانتخابات، فلن يمل الأكراد من تقوية أربيل على بغداد، ولن يتوقفوا عن حلم الدولة الكردية الكبرى، وهو الحلم الذي عطلته القوى الإقليمية المجاورة للعراق، وهي دول لا طاقة للأكراد بالتصادم معها.
د. سهير عواد الكبيسي


