لأسباب عديدة، يمكن القول بأن العقل الإسرائيلي هو عقل امني بامتياز، في كل شيء، في السياسة، والعسكرتاريا، والاقتصاد، والمجتمع، والتكنولوجيا، فهذه دولة أمنية حتى النخاع، قامت بوسائل القوة، بالدبابات والمدفعية والطائرات، وتستمر بها.
هكذا، تفتقت «العبقرية» الإسرائيلية الأمنية، قبل سنوات، عن إقامة الحواجز والنقاط العسكرية، التي توّجتها ببناء «جدار فاصل»، لتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، ولتحقيق الانفصال عن الفلسطينيين، في الضفة الغربية، بدعوى وضع حد للعمليات التفجيرية.
وبعد ذلك عملت إسرائيل على التخلص من العبء السياسي والأمني والاقتصادي والأخلاقي، للسيطرة على مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة (2005)، عبر الانسحاب منه مع الحفاظ على السيطرة عليه، وتشديد حصاره، من الخارج.
الآن، ها هي إسرائيل تعمل على بناء ما تسميه «قبة حديدية»، التي تتوخّى من خلالها صدّ الصواريخ قصيرة المدى، التي تطلق عليها من قطاع غزة، وتستهدف البلدات الإسرائيلية المتاخمة لهذا القطاع المحاصر.
وكما بات معروفا فإن هاجس الحرب الصاروخية بات يشكل قلقاً كبيراً لإسرائيل، وهو وضع بدأت ملامحه بالتكشّف إبان حرب الخليج الأولى (1991)، مع الصواريخ العراقية الـ 39 التي أدخلت الإسرائيليين إلى الملاجئ لأكثر من شهر، وحينها تولت طواقم صواريخ الباتريوت الأميركية مهمة الدفاع عن سماء إسرائيل.
بعد ذلك ازداد انكشاف إسرائيل، في هذا المجال، مع استخدام حزب الله في لبنان لترسانته من الأسلحة الصاروخية (كناية عن صواريخ كاتيوشا قصيرة المدى)، في أثناء الحملتين اللتين شنتهما إسرائيل عليه، إبان عمليتي «كشف الحساب» (1993) و«عناقيد الغضب» (1996). وبحسب عاموس هارئيل فقد كان هدف هذه الصواريخ، «إجراء حرب استنزاف، تركز على السكان المدنيين في الجبهة الداخلية، بدل محاولة هزم الجيش الإسرائيلي في ساحة المعركة أو احتلال أجزاء حقيقية من أرض إسرائيل وهي محاولة فاشلة سلفا.» («هآرتس»، 11-1-2009).
وفيما بعد، كما بات معلوم، فقد طور حزب الله ترسانته الصاروخية وهدد بها العمق الإسرائيلي في حرب (2006)، بحيث انه استطاع نقل الحرب إلى الداخل الإسرائيلي، ما اضطر الإسرائيليين في المدن والبلدات المتاخمة للبنان للنزول إلى الملاجئ، وهو تهديد باق في الجبهة الشمالية، مع تأكيد حزب الله على استمرار تطويره لترسانته الصاروخية، استعدادا لأية جولة قادمة.
وقد تفاقم قلق إسرائيل من الحرب الصاروخية بعد تحول حماس نحو تصنيع صواريخ بدائية قصيرة المدى، والقيام بقصف المناطق الإسرائيلية، من قطاع غزة. وعلى رغم محدودية اثر هذه الصواريخ، إلا أنها سببت قلقا نفسيا لدى الاسرائليين، وضعضعت ثقتهم بقدرته على الردع.
هكذا، شنت إسرائيل حربها (في العام الماضي) على قطاع غزة، التي كان احد أهدافها، التخلص من خطر الصواريخ الفلسطينية، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ قرر الجيش الإسرائيلي، أيضاً، الشروع ببناء نوع من قبة حديدية، لصد الصواريخ، وخصص لهذا الأمر موازنات كبيرة، وكلفت شركة «رفائيل» المختصة بإنتاج الاعتدة العسكرية بتصنيع البطاريات الصاروخية المضادة للصواريخ.
وتبلغ كلفة صاروخ «القبة الحديدية» نحوا من 100 ألف دولار. في حين أن ثمن صاروخ القسام عشرات الدولارات. أما كلفة صاروخ واحد من نظام «الصولجان السحري»، في مواجهة القذائف من الشمال، فتبلغ نحوا من مليون دولار. (بحسب رؤوبين فدهستور، «هآرتس»، 13-1-2010)
وطبعا فعدا صواريخ حزب الله، وصواريخ حماس، فثمة خشية إسرائيلية واضحة من خطر الصواريخ السورية والإيرانية، أيضاً.
على ضوء ذلك، ترى كم قبة حديدية تحتاج إسرائيل، لحماية نفسها؟
إضاءة
إسرائيل تقف مجدداً في الجبهة التكنولوجية العالمية. وهي تملك المنظومة الوحيدة القادرة على اعتراض مقذوفات صاروخية قصيرة المدى، من صاروخ القسام حتى صاروخ الغراد، ومن صاروخ الكاتيوشا حتى صاروخ فجر. كل ما يُطلق من مدى يتراوح بين 4 و70 كيلومتراً سيتم اعتراضه وهو في طريقه إلى الهدف..
ولا بد من الإشارة إلى أن الكتيبة الأولى لتشغيل منظومة «القبة الحديدية» أُقيمت وباتت موجودة اليوم، ويتوقع أن تستلم في شهر مايو القادم أول بطارية عملانية، التي ستُنصب في الجنوب. الطريق طويلة من هنا حتى تغطية كل منطقة غلاف غزة، والطريق أطول إلى حين تغطية كاملة لمنطقة الحدود الشمالية.
ومن البديهي القول إن الجيش الإسرائيلي سيطلب الحصول على موارد إضافية، وسيتعين على القيادة السياسية أن تقرر مجدداً ما إذا كانت ستزيد ميزانية الأمن.
هذه المرة يبدو الاستثمار مجدياً: فالاعتراض المكثف والمنهجي لن يقلص الأضرار في الجبهة الداخلية فحسب، بل سيقلص أيضاً المس المباشر باقتصادها أوقات القتال، كما أنه سيقتلع رغبة العدو في إطلاق النار وفي التسلح بالمقذوفات الصاروخية والصواريخ..منظومة «القبة الحديدية» (إلى جانب منظومة: «حيتس» و«باتريوت»، وفي المستقبل أيضاً منظومة «شربيت كيسم» ـ الصولجان السحري ـ لاعتراض الصواريخ المتوسطة المدى.( يوآف ليمور، «إسرائيل اليوم» 7 -1-2010).
