في الوقت الذي يسمع فيه المشاركون في ورشات العمل العلمية دعوات من قبل مختصين للارتقاء بالبحث العلمي الجامعي التطبيقي، تعاني شوارع الجامعات في الأردن من مشاجرات جماعية على خلفيات عشائرية يطلق خلالها الأعيرة النارية ويصاب فيها الطلبة وكأن الأمر ساحة معركة.
وتبدو دعوات الارتقاء بالبحث العلمي في الجامعات الأردنية ترفا ساخراً، والشاهد المشاجرة الجماعية التي وقعت أمس الأول في جامعة الزيتونة الأردنية الخاصة على خلفية عشائرية، تطورت من الضرب بالهراوات وتقاذف الحجارة إلى إطلاق العبارات النارية. وأدت المشاجرة إلى تكسير كلية الآداب وبعض السيارات وجرح بعض الطلبة، دون أن يستطيع الأمن الجامعي فض المشاجرة.
وقال منسق عام الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة «ذبحتونا»: «إن رجال أمن الجامعة من كبار السن، لا يستطيع مجاراة الشباب». وشهدت الجامعة الهاشمية مشاجرة مشابهة مؤخراً على خلفية عشائرية كذلك، كما شهدت جامعة مؤتة والجامعة الأردنية مشاجرات في الأسبوعين الماضيين. وقالت «ذبحتونا» إن نمو الظاهرة المسيئة وبعد مرور أكثر من سنتين على التحذيرات الملكية من أن «العنف الجامعي خط أحمر»، لا يعني سوى عدم قدرة إدارات الجامعات والحكومة القضاء على الظاهرة، ما يعني عدم جدية هذه الجهات بالتعاطي مع هذا الملف.
والحلول التي تعمل على علاج قشور القضية دون النظر إلى جذورها لن يسهم إلا في تكريسها وتعزيز انتشارها، وما يشاهد من فعل يومي للمشاجرات ما هو سوى دليل واضح على ما كانت تحذر منه الحملة من تحول ظاهرة العنف الجامعي إلى «كارثة».
وأشارت الدراسات التي تطرقت إلى الظاهرة إلى أن غياب الوعي الطلابي ووجود النزعات العشائرية والإقليمية والطائفية بين الطلبة، وهذه بدورها تعود إلى عدة أسباب أهمها التوسع في القبول الجامعي وضعف أنظمة التأديب القمعية وتعليمات الانتخابات الطلابية إضافة إلى منع الحركات الطلابية من العمل داخل الجامعات ليتحول الاختلاف بين الطلبة من خلاف على أساس سياسي فكري غلى خلاف على أساس عشائري وعنصري وهو الأخطر.
الدراسات الأمنية
وكان مركز الدراسات الاستراتيجية الأمنية التابع لمديرية الأمن العام قد أصدر دراسة تحت عنوان «العنف في الجامعات الأردنية» أكد ان الظاهرة تعتبر من اخطر المشكلات التي تواجه الوسط الجامعي بمكوناته المختلفة والتي تتخذ أشكالاً مختلفة مثل الاعتداء الجسدي، والاعتداء اللفظي، وإتلاف الممتلكات وغير ذلك.
وحددت أهم الأسباب والعوامل التي تقف وراء العنف في الجامعات والتي تتضمن وفق الدراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية وتضم «التعصب القبلي أو المجتمعي»، و«إن عقلية الطالب الجامعي التي تتمسك بمجتمعها العشائري بالطريقة الخاطئة»، و«عدم وجود الروابط القوية بين أفراد الأسرة وعدم اهتمام أولياء الأمور بمتابعة مسيرة أبنائهم»، و«التنشئة الأسرية الخاطئة»، والمواقف الشائكة، وعدم القدرة استخدام وسيلة للإقناع في حصول الطالب على ما يريد، والكبت المستمر، والشعور بالنقص، وسوء الاندماج والتكيف في المجتمع الجامعي، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية السريعة.
واقترحت بعض الحلول لمعالجة السلوكيات الخاطئة وتركز على توعية الطلاب والتنبيه للنتائج المترتبة على حالات العنف والشغب والتحريض داخل الجامعات، وعمل لقاءات لقادة جهاز الأمن العام مع القيادات الطلابية، وملء فراغ الطلبة وخاصة في كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتركيز على الجوانب التطبيقية والبحثية، وعقد ندوات وورش عمل هادفة إلى ترسيخ الاستقرار الأمني داخل الجامعات.
وتفعيل دور الشرطة المجتمعية داخل الجامعات الأردنية، وتفعيل عمل الاستخبارات داخل الجامعات، والتوعية بضرورة احترام الرأي والرأي الآخر، وتفعيل الأنظمة والتعليمات الخاصة بالمشاجرات في الجامعات، وتعميق معاني علاقات المحبة والتعاون بين أبناء الوطن الواحد فمن هنا لا بد من ضبط دخول الجامعات بحيث يكون الهدف من الدخول العمل العلمي الجاد الرصين ضمن اطر وقضايا واضحة.
وقال أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الهاشمية يحيى العلي إن العنف الجامعي لا يرتبط بالمؤسسات الجامعية وحدها، ولكنه مرتبط بعوامل مجتمعة تتعلق بالطالب وبظروفه المعيشية والاجتماعية والنفسية.
شغب الجامعات
وأشار إلى استطلاع حول الظاهرة حمل عنوان «صناعة العنف في الجامعات الأردنية من المسؤول؟ أصدرته إحدى الجامعات وحمّل الإدارات الجامعية مسؤولية الشغب.
ومن بين أسباب العنف، وجود مفاهيم ومدركات مغلوطة للعصبية والقبلية بين الطلبة بنسبة تجاوزت 84 بالمئة إضافة لقلّة الوعي والثقافة بمعنى الديمقراطية بنسبة 81 في المئة لدى الطلبة، وهما سببان رئيسيان للظاهرة.كما أن السماح بدخول غير الطلبة إلى الحرم الجامعي، وعدم وضوح مسؤولية رجال الأمن داخل الجامعة، واللقاءات المخلة بالآداب بلغت نسبتها 67 بالمئة.
أما التنشئة الاجتماعية المتباينة وعدم قدرة الجامعة على صهرها في بوتقة واحدة فقد تجاوزت 62% بقليل، وعدم استغلال وقت الطالب في تحضير متطلبات الدراسة الجامعية بنسبة 61%، وتأثير برامج العنف التي تبثها الفضائيات على الشباب بنسبة 5 .48 بالمئة، والشعور بالإحباط بنسبة اقتربت من 40%، أما التغاضي عن أخذ الحضور والغياب من قبل أعضاء هيئة التدريس والتجاوز عن النسب المسموح بها فحل في المرتبة الثانية عشرة بنسبة 5 .37%.
عمان ـ لقمان اسكندر
