العلم والتكنولوجيا والبحث العلمي أصبحت السمات الأساسية والرئيسة للعصر الذي نحياه، وتسببت تلك السمات في خلق وتوليد الكثير من الحقائق وإحداث الكثير من التغيرات والمفاهيم. حتى إن مفهوماً مثل الأمية الذي تعاني منه جل الشعوب العربية، وهي الأمية الأبجدية المعروفة بالقراءة والكتابة تغيرت في العالم ليس المتقدم وإنما الأكثر نموا لتعتبر الأمية هي أمية الحاسوب الآلي والتي احتفلت الكثير من الدول بالقضاء عليها والتخلص منها.
ومن المؤكد أن هذا التغير، رغم بساطته مقارنة بحجم المتغيرات التي لحقت بالعالم، ورغم أن الدول العربية أمامها سنوات وسنوات للوصول إلى ذلك إلا أنه يمكن القياس عليه لمعرفة حجم الهوة الهائلة التي تعاني منها الدول والشعوب العربية وحجم الفجوة العلمية والمعرفة بيننا نحن بني العرب وبين غيرنا من الشعوب والأمم. وقال إنه خلال السنوات القليلة الأخيرة تلاحظ وجود اهتمام أكبر من جانب بعض الدول العربية بقضية البحث العلمي ومنها الإمارات التي أنشأت أودية وجامعات تكنولوجية متقدمة وهناك السعودية وقطر، وهي خطوات تعني الاهتمام بخلق قاعدة علمية وعلماء والاستفادة الحقيقية بالبحث العلمي والمساعدة على الابتكار والإبداع والاختراع.
وأضاف أن الاهتمام بقضية البحث العلمي من جانب هذه الدول يأتي إيمانا بأهمية البحث العلمي لضمان استمرار الارتقاء بالمواطن ومستوى المعيشة، مؤكدا أنها خطوة ايجابية مهمة تحسب للدول الثلاث. وهي دول تمتلك القدرة على تحقيق أقصى استفادة من مخرجات البحث العلمي، من خلال المشاركة في إنتاج التكنولوجيا والبحث العلمي وعدم الاكتفاء بمجرد استهلاكها.
وعن مشاكل البحث العلمي التي يمكن أن تعوق اقتحام العالم العربي لعصر العلم، قال الناظر، إن أهم مشكلة تواجه البحث العلمي تتمثل في عدم إيمان المجتمعات العربية بقيمة البحث العلمي والتعليم، مشيرا إلى أن الشعوب العربية لا تزال ترى أن الارتقاء في المعيشة تتمثل في شراء الأراضي، وبناء العقارات والفنادق فالمجال الأول الذي يستحوذ على نصيب الأسد من الاستثمارات هو العقاري فيما الأهم هو الاستثمار في البشر وليس الحجر.
وقال : إننا في الدول العربية لا نؤمن بأن التكنولوجيا والبحث العلمي تمثل طريق العبور وسر التقدم وطوق النجاة لتحسين مستويات المعيشة والارتقاء بحياة المواطن العربي، وذلك في حين أن أجدادنا وأسلافنا الأولين أقاموا الدولة الإسلامية القوية بالعلم عندما كان هناك بن سينا وبن الهيثم والخوارزمي وغيرهم من علماء المسلمين الذين أناروا بعلمهم غياهب الظلمات التي كانت تعيش فيها أوربا.
وشدد على أهمية وضرورة الاهتمام بالعلم والعلماء والباحثين، وضرورة وضع نظام علمي مناسب، لافتا إلى عدم وجود إدارة علمية قادرة على قيادة منظومة علمية متكاملة، كما لا توجد استراتيجيات واضحة للبحث العلمي مبنية على أسس علمية ورؤية متكاملة وواقعية.
وحول نظم التعليم سواء كانت جامعية أو قبل الجامعية في العالم العربي، أشار إلى أن التعليم في عالمنا العربي فيه جانب إيجابي وأخر سلبي، الجانب الإيجابي يتمثل في أننا نلاحظ أن خريجي المدارس والجامعات العربية ومصر على سبيل المثال عندما يذهبون للخارج في بعثات ومنح دراسية للحصول على درجات علمية بالخارج يحققون نجاحات مبهرة وفي أوقات قياسية وأسرع من أقرانهم وتسعى الدول المبتعثين فيها لاستقطابهم والاستفادة منهم ومن ابتكاراتهم وجهودهم.
وتابع: أن هذا يعني أن القاعدة العلمية في الوطن العربي جيدة ومتسعة ولكن هذا لا يعني أن التعليم جيد، فنحن نحتاج إلى صحوة تعليمية، قائلا :إنه يجب أن نرفع شعار «لا صوت يعلو فوق صوت التعليم»، وذلك نظرا لأهمية وخطورة وحيوية هذه القضية التي لابد وأن تحظى بألوية قصوى وأن يكون لها أولوية في ميزانيات الدول العربية.
تباين عربي
ومن جانبه، يرى عميد كلية تكنولوجيا الحاسبات والمعلومات بجامعة حلوان الدكتور يحيى مصطفى كامل حلمي أن هناك تباينا بين الدول العربية في تعاطيها مع قضية العلم والتكنولوجيا وأنه لا يمكن التعميم، وأنه في بعض الدول التي لديها قاعدة علمية هائلة قد تفتقد للإمكانيات المادية، وبعض الدول التي تمتلك إمكانات مالية قد تفتقد للقواعد العلمية، والجزء الثالث يفتقد فيه الإمكانيتين.
وأكد أن الدول العربية بصفة عامة تفتقد للإمكانيات المادية والتكنولوجيا، ولو أن الدول العربية امتلكت مثل هذه الإمكانيات فسيكون الوضع العلمي والتكنولوجي مختلفا تماما.
وحول إمكانية وجود تكامل عربي لدخول عصر العلم، أكد أن هذا يمثل أملا كبيرا لكل العاملين في حقل البحث العلمي، في أن تستعين الدول التي لديها وفورات وإمكانيات مادية وتعاني من نقص في الموارد البشرية بالدول التي لديها فائض في الموارد البشرية وتعاني من نقص في الموارد البشرية العلمية والتكنولوجية لإنتاج الأبحاث الكفيلة بحل القضايا والمشاكل العربية بدلا من الاستعانة بالكفاءات والعلماء الأجانب والذين من المؤكد أنهم لا يقدمون خبراتهم بنسبة 100 في المائة على الرغم من استفادتهم المادية الكبيرة.
وأشار حلمي إلى أنه يمكن أن نستعين بالكفاءات العربية لحل القضايا والمشاكل العربية، قائلا: إننا يمكن أن نستعين على سبيل المثال بالخبرات والكفاءات المصرية والإمكانيات المادية لدول الخليج والأراضي السودانية لحل أزمة الغذاء التي يعاني منها العالم العربي، نفس الشيء يمكن أن يحدث في التعامل مع قضايا المياه والبطالة وغيرها من القضايا والمشاكل.
وعما إذا كانت نظم التعليم الجامعي وقبل الجامعي تركز على العلم وتصب في صالحه، أكد أن التعليم الجامعي يمتلك إمكانيات هائلة من معامل ومكتبات ومراكز بحثية وتكنولوجية وأعداد هائلة من الباحثين، ولكن المشكلة ،من وجهة نظره، تكمن في كون الغالبية العظمى من الباحثين غير متفرغين ويمارسون البحث العلمي باعتباره عمل إضافي وليس أساسيا وهو على عكس ما يحدث في الدول الأوربية والمتقدمة.
وأوضح حلمي أن هذا الوضع يختلف عندما يكون الباحث متفرغا وخاصة إذا ما كان في بعثة أو منحة في إحدى الدول الأوروبية والأميركية فعندها يتوصل الباحثون العرب إلى نتائج مبهرة بل إن عددا كبيرا من رؤساء الجامعات وعمداء الكليات في عددا من الدول وخاصة في كندا والولايات المتحدة هم من العرب.
وأضاف إن هناك الآلاف من الأساتذة وأعضاء هيئات التدريس والباحثين والخبراء والكفاءات موجودة، لكن الإمكانيات والميزانيات ضعيفة ومتواضعة وضئيلة جدا ولا يمكن مقارنتها بميزانيات البحث العلمي بالدول الأوروبية والأميركية.
التخلف العربي
أما وكيل لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب المصري (البرلمان) الدكتور سيد عطية الفيومي، فيرى أن الحديث عن حقيقة علاقة الوطن العربي بالعلم والبحث العلمي يعني بكل تأكيد الحديث عن أسباب التخلف العربي عن ركب الحضارة والنهضة العلمية المتلاحقة في دول العالم المتحضر.
وتابع: من غير المعقول أن نرى العالم من حولنا يحقق أرقامًا متقدمة في مجالات الإنفاق على البحث العلمي وبراءات الاختراع واستثمار البحوث، في الوقت الذي يتراجع فيه بحثنا العلمي عامًا بعد عام، وإن تقدم خطوة فإنه لا يواكب مئات الخطوات التي اجتازها الغرب.
وقال: إننا إذا أردنا الدخول بحق في عصر العلم فلابد من عدة نقاط أساسية و تفعيلها، ومنها زيادة الدعم المالي لمؤسسات البحث العلمي، وتقديم المنح السخية لبرامج البحث العلمي والتطوير، والمشاركة الفعالة للقطاع الخاص في تمويل الأنشطة العلمية،واستثمار البحوث العلمية استثماراً حقيقياً في خدمة المجتمع.
وأكد ضرورة إصلاح النظم التعليمية في عالمنا العربي والأخذ بتكنولوجيا العصر، والعمل على خلق جيل جديد يعتمد على التفكير والإبداع والابتكار بعيدا عن الحفظ والتلقين، وأيضا إنشاء قاعدة علمية قوية تتبنى استراتيجيات لتطوير البنية التحتية لمؤسسات البحث العلمي والتطوير، وتحسين وتيسير التواصل بين قطاع البحث العلمي والمنشئات الصناعية، وتفعيل العلاقات بين الجامعات ومراكز البحث من جهة والقطاع الخاص من جهة أخرى سعياً وراء حل مسائل تكنولوجية محددة.
وشدد الفيومي على أهمية تفعيل الاستفادة من الأعمال البحثية والتعليمية لتحسين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل التواصل بين الباحثين والمنشئات الصناعية، ومنح صلاحيات مناسبة تمكن الباحثين من الاستفادة المباشرة من أعمال وبرامج المنشئات الصناعية، والتأكيد على استقلال الجامعات والمؤسسات البحثية، وإعطاء الحرية الكاملة للمؤسسة العلمية في رسم سياساتها وبرامجها وتعيين من تشاء في سُلمها الوظيفي.
نظرية «كريمية» إبداعات طالب رياضيات (1-2)
يحتاج التعليم في الدول العربية إلى مسار جديد للإصلاح وذلك لعلاج مشاكل عديدة يعاني منها مثل قدم المناهج التعليمية، وعدم قدرتها على إيصال المتلقي لمرحلة وعي ونضج تمكنه من التطور والحداثة ومواكبة العصر، فعلى الرغم من أن معظم الأطفال يتلقون التعليم بشكل إلزامي، وضيق الفجوة بين الجنسين في التعليم، إلا أن الدول العربية لا تزال متخلفة عن كثير من الدول الناشئة.
فهناك فجوات بين ما حققته الأنظمة التعليمية وبين ما تحتاجه المنطقة لتحقيق أهدافها الإنمائية، وتسعى تونس اليوم إلى تحقيق المزيد من النماء والازدهار، في ظل غياب الموارد الطبيعية، وذلك عن طريق الاستثمار في رأس مالها البشري سيما المراهنة على تعليم أبنائها وبناتها ووضع كل الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية في خدمة العملية التعليمية ليكون بذلك القطاع الذي يستأثر بأعلى نسبة من ميزانية الدولة حوالي 20 بالمئة من ميزانية الدولة. وهو دليل على رغبة تونس في الخروج من جلباب الأمية التي أصبحت تهمة يوجهها الغرب للعرب خاصة، وللدول النامية عامة.
تقول أستاذة التعليم الثانوي ريم الباغولي: «لم يكن التعليم في تونس متاحا للشعب بشكل حر قبل عام 1958 حيث كان يتمتع به فقط 14 في المئة من المواطنين. ولكن الحكومة التونسية في الوقت الحاضر تبذل جهودا كثيرة لتحسين القطاع التعليمي وتصرف عليه حوالي 6 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. ومنذ عام 1991 أصبح التعليم في المدارس إجباريا للشبان والبنات في عمر من 6 إلى 16 سنة، وتلعب اللغة العربية دوراً مهماً في حياة الأطفال التونسيين الذي يبدؤون تعلمها في عمر الخمس سنوات حينما يدخلون المدارس.
ويبدؤون تعلم الفرنسية من عمر 8 سنوات والإنجليزية من 10، وهذا دليل على انفتاح تونس على الآخر ومدى تكور نظم تعليمها لأن تعلم الطفل للغات الحية يؤهله لتعلم ثقافة الأخر والسير نحو التطور الذي يخلصنا من لقب دولة نامية.
كما تحقق تونس اليوم في مجال بناء مجتمع المعرفة أهدافها الواحد تلو الآخر والتي تتوفر على العقول والقدرات العلمية والمعرفية القادرة على النهوض بكل مكونات العملية التنموية في البلاد لتؤكد بذلك نهجها وخيارها الذي يقوم على قاعدة أن العلم يبقى مسلكا آمنا لتحقيق النجاح والامتياز وبلوغ درجات أرفع وأرقى من التقدم والرقي وان المعرفة تظل أقوى سلاح لكسب معركة الفقر والتخلف والقضاء على كل المظاهر التي يمكن أن تعيق مسيرة التنمية.
الطريق الصحيح
ويستشهد الأستاذ في كلية العلوم البشرية وليد الشرفي بالتقارير الدولية التي تصف التجربة التونسية في التعليم ب«الناجحة» حيث صنفت الأولى على مستوى المغرب العربي في سياسة إصلاح التعليم وتأهيله. كما يتوقع أن تحقق التجربة أهداف الأمم المتحدة التي تتضمن إلى جانب توفير التعليم للجميع عام 2015 الإسهام في محو الأمية بمعدل النصف، وضمان نوعية تعليم أفضل والمساواة بين الذكور والإناث في تلقي العلم.
ويضيف: حسب التقرير العالمي السنوي لمنتدى دافوس (2008-2009) تم تصنيف تونس ضمن كوكبة الدول الأكثر تقدما في مجال الاستثمار في العلم والمعرفة.وهي تحتل وفق هذا التصنيف المرتبة 17 بالنسبة لجودة النظام التربوي والمرتبة 21 بالنسبة لجودة التعليم الأساسي والمرتبة 17 بالنسبة لحجم الإنفاق على التعليم (تخصيص قرابة 1 ,7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع) كما تحتل المرتبة السابعة بالنسبة لجودة تعليم المواد العلمية والرياضيات، ولا ننسى أن تونس صدرت في أواخر سنة 2009 للعالم نظرية جديدة في الرياضيات فبعد مرور 122 عاماً على ظهور آخر فرضية تكتشف في علم الرياضيات، برز اسم الشاب التونسي كريم الغرياني، الذي أطلق على نظريته اسم «الكريمية»، وقد عمت هذه النظرية الكتب العلمية في الوقت الحالي، وهو دليل على أن تونس بدأت تصدر للعالم نوابغ في التعليم.
نظرية كريمية
يقول الطالب التونسي كريم الغرياني صاحب نظرية «كريمية» في الرياضيات: «لو لم يكن الطالب في تونس يحظى بكل أنواع الراحة النفسية والمعنوية ويتلقى التعليم على مستوى عال، لما تمكنت من الوصول إلى تلك النظرية العلمية، التي جعلت مني أشهر طالب علم تونسي. واللافت أن النظرية التي اكتشفتها في علم الرياضيات كانت الوحيدة خلال 122 سنة مضت، وهو شرف لي ولبلدي تونس الذي رعاني وأحتضن موهبتي، ولقد ساعدني هذا الاكتشاف على الحصول على دعم معنوي من بلدي ودعم مادي وحكومي لإكمال دراستي أينما أردت مستقبلاً.
مناهج التعليم
يقول الأستاذ الجامعي قيس المشفر المختص في مادة الاقتصاد والتصرف: لقد وعت تونس بأهمية الرهان القائم على التربية وإصلاح التعليم، لأن اقتصاد المعرفة في عصر الطفرة التكنومعلوماتية يتطلب مهارات عمل مكونة تكوينا عاليا لها القدرة على التكيف مع الظروف المستجدة.
بحيث إن القطاعات الصناعية الجديدة القادرة على إنتاج فائض قيمة سواء في ميدان المعلوماتية والوسائط الفائقة والهندسة الوراثية والجراحة وفن التصميم وصناعة السياحة والمهن الراقية... تتطلب كلها قدرات وقوة عمل مدربة أحسن تدريب ومكونة أحسن تكوين، ومن دون شك وعت القيادة التونسية أن إنجاح الرهانات الكبرى في التنمية الاقتصادية مرتبط اشد الارتباط بتوسيع قاعدة المستفيدين من التعليم العمومي وتشجيع البحث العلمي ورعاية الباحثين، بحيث لن يجادل أحد بأن العالم العربي متأخر جدا في هذا الإطار.
حيث أن 90 بالمئة من الأنشطة العالمية في البحث تجري في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا الصناعية، بالإضافة لذلك نجد معدل الباحثين بالنسبة لعموم السكان كما يقدره مرصد العلوم والتقنية دسش في أوروبا يصل إلى 3 باحثين بالنسبة لـ 1000 ساكن في دول الاتحاد الأوروبي، ويصل هذا الرقم إلى 4 باحثين في الولايات المتحدة الأميركية.
بينما لا يتجاوز المعدل الواحد في المئة، أي نسبة 0، 3 في دول المغرب العربي على وجه التحديد، أما في دول الشرق الأوسط يصل إلى 0، 1، كما هو الحال في إفريقيا. طبعاً هي نسب مخيبة للآمال للأسف فمن الضروري جداً أن تعي الدول العربية أنه يجب أن تكون جيلها الحالي جيل الانترنت والثورة التكنولوجية وأن تغير من نُظم التعليم القديمة التي لا تسمن ولا تغني من جوع فنحن اليوم يجب أن ننتفض على المناهج التي لا تربي جيل علمي وعملي جيل مخترع، مفكر، وواع، حتى نتخلص من أميتنا التي يعايرنا بها الغرب.
الجاهل فريسة للمتطرفين
تقول الكاتبة الأدبية والأستاذة في جامعة منوبة مها الأسود: تكمن أهمية التربية والتكوين في غرس بذرة المجتمع الصالح المتصالح مع نفسه وأهله، لأن التربية لا تخلق المجتمع الصالح فحسب، بل تغرس في أذهان الشباب التحلي بالمسؤولية وحقهم في إبداء الرأي والمشاركة البناءة والفاعلة، لأن مجتمعات الأمية تنتشر فيها الخرافة والقدرية والتواكلية وتكون فريسة سهلة يتلاعب بها المتطرفون حيث شاءوا ومتى شاءوا. في حين يصعب ذلك مع المتعلمين والمتنورين والمتسامحين المعنيين بالإصلاح وبحقوق وواجبات المواطنة.
ومن الواضح أنه في المجتمعات المتعلمة والمتنورة التي ترتبط فيها الديمقراطية والتربية، لا تنتج ثورات دموية ولا انقلابات ولا مذابح بشرية، لأن الثورات الدامية والانقلابات والمذابح والعنف تقع في المجتمعات المحرومة من التربية، ومن تربية المواطنة المدنية على وجه الخصوص. وبالتالي إن تونس حريصة على أن يتعلم جميع أبنائها، حيث وصلت نسبة الدراسة إلى أعلى مستوياتها ومن النادر جداً أن تجد تونسياً غير متعلم.
شكل قطاع التعليم أحد الهموم الأساسية التي تسعى الحكومة السورية للتركيز عليه من أجل تطويره والوصول به إلى مستويات علمية عليا تساعد في عملية التطوير والتحديث التي تشهدها الدولة. وعلى الرغم من اعتبارها احدى الدول المتقدمة عربيا في مجال التعليم،إلا أن تقريراً حكومياً صدر قبل أيام أفاد بان زيادة الإنفاق على التعليم لم تنعكس على نوعية وجودة التعليم وخاصة العالي منه.
وأكد التقرير أن الخطة الخمسية العاشرة ركزت على مضاعفة مخصصات الإنفاق لقطاع التعليم بحيث ترتفع من 64 مليار ليرة سورية في التاسعة إلى 127 مليار ليرة يتم إنفاقها خلال سنوات الخطة، وعلى الرغم من ارتفاع الإنفاق من 89 مليار ليرة عام 2006 إلى 107 مليارات في 2008 وليصل حتى منتصف 2009 إلى 132 مليار ليرة إلا أن ذلك لم ينعكس بشكل كبير بعد على نوعية وجودة التعليم.
وقال الأستاذ في جامعة البعث جودت إبراهيم إن الحكومات السورية سارت بخطى لا بأس بها للارتقاء بالعلم والمتعلمين ومن أهمها التعليم المجاني في جميع مراحل الدراسة حتى الانتهاء من المرحلة الجامعية الثالثة أي الحصول على الدكتوراه، والتوسع الدائم والمستمر في افتتاح مدارس ومعاهد وجامعات ومراكز بحوث علمية جديدة.
حيث انتشرت المؤسسات التعليمية في كل مكان، وتقديم المنح المادية والمساعدات للطلاب المتفوقين في جميع مراحل الدراسة وللباحثين أيضاً، وتشجيع البحث العلمي الداخلي والخارجي لأعضاء الهيئة التدريسية والباحثين، وتقديم السكن الطلابي شبه المجاني للطلاب والتوسع الدائم في إنشاء المدن الجامعية، والسماح بافتتاح الجامعات الخاصة لتسهم في النهضة العلمية التي تشهدها سوريا، وإيفاد أعداد كبيرة من حملة الشهادات الجامعية للحصول على درجة الدكتوراه باختصاصات مختلفة من جامعات العالم.
حيث عاد هؤلاء ليشكلوا قاعدة علمية بحثية جيدة تصلح لو أُحسِن استثمارها لتكون القاعدة التي ننطلق منها باتجاه الثورة العلمية التقنية المنتظرة للعرب.
بدوره أكد الأستاذ في جامعة دمشق محمد واصل أن سوريا من الدول العربية التي تحض قيادتها على التعليم وبناء المؤسسات التعليمية والبحثية وتشجع على البحث العلمي وتطور برامج جديدة تلبي حاجات خطة التنمية وسوق العمل وتعمل على رفع مستوى الدخول لأعضاء الهيئة التدريسية والباحثين، وكل ذلك من أجل إنشاء قاعدة علمية وتقنية في محاولة منها للحاق بالدول الأخرى المتطورة، مضيفاً إلى أن أي باحث أو عالم يجد فرصته خارج البلاد، لا يتردد في الإلتحاق بها.
وعلى الرغم من كل التحفيزات التي وضعتها الدولة من أجل جلب العلماء المهاجرين فإنها لم تؤت بعد ثمارها الطيبة.وأن الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة لمعرفة الأسباب الحقيقية المتعلقة بهذه المسألة. وعلى الرغم من الإجراءات التي تتخذها سوريا في مجال التحفيز على العلم فان واقع العلم والتعليم في الدول العربية لا يسر أحداً وذلك مع ارتفاع نسبة الأميين لتصل إلى أكثر من سبعين مليون أمي عربي. فعدد كبير من الدول العربية لا يزال في مصاف الدول المتخلفة التي لم تستطع اللحاق بقطار العلم حتى يومنا هذا، فهم لا يزالون على أعتاب عصر العلم ولا يزالون مستهلكين لمنتجات الدول التي دخلت العصر.
وقال إن المعيار السائد بيننا ما هو عائد أي عمل على صاحبه من نفوذ وثراء وسلطان؟ ولما كان في الأغلب ألاّ يعود العلم على أصحابه من هذه الأشياء بمحصول وفير. كان لمن يؤمن بالعلم المنزلة الثانية في مجتمعاتنا العربية على أحسن حال.
أضعنا فرصة امتلاك علوم المستقبل
أكد الباحث الاستراتيجي في المجال العلمي هيثم سعد الدين..ان العرب كان بإمكانهم أن يمتلكوا كافة الأساسيات في عصر المعرفة والمعلومات والعولمة نظرا لما امتلكوه ويمتلكوه ولكنهم أضاعوه لعدم وجود خطط إستراتيجية مستقبلية لدى الحكومات في الوطن العربي ولايزال هناك تأخر قد يكون متعمدا من قبل الحكومات أو عن جهل..فهناك فجوة كبيرة بين العرب ودول شرق آسيا في مجال المعرفة والتكنولوجيا والتقدم العلمي.
وأشار إلى ان الفجوة قائمة في التعليم الجامعي بين العرب والعالم وحتى ما يحتاجه سوق العمل وما تتطلبه التقنية الحديثة عربيا بدليل وجود نسب عالية من البطالة تصل من30 إلى35 بالمئة من خريجي الجامعات. وأبان أهمية التركيز على البحث العلمي، وتجسير الهوة بين التعليم العام المدرسي والعالي الجامعي.
وقال أمام الجامعات والكليات العربية الآن مهام رئيسية منها: السعي بجد لتحقيق أفضل مخرجات التعليم والمعرفة، والالتفات إلى تنمية مواهب وقدرات المواطنين على التعلم المستمر، وإعداد المواطن والمجتمع ككل للتكيف مع عصر المعلومات، وما يتطلبه من قدرات جمعها وانتقاء النافع منها والمفيد لحل المشكلات، واتخاذ القرارات، والاهتمام بالبحث العلمي في كافة جوانب الحياة، والتركيز على الدور المرتقب للتعليم، المتمثل في رفع مستوى المعيشة ودعم التنمية الشاملة.
وأضاف سعد الدين ان الاهتمام بالتعليم والمعلوماتية هو الطريق الضروري إلى المستقبل، والأساسَ المتين، لعمليات التنمية الحقيقية في المجتمع بل إنني أتفق تماماً، مع الذين يروْن في التعليم، أهم ركائز البنية الأساسية في أي مجتمع حديث، حيث لا يمكن للمجتمع أن يتقدم أو يتطور، من دون أن تكون هذه البنية، قوية وفاعلة قادرة على التعامل، مع مختلف المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، التي تؤثر في هذا العصر ومن ذلك: ظاهرة العولمة، الأزمات الاقتصادية والبيئية والمناخية التي تواجه العالم.
تخلف
لا مكان للعرب بين أفضل 500 جامعة عالمية
صدر أواخر عام2007 عن مركز البحوث المتقدمة والتابع لوزارة التعليم في أسبانيا، الذي يضم أكثر من126 معهدا ومركزا للبحوث منتشرة في أسبانيا ويعتبر في مقدمة معاهد البحوث الأوروبية، تقريرا عن أفضل مئتي جامعة وكذلك أفضل 500 جامعة عالميا.
ودراسة المركز الأسباني أكدت ما جاء في التقارير الصينية من مؤشرات ودلالات، واستندت إلى معايير مشابهة في اختيار الجامعات الأفضل عالميا، إلا أنها تضمنت مؤشرات أكثر تحذيرا وإيلاما لمدى التخلف والتردي لموقف التعليم العالي والبحوث في الدول النامية ومدى اتساع الهوة مقارنة بجامعات العالم المتقدم، وحسب ما جاء في تقرير جامعة شنغهاي لا توجد بالنسبة لنا كعرب أي جامعات على المستوى العالمي. فهناك أربع جامعات من إسرائيل.
بينما في أميركا الشمالية وأوروبا 450 جامعة أي 90 بالمئة من الخمسمائة الأفضل عالميا و395 جامعة 97 بـ المائة في التقرير الصيني عام 2006، بينما ضمت كل من آسيا وأميركا اللاتينية وفي أفريقيا 30 جامعة فقط 6 بالمئة في التقرير الأسباني عام 2007، وتضمن التقرير الصيني 84 جامعة 17% عام2006.
تلك المعلومات الناصعة والساطعة تشير إلى تميز وتألق الجامعات والتعليم الجامعي والبحوث العلمية في المعاهد والمراكز الأفضل عالميا، فقد أشار التقرير إلى الأوضاع المحزنة وموقع الجامعات المتأخرة في مصر والعالم العربي حسب التصنيف ضمن الخمسة آلاف جامعة الأفضل عالميا.
وفازت بالمراتب المتميزة كل من جامعة الملك فهد للبترول وترتيبها 1128 وتلتها طهران 1373، ثم الجامعة الأميركية في بيروت 1418 والجامعة الأميركية بالقاهرة 1704 وجامعة الإمارات 2564 وجامعة القاهرة 3293 والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا 3706 وجامعة المنصورة 4392 وجامعة عين شمس 5062 ولم يرد ذكر أي جامعات في شمال أفريقيا سواء في ليبيا أو تونس والجزائر والمغرب.
وأكد التقرير أن السبق العلمي للدول المتقدمة وتألق جامعاتها مرتبط بعدد العلماء والباحثين فيها ومعدل الإنفاق على التعليم والبحوث كنسبة من الدخل القومي. وتميز تلك الجامعات لم يأت من فراغ، بل يستند إلى الجموع المتميزة من هيئات التدريس والباحثين والموازنات الضخمة المخصصة للبحوث والتي تصل إلى نحو5% من الدخل القومي بينما هي نسبة ضئيلة لا تتعدى 2,0% في مصر.
إن المحك الأهم هو الامتياز العلمي والتفوق الأكاديمي والسبق البحثي والتألق الفكري ووفرة الإمكانات والموارد البشرية والمادية والعلمية والفنية، وهي الحقيقة التي تؤكدها الانجازات العلمية والاكتشافات العملية والجوائز العالمية المحكمة علميا وعالميا بشفافية وأمانة كاملة بدون تجميل أو مبالغة أو تشويه أو تزوير أو خداع أو إخفاء للحقائق.
وليس خافيا على الجميع، الكافة والخاصة على حد سواء، أن النواقص والقصور والسلبيات التي تشوب التعليم الجامعي والبحوث العلمية قد أسهبت في حصرها وتقييمها الدراسات والتحقيقات العلمية والإعلامية والتي شملت مجموعات ضخمة من الأسباب والمسببات تشمل: الأعداد الكبيرة والامكانات القليلة وهجرة العلماء والباحثين، وذلك لتدني الرواتب، قلة المراجع، قصور الموارد، عدم توفر المكان وضعف الإمكانات.
قصور التعليم قبل الجامعي، قصور المناهج، تخلف المقررات، ضعف المهارات، سوء نظام الامتحانات، التقييم العاجز، ضعف موازنات التعليم، قلة الموارد المالية والمادية، عدم الالمام باللغات الأجنبية للاطلاع والبحث العلمي، عدم ربط التعليم الجامعي باحتياجات التنمية البشرية والإنماء، وأيضا التلقين وعدم ا لتركيز على الفهم والاستيعاب، وأد المبادرة الشخصية، المحاباة والمجاملة، الأبعاد السياسية لنظام التعليم، وكذلك التسيب وعدم الجودة في العملية التعليمية، التوسع في منح الدرجات العلمية ودرجات التفوق دونما سند علمي أكيد، مع قصور نظام تقييم وتعيين أعضاء هيئة التدريس.
تدهور
عدم الإدراك لقيمة العلم وراء الابتعاد عن عصره الحقيقي
أكدت الدكتورة سامية سليمان رزق أستاذ بكلية الإعلام بالجامعة الأهلية أن العرب لم يدخلوا عصر العلم الحقيقي بعد، وذلك لأسباب متعددة منها عدم الإدراك المجتمعي لقيمته في تطوير الحياة الفردية والمجتمعية، فلايزال العديد من الأفراد في العالم العربي لا يرون في العلم المفتاح الحقيقي لتطوير الذات وتحقيق مستوى أفضل اجتماعيا واقتصاديا وإنسانيا.
وأضافت ان الثقافة المجتمعية السائدة تعمل ضد التغيير بصفة عامة، بما في ذلك نظام التعليم، حيث نرى رفضا رسميا ومجتمعيا لافكار التجديد العلمي. مثل تطوير طرق التقويم الدراسي، لاحداث تكامل بين القراءة الحرة والمشاركة بالرأي، ونظام الامتحانات التقليدية.
وأوضحت ان لدى بعض الدول العربية قاعدة تقنية لا بأس بها ،أما القاعدة العلمية فهى ضعيفة في اغلب الدول العربية، وهناك إجماع بين المفكرين على ضرورة المراجعة الكاملة للسياسات التعليمية، فلا يزال المعلم والتلميذ يحرصان على العلاقة الأبوية التي تفرض الولاية التعليمية على التلميذ، ما يجعل كلام المدرس مقدسا لا يأتيه باطل،كما ان علاقتهما أشبه بعلاقة الحاكم والمحكوم في المجتمعات غير الديمقراطية.
أضف إلى ذلك أن المضمون التعليمي لا يساير مقتضيات العصر الحديث. كما يلاحظ ان الجيل الجديد في تعامله مع الانترنت كمصدر للمعرفة يخطف المعرفة خطفا دون استيعاب أو نقد لما يقرأ نظرا لتعوده على التلقين المقيت.
وقالت أستاذ الإعلام بالجامعة الأهلية، إن النظم التعليمية تركز على العلم التقليدي سواء من حيث الموضوعات المقررة وعدم ملاحقاتها لتطور العلوم في العالم، او من حيث الأساليب المتبعة في التدريس والتقويم، ولاتزال برامج التعليم تعتمد التلقين ما يفقد الدارس أهم مقومات العقل البشري السوي ومنها القدرة على التحليل العقلي والرؤية النقدية والفكر الابتكاري.
وأشارت الى انه حتى الان لم تدرك الكثير من المؤسسات التعليمية العربية ان التعامل الجاد مع التعليم ، من مرتكزات الأمن القومي والحفاظ على المكاسب المختلفة، واللحاق بركب الحضارة الحديثة، فعصر المعلومات لا يقبل العقل الخامل غير القادر على النقد، والمتشكك في كافة أنواع المعرفة، فلا مكان لنظم تعليمية تدعم التلقين وتحرم النقد ولا تدرك قيمة إدارة الوقت، في وقت أصبح فيه العقل البشرى يبنى قيما جديدة تؤكد التفاعلية وتحترم وتشجع الرؤى النقدية وإنتاج الفكر الابتكاري.
ودعت المسؤولين عن وضع السياسات التعليمية في المنطقة العربية الى ادراك التحولات الهائلة التي تحدث في العالم، ومنها حتمية ادخال التكنولوجيا الحديثة الى طرق التدريس والأخذ بالتعليم عن بعد كأحد حتميات القرن الواحد والعشرين.
وبينت ان بعض المؤسسات التعليمية في البحرين تحرص على إدخال مقاييس الجودة على العملية التعليمية، كما حرصت على إنشاء بعض مدارس المستقبل التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة مع مراعاة التطوير لسياسات التعليم الجامعي وما قبل الجامعي.
القاهرة ـ عماد الأزرق ـ دمشق - أحمد كيلاني ـ تونس ـ ضحى السعفي ـ طرابلس - سعيد فرحات ـ المنامة ـ غازي الغريري

