هذه الحلقة.. تعرض لتناقض الأحوال في الصومال بين طبيعة تقسو بالجفاف ثم تجود بالمطر والكلأ والنماء..

وترسم الحلقة لمحات شخصية من تجربة المؤلف حين التقى في لندن بعدد من القيادات الإفريقية من بينهم روبرت موغابي رئيس زمبابوي. كما يلمح الكتاب إلى دور الاستعمار الإنجليزي في إذكاء الخلافات في بلدان من إفريقيا مترامية المساحة ومتعددة اللغات والجذور العرقية مثل السودان الذي تتوقف سطور الكتاب مليا سواء عند ثراء موارده الزراعية والمائية والمعدنية أو عند واقع الاختلافات السياسية أو الاجتماعية التي ما برحت تحول دون انطلاقة عجلة التنمية. وفي عرضه النقدي للكتاب يوضح الناقد الأميركي «نيكولاس كريستوف» أن الهدف الأساسي للمؤلف هو العمل على تصحيح الصورة المقولبة الجامدة عن إفريقيا بوصفها قارة الحروب والأوبئة واللامستقبل. ويرى أن هذه الصورة النمطية.. «ستريوتايب» كما يسميها علماء الاتصال تستمد جذورها من ذلك الحرص الغريب من جانب ميديا الإعلام على تغطية مشاكل إفريقيا مع تجاهل جهودها وطموحاتها واحتمالات المستقبل على أرضها.

يقول مؤلف الكتاب «ريتشارد داودن»: إن صناعة المعونة (يقصد بها الجهات والدوائر الدولية التي «احترفت» تقديم المعونة إلى إفريقيا)، أصبح لها مصلحة أكيدة في الحفاظ على تلك الصورة الجامدة عن إفريقيا وعن سكانها الأفارقة بوصفهم ضحايا يائسين بغير أمل ولا مستقبل سقطوا في براثن حروب لا تنتهي وصراعات بغير نهاية، ومجاعات مزمنة. وقد نحمد للمؤلف الإنجليزي، وهو صحافي محنك وباحث مخضرم، أن أصدر كتابه في محاولة المحنا إليها لتبديد هذه الصورة النمطية لا من خلال فرض وصاية أبوية أو كاردينالية كما قد نسميها على الأفارقة.. ولا من خلال نظرة أوهام رومانسية لا ترى في القارة سوى مضمار لرحلات السفاري وصيد الوعول بين أحراش الغابات، دع عنك السلوكيات المرفوضة تاريخيا.

تلك التي تصدر عن موقف الاستعمار القديم وهو موقف إمبريالي في الأساس، دفع بجحافل المغامرين والجواسيس المكتشفين والطامعين والمستغلين إلى أصقاع القارة كي يستوطنوا أفضل بقاعها.. الأرض العالية كما كانوا يسمونها في كينيا.. أو يمارسوا أسوأ أنواع استغلال موارد القارة على نحو ما يحفل به تراث الاستعماري العتيد «سيسيل رودس» (1853-1902) أو يكرسوا آفة الفصل العنصري (الأبارتهايد) التي كانت شعار وآليات نظام البوير الوافدين في أصولهم من أوروبا الغربية بعد أن أقاموا نظامهم العنصري للمستوطنين البيض على حساب الأفارقة السود وهم أهل البلاد الأصليون في جنوب إفريقيا على وجه الخصوص. إن هذه النظرة الواقعية إلى حد البرغماتية، الممعنة في معانقة حقائق الحياة على أرض إفريقيا هي التي دفعت المؤلف، لا إلى إصدار أحكام كلية أو معمّمة على أحوال القارة السمراء.. ولكنها حدت به إلى أن يُفرد فصلا مخصصا للحديث بالتفصيل عن كل قطر مهم من أقطارها.

مأساة الصومال

ومن عجب أن يختار المؤلف بداية أحاديثه عن بلد إفريقي.. مسلم وتكاد أخباره تحتل مساحات الصدارة يومياً في ميديا الصحافة والإعلام.. وإن تكن أخبارا لا تسر أحدا من قريب أو بعيد.

يتكلم المؤلف عن: الصومال.

هذا بلد يستمد طابع سكانه من طبيعة تضاريسه: إن الصومال كما يوضح المؤلف صحراء من الصخور والأحجار والرمال.. تراه مسطحا مثل انبساط البحر ثم يروعك انفجار مفاجئ لسلاسل من الجبال التي تكاد تطاول عنان السماء.. معظم مواسم السنة تشهد سطوع الشمس التي لا تسمح لنبات أو زرع اللهم إلا الشوك والصبّار.. لكن ما أن يحّل موسم المطر.. حتى تتحول السفوح والسهول إلى ساحات مغطاة بالخضرة والزهور..

هنالك ترعى قطعان الإبل والماعز والضأن إلى حد أن تشبع حتى الامتلاء حلوقها بصنوف الحشائش النضرة.. هنالك أيضاً تطالع الوجه الآخر من طبيعة الصوماليين رقة الحاشية.. قصائد الشعر المفعمات بمشاعر الحب.. الموّجه إلى الناقة الأثيرة أو إلى المرأة الجميلة على السواء. لكن هذه الطبيعة ما بين الجدْب والاحتفال بالحياة لا تدوم.. الصومال مازال بلدا تنهشه الصراعات العنيفة التي تسبب يومياً بخسائر فادحة في أرواح الناس..

حكومته لم تجد مناصا من التحصن داخل القلاع في العاصمة مقديشو.. حواضره مازالت تشهد قوات من إثيوبيا وأوغندا وغيرهما من هذه القوات من يحمل شعار «حفظة السلام».. ولكن لا أمن ولا سلام.. بل هناك في الصومال من ينظر إلى هؤلاء «الحفظة» نظرته إلى الغزاة القادمين من خارج الحدود. ويختم مؤلفنا سطور الفصل الخامس من كتابه قائلا:

في أوائل عام 2008 كانت شوارع مقديشو قد بلغت من الخطورة على نحو ما كانت عليه أيام الصراع الداخلي في عام ,1992. لهذا لم ير السكان المدنيون بدّا من الفرار للنجاة بحياتهم إلى المناطق المحيطة حيث عانت جموعهم صنوف الحرمان إلى حد الجوع الفعلي. ومع انتصاف عام ,2008. زادت معاناة الصوماليين بصورة مأساوية لم يسبق لها مثيل.. (والمشكلة) أنها مأساة من صنع البشر.. وقد أفضت وقتها إلى تدمير بلد ومصرع الآلاف من البشر الذين انتموا إليه وعاشوا على أراضيه.

ذكريات في لندن

ومن ذكريات عام 2008 إلى ذكريات أسبق في دفتر الزمن المعاصر.. بالتحديد في يوم شتوي قارس البرودة من أيام يناير عام ,1976. في هذا اليوم البارد شق مؤلفنا طريقه وسط الضاحية الإنجليزية المتواضعة «نوتنغ هِاْل» تحت وابل من الأمطار يبحث عن عنوان بيت أشد تواضعا: استقبلته سيدة إفريقية أدخلته دون كثير من ترحيب إلى غرفة جلوس تتوسطها مدفأة قديمة ويجتمع فيها أربعة رجال إفريقيين..

كان أحدهم يرتدي معطفا يبدو أكبر من مقاسه الدقيق ويطل على زائره من خلال عوينات عتيقة جعلته يبدو أقرب إلى موظف متقاعد من خدمة البنوك.. لم يضيع المضيف وقتا في حفاوة الترحيب بل أبدى حرصا على بدء اللقاء.. وكان لقاء مهما إذ قدموه إلى الصحفي الزائر قائلين: هذا هو مستر موغابي.

وكان ذلك أول لقاء تم بين مؤلف كتابنا وبين روبرت موغابي زعيم حركة التحرير، ومن ثم رئيس الجمهورية في زمبابوي. يقول المؤلف عن أول انطباعاته عن موغابي: على غير عادة الشخص الإفريقي، لم يكن لديه وقت لأي مجاملات.. والحق أن كان في عجلة من أمره.. كانوا قد أفرجوا عنه وقتها من أشد السجون صرامة في (روديسيا الجنوبية).

كما كانت تعرف وقتها، وفور الإفراج عمد موغابي إلى شن حملته لقيادة حزب «زانو» وهو اختصار شعار الاتحاد الوطني الإفريقي في زمبابوي.. وهو الفصيل الوطني الذي قاد معركة تحرير روديسيا من سلطة حكم المستوطنين البيض لتصبح زمبابوي تحت سلطة الحكم الإفريقي وبدعم يؤكد المؤلف من جانب الصين، وقد كان من حسن حظ موغابي..

زعامته ونضالاته أن تلقت حركة التحرير الإفريقية دفعة أمل إلى الأمام بعد أن سقط حكم الاستعمار البرتغالي في موزامبيق المجاورة وتولى أمرها حركة فربليمو الإفريقية مما أتاح لجماعة زانو بقيادة موغابي أن تفتح جبهة تحريرية ضد حكم المستوطنين إلى جهة الشرق.

ويوضح المؤلف أن موغابي ما برح التعامل معه صعبا بعد كل هذه السنوات التي تزيد حاليا على الثلاثين عاما كي تستغرق عمر جيل كامل من البشر.. المشكلة في رأي المؤلف أن هذه الزعامة في زمبابوي لم تعمل قط على التكيف مع ضرورات الانتقال السلمي للسلطة.. خصوصاً بعد أن أصبح «نيلسون مانديلا» رمزا لهذه التحولات الديمقراطية بل أصبح تجسيدا للزعيم التاريخي الذي يسلم بيده مقاليد السلطة إلى جيل يأتي من بعده ويتحول من ثم من رئيس للدولة إلى رمز للأمة..

في نفس السياق يتوقف المؤلف ملياً (ص155) عند ميزة لا يملك سوى الاعتراف بها للرئيس موغابي.. وهي مهارة هذا الزعيم الإفريقي في تجنب سهام الانتقاد التي ما برحت توجه إليه من مصادر شتى.. وتجسدت هذه المهارة بالذات ؟ على نحو ما يرصد المؤلف في ما أبداه «الاتحاد الإفريقي» من تضامن ومساندة مع زمبابوي موغابي.. لكن هناك من يروا أن مشكلة زمبابوي أن مضى على تاريخها أكثر من 40 سنة ولم يتول مقاليدها سوى اثنين من الحكام اللذين فرضا سطوتهما على أمور ذلك البلد الإفريقي ومقاليده..

ومن عجب أيضاً أن يرى المؤلف الإنجليزي وهذا رأيه بالطبع أن كلا منهما يمثل وجها لنفس العملة الواحدة.. الأول كان اسمه «ايان سميث» زعيم المستوطنين البيض (رئيس الوزراء حين كان البلد يحمل اسم روديسيا الجنوبية).. والثاني هو السيد موغابي زعيم الأفارقة السود.

أوضاع السودان

وحين ننتقل مع الصفحات إلى الفصل السابع من كتابنا يطالعنا حديث المؤلف الإنجليزي عن بلد شقيق هو: السودان.. ويلاحظ المؤلف للوهلة الأولى والعهدة عليه بطبيعة الحال أن السودان وهو بلد إفريقي كبير حقا يضم 134 لغة يتكلمها أبناؤه على اختلاف المناطق التي يعيشون فيها ولكن هناك لغة بعينها يصفها المؤلف بأنها تتميز بكونها لغة النخبة الحاكمة في السودان وهذه اللغة هي: العربية.

وعلى مهاد العربية يلاحظ المؤلف توصيف هذه الطلائع للسودان بأنه بلد عربي مسلم. في نفس السياق يشير (ص160) إلى أن مشاكل انقسامات السودان إنما ترجع في جذورها إلى موجات الاستعمار المختلفة التي وفدت على أراضيه من أيام العثمانيين إلى أيام الإنجليز.. وفي هذا السياق يعمد إلى استعراض تاريخ السودان الحديث.. ما بين مد الاستعمار البريطاني..

إلى حركة المهدية المعادية للإنجليز إلى تكريس روح الانقسام القبلي والعشائري على يد المستعمرين القادمين من بريطانيا.. إلى شرارة التمرد الأولى في جنوب السودان على يد حركة «الانيانا» المنادية بالانفصال منذ عام 1955 وقد انتهت هذه الحركة بعد الاتفاق في عام 1972 على منح الجنوب السوداني مزيدا من الحكم الذاتي ومزيدا من الموارد الاقتصادية.

ثم يتحول المؤلف إلى انطباعاته عن أزمة دارفور في غرب السودان.. يعرض للتعقيدات ذات الجذور التاريخية التي تكتنف هذه المنطقة ولاسيما من حيث الخلافات بين عناصر تحمل صفة «عربية» وأخرى تحمل صفة «إفريقية».. لكن لا يفوته أن يلاحظ (ص195) أن الأزمات الاقتصادية الخانقة كان لها دور في تفاقم مثل هذه الخلافات ومن ثم تأجيج وطأتها.

في هذا الإطار نقرأ سطوره في توصيف الحالة على النحو التالي: جاءت كوارث الجفاف الرهيبة في عقد الثمانينات لتجعل الحياة من الصعوبة بمكان.. أصبح الحصول على الأرض أو المياه أمرا تحفه القيود وتطلعت قبائل البدو الرحل من حولها فإذا بالطرق والمواقع التقليدية التي تعودت على أن تغشاها وقد أصبحت محاطة بأسوار وإذا بقطعان مواشيها وقد صدّوها عن بلوغ مصادر المياه، وإذا بولاة الأمور يقصّرون عن تقديم الخدمات الأساسية فضلا عن الفشل في تسوية ما نشب من نزاعات محلية.. ثم تفاقم هذا الوضع في مجمله حين شهدت تلك المناطق تدفقا في كميات السلاح من كل صنف ونوع.

في كل حال نلاحظ في سطور المؤلف بقايا التوجهات الإمبريالية التي تجاوزها زمن القرن الحادي والعشرين. المؤلف يحذّر من مزيد من الانقسامات في رقعة السودان الوطنية.. يحذر أيضاً من تعميق ذلك الصدع الذي يطل بسحنته الكئيبة منذرا بعواقب وخيمة.. الصدع الذي يهدد القارة في مجملها وليس السودان وحده بين «عربي» و.. «إفريقي»..

كما يؤكد أهمية العمل على تلافي هذا الصدع وبما قد يفضي إليه من سلبيات على حياة الأجيال القادمة في إفريقيا. يشير المؤلف أيضاً ولو من غير قصد إلى أن السودان لم تعد تنقصه الموارد السخية التي يمكن بها في تصورنا أن يرأب مثل هذه التصدعات في الغرب أو الجنوب من خلال استراتيجية إنمائية قومية وشاملة..

يقول المؤلف في ختام هذا الفصل السابع من الكتاب (ص198): إن الإنتاج في السودان في ارتفاع متزايد وفي عام 2006 وصلت عائدات النفط السوداني إلى 9 مليارات من الدولارات. ولقد توقف المؤلف عند جانب بعينه من موارد السودان.. وهي موارد أكثر من ثرية وأكثر من واعدة ومن شأن سياسة الحوكمة الرشيدة أن تترجم هذه الموارد إلى ما يجعل السودان أرضا للمستقبل.. رغم تلك التحديات.