في هذه الحلقة يوضح المؤلف حقيقة، أو أزمة التناقض التي تعيشها افريقيا في رأيه ما بين الأمل والقنوط، وخاصة في مراحل ما بعد الاستقلال. تلك المرحلة التي بدأت مع أوائل عقد الستينات من القرن العشرين.
اتسمت هذه المرحلة بالصراع: ما بين تطلع الأفارقة إلى مزيد من الحرية والتنمية المستقلة، وفي الوقت نفسه لبقائهم مشدودين على مستوى قطاعات شتى من بلدانهم إلى مجتمعات الغرب في محاولة لمحاكاة أساليب حياة وسلوك المستعمر الأوروبي. وتواصل الحلقة استعراض المحطات البارزة في تاريخ افريقيا في العصر الحديث مع التركيز على وقائع مؤتمر برلين المعقود عام 1884 تحت شعار «التسابق على (استعمار) افريقيا». في هذا المؤتمر تم رسم معالم وحدود خارطة القارة تحت الشعارات والأهداف الإمبريالية العتيدة.. وهي التبشير بالمسيحية ونشر المدنية والاستثمار (الاستغلال) الاقتصادي. ميزة هذا الكتاب.. في تصورنا.. هي الصراحة المباشرة، لأن كثيراً من الكتاب والدارسين من الغرب وقعوا في فخ مزدوج وهم يكتبون عن أقطار الشرق في افريقيا أو آسيا.. وهو فخّ يضم في جانب منه مشكلة النظرة الرومانسية إلى أوضاع تلك الأقطار غير الغربية.. نظرة قد لا تخلو من التعاطف، ولكنها تنضح ولاشك بقدر كبير من روح الوصاية أو التعامل بمنطق سياحي مع شعوب وأوضاع تلك الأصقاع الآسيوية أو الافريقية.. وهي نظرة ترى في تلك الشعوب ما يشبه عيّنات أو تمائم أو أيقونات تنتمي إلى عصور غبرت في كتاب التاريخ.
نفس الفخّ يحوي في جانبه الآخر تشاؤم النظرة الرافضة والمتكبّرة أيضا إلى آسيا وأفريقيا لا ترى في أوضاعهما سوى التخلف والفقر والذباب والرطوبة والصراعات الأهلية، فما بالك وقد أضيفت إلى هذا كله آفة مستجدة تبدو اليوم أقرب إلى الموضات الفكرية والسلوكية، وتحمل اسما عاما ومعلنا هو: الإرهاب. ولكنها تخفي، أو تكاد تخفي اسما مستترا يكاد القوم يعلنونه بين حين وحين وهو: الإسلام. في كل حال فقد نحمد لمؤلف هذا الكتاب أنه يطل على افريقيا من منظور نراه موضوعيا.. صحيح أنه لا يخلو من روح التفهم أو حتى التعاطف.. ولكنه لا يتورع عن رصد الأخطاء وإعلان السلبيات.. وهو ما تلخصه عبارة بليغة ومكثّفة المعاني أوردها كتابنا على صفحة 36 وتقول: إن افريقيا تجسد التناقض بين الجمال والشر.. حيث يتعايش الصبر الجميل والروح الإنساني جنبا إلى جنب مع القسوة والعنف. ثم يحاول المؤلف أن يلقي مزيدا من الضوء على هذه الأحكام التي قد تكون انطباعية.. فيوضح أن سنواته الأولى من الحياة على أرض أفريقيا بدأت مع ربيع سنة 1971 حيث كانت أغلب أقطارها حديثة الاستقلال.. ولم يكد يمضي على نيلها هذا الاستقلال عن إمبراطوريات الاستعمار الفرنسي.. الإنجليزي.. البرتغالي أكثر من عقد من الزمان. يقول المؤلف في نفس السياق: في سنتي الثانية من الحياة هناك قمت بجولة سافرت فيها عبر شرق أفريقيا نزولا إلى زامبيا.. (وقد راعني) أن لمست في تلك الأنحاء نفس التسابق (هل نقول التلهف أو التكالب) على (محاكاة) أسلوب الحياة الغربي.. نفس الرفض للثقافة الأفريقية رغم بقاء أنماط السلوك الأفريقي على ما كانت عليه. والمشكلة أن تلك الدول الأفريقية كانت تتبع معدلا في تنمية اقتصاداتها يستغرق منها عشرات السنين لكي تصل إلى ذلك الأسلوب الغربي في الحياة.. على أن يقتصر ذلك الأسلوب (الأوروباوي) على أقلية ضئيلة من شعوبها.
هنا قد نسأل.. وماذا عن الأغلبية إذن؟ هنا أيضا يسارع المؤلف إلى الإجابة قائلا: هذه الأغلبية كان قوامها مزارعي الكفاف ولكن كانت أجيال الشباب من أبنائهم يرون في التعليم طوق الخلاص من ضيق الحياة في الريف.. ولم يكن بوسعهم أن يصلوا إلى شواطئ الغرب سوى في أحلامهم، اللهم باستثناء أقلية محدودة العدد.
نموذج أوغندا
ويواصل المؤلف رسم أبعاد هذه الصورة السلبية موضحا أن عقد السبعينات الذي عاشه في افريقيا شهد تصاعدا في زيادة السكان وتدهورا في مؤسسات الدولة إلى حد الانهيار الاقتصادي ولم يكن أمام الأفارقة العاديين سوى اللجوء إلى وشائجهم العائلية لمجرد البقاء على قيد الحياة.
في غمار هذه الأجواء عاشت أوغندا، البلد الذي عرفه المؤلف جيدا، ديكتاتورية عيدي أمين على مدار عشر سنوات أو نحوها.. وفي غمارها أيضا تحطمت أحلام الوطنيين وانحسر مد التنمية في أوغندا وفي سائر الأقطار الأفريقية جنوبي الصحراء.. فما بالك يستطرد المؤلف - (ص37) وقد أضيف إلى سوء الحالة.. طائف خطير من الرعب الذي كان وقتها في طور التشكيل دون أن يدري أحد كنهه ولا طبيعته.
ثم يزيدنا المؤلف توضيحا في هذا الصدد ليقول: على مسافة بضعة أميال ليس إلا إلى الجنوب من مدرستنا الصغيرة في جنوبي أوغندا، كانت تقبع البيئة الحاضنة لأخطر كارثة نزلت كالصاعقة على رأس البشر من أيام الوباء الأسود الطاعون منذ 600 عام.. وهذه الكارثة حملت اسم «متزامنة نقص المناعة المكتسب» وقد عرفت، ومازالت تعرف، في طول العالم وعرضه باسمها المخيف:
ومرة أخرى يتوقف بنا الكتاب مع الفصل الرابع عند ذلك التناقض الذي كان، وربما لا يزال مائلا في «الحالة الأفريقية» ويلخصه السؤال التالي: أفريقيا تحمل وصف القارة «البكرالعذراء» بمعنى أنها حافلة بأغنى الموارد الزراعية والامكانات النباتية والساحات الشديدة الخصوبة والثروات المعدنية. ومع ذلك فهي تدخل في عداد المناطق الأشد فقرا في العالم.. فلماذا؟
يقول المؤلف: هي كلمات ثلاث ترد فورا على الخاطر حين نحاول تفسير فشل الجيل الأفريقي الأول لمرحلة ما بعد الاستقلال.. وهذه الكلمات هي: القيادة.. القبلية.. الموارد.
بالنسبة للقيادة.. يؤكد المؤلف أننا لا نستطيع القول بأن زعماء أفريقيا بعد الاستقلال كانوا جميعا من الطغاة الفاسدين.. ولا كان فشلهم معناه انحرافاتهم في مضمار الحكم أو مجال السلوك: ثمة أسباب أكثر عمقا وموضوعية: أن رؤساء أفريقيا الجدد ورثوا بعد الاستقلال سلطات مطلقة كانت تتمتع بها القوى الكولونيالية ولكن الدول التي حكموها كانت تسيطر على المجتمعات القديمة بكل مواريثها ومشكلاتها المتجذرة والمنحدرة من ممارسات تجاوزها زمن التطور بكثير.
هكذا وجد حكام أفريقيا أنفسهم بُعيد الاستقلال وهم يستخدمون أدوات الأسلوب الغربي في إدارة الدولة كي يسيطروا أو يديروا عجلة الحياة والنشاط في مجتمعات تنتمي عقودا طويلة إلى الوراء.. كانوا في رأي المؤلف (ص51) كمن يحاول تدريب قطاعات من الماشية باستخدام كتيبات ترشد إلى تدريب قطاعات من الذئاب.
المواطنة في إفريقيا
ومرة أخرى، فمن أجل تقريب صورة الإشكالية التي تجسدها افريقيا.. يدعو المؤلف قارئيه إلى أن يتخيلوا مثلا.. أوروبا القبلية، بمعنى أوروبا وقد انقسمت إلى قبائل وعشائر وبالطبع إلى أفخاذ وبطون.. تلك هي صورة «المواطنة» في افريقيا. وعلى خلفية هذه الصورة يمضي المؤلف ليقول: إن الاتحاد الأوروبي يضم 23 لغة فقط، ولكن افريقيا (وهي الكيان.. النظير في هذا التشبيه) تضم ,2000. نعم ألفي لغة على أقل تقدير.. فيما تضم أيضا ما بين ستة آلاف وعشرة آلاف كيان اجتماعي، لكل منها أسلوب حكمه وإدارته ونظامه القانوني ونوعية قيادته وأعرافه وثقافته.. فما بالك يضيف الكتاب..
وقد حرمت افريقيا من أن تلعب دورا ملموسا في قيام الدول القومية التي تحكمها اليوم؟ لقد تم تخطيط الحدود الفاصلة بين تلك الدول وفق خرائط مرسومة في أوروبا وبأيدي أوروبيين لم يتح لهم قط أن يتواجدوا لحظة في أفريقيا، ولم يلقوا بالا والحالة هذه إلى النظم السياسية أو الحدود القائمة على أرضها.. بعدها بحوالي نصف قرن..
جاء من يسّلم الافريقيين أعلاما للاستقلال ومن يعزف على مسامعهم الأناشيد الوطنية، ومن يشجع على تأسيس خطوط طيران تحمل اسم بلدانهم وشعاراتها.. فضلا عن جيوش أسسوها ثم قالوا لهم: أنتم الآن مستقلون يستوي في ذلك الكينيون.. أو النيجيريون أو التشاديون... الخ
وبديهي إن لم يكن الاستقلال في حد ذاته أمرا سلبيا.. لكن كان بديهيا بنفس القدر أن يلتفت الحكام الجدد من حولهم.. فيحاول الواحد منهم تجميع التأييد وترسيخ قاعدة السلطة والنفوذ.. فلا يجد سوى الأرومة الاثنية التي انحدر من أصلابها أو الأنساق القبلية التي ينتمي إليها أو الجماعات العرقية ؟ الثقافية التي يدين لها.. وتدين له بالإخلاص والولاء. مع ذلك..
علينا أن أن نوضح مع مؤلف هذا الكتاب أن الأمور لم تكن على هذا النحو من البساطة: إن حكام أفريقيا الجدد في حقبة ما بعد الاستقلال كانوا يصدرون حتى مع إخلاصهم واستقامة مقاصدهم عن تاريخ افريقي ؟ أوروبي بالغ التعقيد. هنا يتوقف بنا الكتاب عند ميراث الاستعمار والسيطرة الأوروبية وآثارهما الوبيلة على أوضاع افريقيا قبل الاستقلال وبعد الاستقلال.
أخطر مؤتمر
في عام ,1884.انعقد أخطر مؤتمر حافل وحاشد لقوى الاستعمار الأوروبي.. ولأنه عقد في عاصمة القيصر الألماني في ذلك الزمان.. فقد حمل المؤتمر اسمه الشهير في حوليات التاريخ الحديث وهو: مؤتمر برلين. وهناك من مؤرخي الحقبة الإمبريالية من تاريخ العالم من يطلق عليه الوصف البليغ التالي: مؤتمر التسابق (هل نقول التكالب) على (استعمار) افريقيا.
وفي كل حال.. يوضح المؤلف أن كان الغرض الأساسي من «مؤتمر برلين» هو نوع من تقسيم الغنيمة التي تحمل اسم قارة أفريقيا ويقول أن الأطراف الأوروبية كانت ترمي إلى تجنب الدخول في صراعات فيما بينها بل تستهدف تقسيم السيطرة على أفريقيا بأسلوب تسوده المودة(!) بين الفرقاء وأيضا دون خوض معارك من المواجهة فيما بين أطراف أوروبا على مرأى ومسمع من أبناء القارة الأمر الذي يمكن أن يشعر معه الأفارقة بأن الرجل الأبيض القادم من أصقاع الشمال كائن له مواطن ضعفه ومن ثم يمكن التصدي له في يوم من الأيام.
تقسيم الغنائم
على مائدة مؤتمر برلين لتقسيم الغنائم الإفريقية.. طرحت خارطة افريقيا فكان أن شارك الجمع الأوروبي في رسم خرائطها وتعيين حدودها واقتسام مساحاتها ولم يكن لديهم في هذا كله سوى معلومات كان قد توصل إليها المغامرون والمبشرون والمستكشفون والتجار البحريون..
ومن ثم جاء تشكيل كثير من الكيانات السياسية الإدارية في أفريقيا حول المواني والثغور والمراكز التجارية.. على السواحل البحرية والنهرية، وبما من شأنه خدمة الهدف الأساسي للزحف الأوروبي. ثم جاء هذا كله في تجاهل تام للمجتمع الأفريقي ذاته.. من حيث تركيبته العرقية وهياكله الثقافية وأعرافه الموروثة ناهيك عن الآمال التي تجيش في صدور أبنائه. و.. هكذا تم استعمار افريقيا.
علامات في التاريخ
في سنة 1405 تم أول اتصال بين آسيا وافريقيا وتم ذلك من خلال زيارة الأسطول الصيني إلى سواحل شرق افريقيا. وفي سنة 1505 جاءت أولى جحافل الأوروبيين إلى افريقيا جنوبي الصحراء. ويعترف المؤلف بأن الأوروبيين كانوا أكثر عدوانية وأشد عنفا وعجرفة من نظرائهم الصينيين.. ويكفي أن الأوروبيين جاءوا في موجات بشرية متدفقة من المغامرين..
وجاءوا من أجل أن يستوطنوا أوطان الافريقيين. وعلى هذا يعلق المؤلف قائلا: من الأيام الأولى للتبادل التجاري، ثم المرحلة التي شهدت تجارة العبيد وبعدها، جاءت السيطرة الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر.. وحتى يومنا هذا.. ظلت أوروبا تفرض مقاليد الهيمنة على افريقيا. لقد غزاها الأوروبيون باسم المسيحية تارة وباسم الحضارة تارة وباسم التجارة تارة أخرى..
ونحن نتصور أن رسالة الدين وحكاية نشر الحضارة والمدنية إنما كانت ذرائع ليس إلا.. ساقتها قوى الاستعمار بعد وصول النظام الرأسمالي في الغرب إلى مرحلة حاسمة كان لابد وأن تشهد التطلع نحو أمرين أساسيين بالنسبة لتطور هذا النظام الرأسمالي: الأمر الأول هو التماس الخامات ؟ المواد الأولية اللازمة لدوران عجلة الصناعة التي أصبحت محور الحياة في أوروبا الغربية على وجه الخصوص. أما الأمر الثاني كان يتمثل في الأسواق المفتوحة التي تستقبل وتستهلك هذه المنتجات الغربية ويحصد من ثم منتجوها ومحتكروها ثروات طالة من فائض القيمة الناجم عن هذه المبادلات.
عدد الصفحات 577
الناشر: بابلك افيرز، نيويورك ـ 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي


