قد يسأل سائل ما هي أهمية مراعاة حقوق غير المسلمين في العاصمة بالنسبة للوحدة أو الإنفصال؟ بدءًا نقول أن بروتوكول اقتسام السلطة ما كان ليتم لولا الاتفاق على الطريقة التي تدار بها العاصمة القومية.
وبالنسبة للوحدة أو الإنفصال نزعم أنه لو كان من بين أهل الجنوب من ينبغي أن يكون أشد استمساكاً بالوحدة لكان هو الجنوبي الذي استقر به الحال في الشمال، وتعلم في مدارسه، وامتهن المهن بين ربوعه، ونمت بينه وبين إخوته في الشمال صداقات، إن لم يكن ودادة وحب. فلئن دفعنا من يُفترض ان يكون اقرب الناس للوحدة لكيما يقول: «هذه ليست عاصمتي»، فما الذي نتوقع منه عندما يجئ الإستفتاء غير أن يقول «وهذا البلد ليس بلدي». لقد جاء قبول الحركة الشعبية بالنظام الذي أسسته اتفاقية السلام الشامل وتضمنه الدستور بشأن العاصمة القومية نتيجة تنازلها عن مقترح يقضي بخلق عاصمة قومية جديدة غير الخرطوم، أو عاصمة مقتطعة من الخرطوم الكبرى تُحكَم وفق قوانين متفق عليها بخلاف القوانين التي تحكم شمال السودان، خاصة القوانين ذات الصبغة الدينية. وكتسوية، تم الاتفاق على أن تبقى العاصمة كما هي عليه تحكمها القوانين السائدة، شريطة وضع تدابير لحماية حقوق غير المسلمين من التنفيذ السيئ لتلك القوانين. لذلك، ركزت الإتفاقية في النصوص المتعلقة بحقوق غير المسلمين في العاصمة القومية على دور النظام القضائي وأجهزة تنفيذ القانون. ما هي هذه التدابير؟
عدم جواز إنتهاك خصوصية الأشخاص ورفض البينات التي يُتحَصل عليها بإنتهاك هذه الخصوصية (حق الخصوصية مكفول لكل مواطن في الدستور إلا أن تكراره هنا أريد به طمأنة قلوب غير المسلمين من سكان العمراعاة المحاكم عند ممارسة سلطاتها التقديرية في توقيع العقوبات الحدية المبدأ الراسخ في الشريعة الإسلامية أن غير المسلمين لا يخضعون لتلك العقوبات وتطبق عليهم عقوبات تعزيرية (تعبير «المبدأ الراسخ» اقترحه الجانب الحكومي ليؤكد أن الذي تطالب به الحركة هو مبدأ إسلامي أصيل)
إصدار منشورات قضائية لإرشاد المحاكم إلى مراعاة وكيفية تطبيق المبادئ أعلاه
إنشاء محاكم متخصصة لإجراء تلك المحاكمات، ونيابات متخصصة تتولى التحريات وإجراءات ما قبل المحاكمة. تشكيل أجهزة تنفيذ القانون في العاصمة القومية على أساس تمثيل لكل السكان وتدريبها تدريباً كافياً بحيث تستشعر التنوع الثقافي والديني والاجتماعي في السودان (الباب العاشر من الدستور)
مبلغ الظن أن هذه الإجراءات لم تتم بدليل استمراء بعض أجهزة إنفاذ القانون، وبوجه خاص ما يسمى بشرطة أمن المجتمع، السير وفق عوائد بائرة بحكم تناقضها مع ما نص عليه الدستور حول حماية حقوق غير المسلمين.
هنالك خطأ شائع مفاده أن الاتفاقية قد أبرمت بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني، هذه ليست هي الحقيقة، اذ ان التوقيع على تلك الاتفاقية تم بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة السودان والتي كان، ولا يزال، يسيطر عليها حزب المؤتمر الوطني. من أجل ذلك توافق الطرفان على الزام أية حكومة قد تفرزها مستقبلاً الانتخابات القومية باحترام الاتفاقية والدستور. الوثيقتان ارتهنتا شرعية أي نظام يرث الحكم عبر الانتخابات في الفترة الانتقالية باحترام اتفاقية السلام الشامل والدستور.
وما كان للاتفاقية ان تنعت بالشمول لولا اقامتها لمؤسسات، أو نصها على قوانين وأنظمة وقيم، أو احتواؤها على موجهات تتناول قضايا الحكم التي تهم اهل السودان جميعاً. ولو لم يتفق طرفا الاتفاقية على ذلك، لكان الزام القوى السياسية بالامتثال لاتفاقية لم تشارك في التفاوض حولها، دعك عن التوقيع عليها، تجبراً وطغوى.
ما هي هذه القيم والموجهات؟ قال الطرفان، مثلاً، في ديباجة بروتوكول اقتسام السلطة:
«واذ يدركان أن التنفيذ السلس والناجح لهذه الاتفاقية يتوقف، الى حد كبير، على حشد أغلبية الشعب السوداني لدعمه»
«واذ يعربان عن اقتناعهما بأن التنفيذ الناجح للاتفاقية سيوفر نموذجاً من الحكم الراشد لأهل السودان يكفل اقامة قاعدة صلبة تجعل خيار الوحدة جذاباً وتحفظ السلام»
أما في استهلال الاتفاقية فقد اتفق الطرفان على الآتي:
«وتنفيذاً لالتزام الطرفين بايجاد تسوية متفاوض عليها على أساس اقامة نظام حكم ديموقراطي يعترف، من ناحية، بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير وجعل الوحدة جاذبة خلال الفترة الانتقالية، وفي ذات الوقت يقوم على اساس قيم العدل والديموقراطية والحكم الراشد واحترام الحقوق الأساسية وحريات الأفراد والتفاهم المشترك والتنوع داخل الحياة السودانية».
ما جاءت به الاتفاقية في الديباجة تُرجم الى نصوص واضحة في الدستور على رأسها وثيقة الحقوق وارساء مبدأ سيادة حكم القانون. هذه المستحقات الدستورية، فضلاً عن أنها بُنية أساسية في نظام الحكم الذي أرسته اتفاقية السلام الشامل والتي دُعي شعب جنوب السودان لقبولها كشرط وجوب لتفضيل خيار الوحدة، هي أيضاً القيمة المضافة لتلك الوحدة. فما هي جدوى الوحدة في ظل وضع لا تُحترم فيه المقومات الأساسة للدستور؟
التحول وجرس الصحيان
في اكتوبر 2007م وقع أمر لم يكن في الحسبان: انسحاب الحركة الشعبية من حكومة الوحدة الوطنية بسبب البطء، وفي رواية التباطوء، في انفاذ الاتفاقية. وكان من المتوقع أن يصبح ذلك الانسحاب جرس صحيان يفيق النائم من غفوته. ذلك الحدث أخذته مؤسسة الرئاسة بما ينبغي أن يؤخذ به من جد، اذ كانت على وعي كبير بخطورة الموقف مما جعلها تميز بين الشجيرات والأكمة.
لم تلتهِ، كما فعل غيرها، بترهات تشغلها عما هو أهم مثل حجب مخصصات الدستوريين الذين كفوا عن العمل أوحرمانهم من وقود السيارات. وعلى أي، تقتصر مذكرة الحركة على القضايا التي تتعلق بالجنوب، بل تضمنت الرئاسة قضايا التحول الديموقراطي التي أولاها القرار الجمهوري اهتماماً بارزاً وصَنَفها على الوجه التالي: تعزيز الديموقراطية، المصالحة الوطنية، تعزيز سيادة حكم القانون، مراجعة جميع القوانين السارية حتى تتلاءم مع الدستور، القضاء، توجيه الاعلام الرسمي لعكس الأجندة الوطنية لبناء السلام والديموقراطية (القرار الجمهوري 341 لسنة 2007م).
في جميع هذه القضايا فرض القرار مواقيت معلومة لاكتمال التنفيذ: المصالحة الوطنية في أو قبل 9 يناير 2008م، مراجعة القوانين (اكتمال الملاءمة بين الدستور والقوانين بحلول 9/7/2008م، اتخاذ قرارات مناسبة وضرورية لتعزيز استقلال القضاء وضمان سيادة حكم القانون بعد التشاور مع مفوضية الخدمة القضائية والمحكمة الدستورية خلال ثلاثة اشهر من اكتمال التشاور، الآن وقد انقضى قرابة العامين من تاريخ ذلك القرار الرئاسي، ولم يزل الجدل محتدماً بين الطرفين حول هذه القضايا.
ولكيما ننعش الذاكرة نقول ان الحركة لم تنتظر مؤتمر جوبا لكيما تسعى لانجاز مستحقات التحول الديموقراطي كما يوحى بذلك مقال للصحفي القدير محجوب محمد صالح (الأيام 32/12/2009م) جاء من بين بحوثه الموثَّقة التي نشرتها تلك الصحيفة.
الحركة فعلت أقصى ما يمكن فعله في اطار اتفاقية السلام لانجاز هذه المستحقات، ألا وهو الانسحاب من الحكومة والانتقال بشكاتها للرأي العام السوداني والوسطاء الاقليميين والدوليين. على أن انجاز التحول الديموقراطي مهمة تستدعي تضافر جهود الجميع، كل حسب قدرته. لهذا، يجب أن يكون السؤال هو ما الذي صنعته كل القوى السياسية داخلياً وخارجياً، بما فيها الحركة، لتحقيق ذلك التحول بدلاً عن القاء العبء واللوم كله على الحركة.
ولعل المحنة الحقيقية تكمن فيما مضى وليس فقط فيما هو كائن. ففي الوقت الذي كانت الحركة فيها في أوج مجدها على المستوى القومي، والأوج هو أعلى مدارج القمر، لم يرضَ لها الكثيرون بأكثر من دور «مساعد الياي، دون أن يكون هنالك ياي حقيقي يحمي السيارة من الارتجاج. كان ذلك. في وقت كانت الحركة فيه تمسك باكثر أوراق اللعبة على كل الصُعد: العسكري، التفاوضي، الدبلوماسي.
فتماماً كما أن الحديث عن الفيدرالية أو الكونفيدرالية اليوم هو حديث بلا معنى ان لم نعد به للأحداث التي وقعت في 1/1/ 1956م، فان الحديث عن التحول الديمقراطي الذي كنا ننعته قبل الاتفاقية «بتفكيك النظام» يصبح، هو الآخر بلا معنى ان لم نستدرك رؤية كل طرف ووسائله العملية لتحقيق ذلك التفكيك الذي كنا نلهج به في سنوات المعارضة.
استفحال الامور
لو وقف الأمر عند هذا لهان، ولكن في خمس حالات تفاقم واستفحل. ما هي هذه الحالات؟
الحالة الأولى: مواءمة القوانين للدستور: لم يعد الحوار حول مواءمة القوانين للدستور حواراً بشأن طرائق الوصول الى صيغة تحقق أهداف الاتفاقية والدستور وتجعل، في الوقت ذاته، التحول من النظام القديم الى النظام الجديد أكثر سلاسة وانسجاماً. على النقيض من ذلك، أصبح مبدأ الغاء القوانين نفسه محل تشكيك.
تدافع أيضاً كثيرون الى المحاماة عن قوانين أخرى فيها شبهة التعارض مع الدستور مثل قانون الأمن الوطني، وهذا حقهم. ولكن عندما يوحي أولئك المحامون بأن المنادين بتعديل القانون يسعون الى اقامة دولة لا يحكمها قانون، ولا تملك المقومات المؤسسية لحماية وجودها، يجنفون في حكمهم. فليس في العالم من دولة لا تشرع القوانين وتبني المؤسسات التي تحمي وجودها.
وليس هناك من دولة لا تمنح تلك المؤسسات السلطات الشرعية التي تمكنها من أداء أهم واجباتها، الا وهو حماية وجود الوطن والدولة. الخلاف بين هؤلاء وأولئك في امرين: الأول هو أن في جميع القوانين التي طالبت الحركة، كما طالبت منظمات المجتمع المدني، باعادة النظر فيها تشوبها شبهة الحد من، أو الأفئات على، الحقوق الأساسية التي ضمنها الدستور الانتقالي للمواطن.
ذلك الدستور يقول (المادة 48) ما يلي: «مع مراعاة المادة 211 من هذا الدستور لا يجوز الانتقاص من الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذه الوثيقة، وتصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الأخرى هذه الوثيقة وتحميها وتطبقها».
وحتى في حالة الاستثناء (المادة 112) والتي تتعلق بحالات الحرب أو الطوارئ يجيز الدستور لرئيس الجمهورية، بموافقة النائب الاول، تعليق جزء من وثيقة الحقوق «ولا يجوز في ذلك انتقاص حق الحياة، أو الحرمة من الاسترقاق، أو الحرمة من التعذيب، أو عدم التمييز على أساس العرق او الجنس أو المعتقد الديني، أو حق التقاضي، أو الحق في المحاكمة العادلة». وان كان هذا هو الحال في ظروف الحرب أو الطوارئ يصبح التهوين من أمر هذه الحقوق في الظروف العادية اثماً «ومن يفعل ذلك يلاقي اثاما».
الثاني، حرصت الحركة عند التفاوض على أن لا تكون هناك أي ثغرة في الدستور تبيح لأي موظف عام، قاضياً كان أم شرطياً أم مدعياً عاماً، الانتقاص من تلك الحقوق باستخدام النص الذي كثيراً ما يرد في الدساتير حول ارتهان ممارسة الحق لتعبيرات فضفاضة مثل «وفقاً للقانون» أو «حسبما يقرره القانون». فدور القانون في وثيقة الحقوق المضمنة في دستور السودان هو تنظيم استخدام تلك الحقوق لا مصادرتها. وطبيعي أن الدستور الذي يُحرِّم حتى على المحكمة الدستورية مصادرة الحقوق لا يمكن أن يسمح بها لمن عداه.
وحتى في حالة القوانين التي تنظم ممارسة الحقوق زاد الدستور نصاً مهماً اقتبس من تجربة جنوب أفريقيا الا وهو تنظيم استخدام الحقوق وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديموقراطي. مثال ذلك ما ورد من اشارة الى كفالة حرية الصحافة والاعلام، خاصة وهذا هو أكثر المجالات التي يلجأ فيها المتربصون بحرية الصحافة لمثل هذه النصوص الفضفاضة للحد من تلك الحرية. يعني هذا أن تنظيم ممارسة الحقوق لا يتم على هوى المشرع وانما وفق ما تواطأت عليه المجتمعات الديموقراطية.
وعلى كل، فان الذي حدا بالحركة الى المناداة بملاءمة بعض المواد في القوانين الموروثة من الفترة الشمولية للدستور هو أن تلك المواد لا تتسق مع تجارب الأنظمة الديموقراطية لأنها، في غالبها الأعم، مواد اقتضتها اما ظروف الحرب، أو طبيعة النظام الشمولي.
ولعل في احداث السابع من ديسمبر ما يؤكد أمرين: الأول هو أن أجهزة تنفيذ القانون تكاد تعيش في العهد الشمولي وكأنا بالاتفاقيات والدساتيرلا تعدو أن تكون قراطيس تزين المكتبات. والثاني هو أن جميع الذين يتعاملون مع الاتفاقيات والدساتير بهذه الدرجة من الاستهانة في حاجة الى اكتناه روح الدساتير التي أدوا قسم الولاء لها.
قانون الأمن الوطني:
قضية قانون الأمن الوطني تتجاوز بكثير موضوع الحجز التحفظي أو آماده اذ لها جوانب ثلاثة: الجانب الأول هو دستورية القانون، والثاني ـ ان أقررنا بعدم تعارض مشروع القانون مبدئياً مع الدستور ـ ما هي طبيعة السلطات التي يمنحها مشروع القانون لجهاز الأمن وضوابط استخدامها. والثالث هو تاريخ الجهاز الذي أنيطت به تلك المهمة، وهو تاريخ لا يدخل البهجة في كثير من النفوس.
في الجانب الأول نبدي أن الدستور قد نص على انشاء جهاز للأمن الوطني «يختص بالأمن الخارجي والامن الداخلي» المادة (151 (1))، كما نص على أن «تكون خدمة الأمن خدمة مهنية «تُركز في مهامها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات المعنية» (المادة 151 (5)).
هذان النصان، بلا مرية، يجعلان للجهاز اختصاصات داخلية وخارجية، كما يطالبانه بالتركيز في تلك المهام على جمع المعلومات وتحليلها. بمعنى آخر، لا تقتصر مهام الجهاز فقط على جميع المعلومات بل تشمل مهاماً أخرى. القضية، اذن، ليست هي منع الدستور لجهاز الأمن من ممارسة أي مهام أخرى غير جمع المعلومات، لأن هذا ليس بصحيح، وانما هي كيف تؤدي هذه المهام دون اخلال بالدستور.
خاصة فيما يتعلق بحماية الحقوق الأساسية وسيادة حكم القانون. وتعنى سيادة حكم القانون، بالمقام الأول، أن ليس هناك من هو فوق القانون. فحتى رئيس الجمهورية ونائبه الأول يحاسبان أمام المحكمة الدستورية في حالة الخيانة العظمى أو الانتهاك الجسيم لأحكام الدستور أو السلوك المشين المتعلق بشؤون الدولة وفق شروط معينة (المادة 60 (2)).
لهذا فان اضفاء اية حصانة على الجهاز أو موظفيه أزاء أدائه لمهامه، أو أدائهم لمهامهم، بصورة تؤدي الى انتهاك الحقوق الدستورية للمواطن لن تكون أمراً مقبولاً. هذا بالطبع لايلغي الحصانة التي تمنح للموظف العام أثناء أدائه لواجبه ازاء أي عمل قام به بحسن نية وبقدر معقول.
من الجانب الثاني، فليس في الاحتجاز التحفظي كاجراء ما ينبغي أن يثير اللغط. ففي جميع دول العالم قوانين تبيح للأجهزة الأمنية الحجز التحفظي على المتهمين، وغالباً ما يكون ذلك في قضايا تتعلق بالارهاب، أو زعزعة النظام بعمل ملموس، أو الاعداد لمثل هذا العمل. على أن لذلك الاجراء شروط لا يتم الا بها. من ذلك أن يكون الاعتقال لآماد محدودة ووفق ضوابط معينة على رأسها مثول المتهم أمام القضاء. مثال ذلك:
الهند: يسمح قانون منع الأنشطة التخريبية باعتقال أي شخص من جانب أجهزة الأمن لمدة اربع وعشرين (24) ساعة يقدم بعدها الى قاض، ويمكن لذلك القاضي أن يمدد الاعتقال الى مائة وثمانين (180) يوماً في حالة جرائم الارهاب وتسعين (90) يوماً في اي جرائم تخريبية أخرى عقوبتها الاعدام او السجن مدى الحياة
الجزائر: يبيح قانون مكافحة الارهاب أو زعزعة النظام الاعتقال بدون امر قبض من قاض لمدة خمسة عشر (15) يوماً
استراليا: يبيح قانون مكافحة الارهاب (2006) اعتقال المتهم تحت ذلك القانون لمدة ثمانية وأربعين (48) ساعة على المستوى الفيدرالي، واربعة عشر (14) يوماً على المستوى الولائي (المقاطعات) بعد تأكد القاضي من أن هناك سبباً معقولاً بأن المتهم سيقوم بعمل ارهابي، أو يخطط لمثل ذلك العمل، كما يُسمح للمتهم بلقاء محاميه شريطة أن يكون اللقاء تحت مراقبة الجهاز الأمني
كندا: بموجب قانون مكافحة الارهاب يجوز احتجاز أي شخص غير كندي الجنسية لمدة ثمان و اربعين (48) ساعة تمهيداً لترحيله خارج البلاد، ولا يجوز تطبيق هذا القانون على المواطن الكندي الذي يكفل له الدستور حق المساواة أمام القانون، والمحاكمة العادلة أمام قضاء محايد، وتغليب الشك لمصلحة المتهم.
ماليزيا: يحق للشرطة تحت قانون الأمن الداخلي (1960) اعتقال أي شخص لمدة ستين (60) يوماً دون أمر قبض، ويمكن للمتهم بعد هذه الفترة أن يتقدم بطلب لمثول الجهة التي اعتقلته أمام القضاء (habeas corpus petition) لمراجعة القرار، ويحق للقاضي مراجعة القرار ان صحبه خطأ اجرائي.
الفلبين: يبيح قانون الأمن الانساني (2007) لأجهزة الأمن اعتقال أي شخص دون أمر قبض من قاض لمدة ثلاثة (3) أيام يقدم بعدها للقضاء. وفي حالة عدم تقديمه للقضاء بعد انقضاء تلك الفترة تعاقب الجهة التي حالت دون المثول أمام قاض بالسجن لمدة عشر (10) سنوات.
نرى في كل هذه الحالات أولاً أن الاعتقال التحفظي ليس بالأمر الغريب على الأجهزة الأمنية، ولكن نرى أيضاً أن هناك ضوابط مهمة لأوامر الاعتقال تلزم السلطة التي تمارس. بأن لا يتجاوز الاعتقال أمداً معقولاً يقدم بعده المتهم للقضاء، أو يعرض الأمر لمراجعة قضائية، أو يخضع الاتهام لتحقيق جنائي عبر النيابة.
وفي حالات أخرى لا يتعرض المواطنون أبداً لاعتقال تحفظي (كندا) لتعارض ذلك مع الحقوق الاساسية التي يكفلها الدستور للمواطنين. كما هناك حالات تتعرض فيها الجهة التي قامت بالاعتقال التحفظي لمحاسبة، بل لعقاب صارم، ان تجاوزت مدة الاعتقال التي حددها القانون (الفلبين). أهم من كل ذلك، ليس من المقبول مطلقاً تسخير الأجهزة الأمنية لحماية حزب حاكم حتى وان كان ذلك الحكم ديموقراطياً مبرأ من كل عيب.
بوار مفوضية العاصمة
كل لا تثريب على جهاز أمن المجتمع وغيره من أجهزة أمنية أخرى ان داومت على نهجها القديم، طالما قَصَر عن واجبه من أنيط به إعادة تأهيلها وتوعيتها بحيث تستبطن عند أدائها لمهامها المبادئ التي أسسها الدستور.
ذات القصور يلمسه المرء في إرشاد المحاكم إلى كيفية مراعاة ما نص عليه الدستور حول حقوق غير المسلمين بالعاصمة، أو في إنشاء محاكم ونيابات خاصة لهذا الغرض، أو في فرض القضاة، في حالات إدانة غير المسلمين في جرائم حدية، لعقوبات تقديرية مخففةpenaltieremitted ويكاد المرء يظن ان رجال النيابة والقضاء الذين يغفلون كل ما قال به الدستور حول عدم فرض عقوبات حدية على غير المسلمين لا يتجاوزون الدستور فحسب، بل يتجاهلون ما قالت به الشريعة، أو ما اسماه الدستور: «المبدأ الراسخ في الشريعة الإسلامية أن غير المسلمين لا يخضعون للعقوبات الحدية وتطبق عليهم عقوبات تعزيرية».
أجهزة إنفاذ القانون، بمقتضى طبيعة الأشياء، ينبغي أن تكون على قدر فائق من الحساسية نحو كل مواطن، ناهيك عن أولئك الذين نص الدستور على إيلائهم إعتباراً خاصاً. ولعله من المفيد أن نذكر أن واحداً من الأسباب التي قادت لانسحاب الحركة الشعبية من الحكومة في أكتوبر 2007 إقتحام قوات الشرطة لمقار ومنازل للحركة الشعبية والجيش الشعبي في الخرطوم.
ومن البديهي ان الأجهزة التي لا تأبه للحصانة المفترضة لدور حزب حاكم، أو منازل لقادة عظام في الجيش الشعبي والذي هو بنص الدستور جزءٌ لا يتجزأ من القوات الوطنية المسلحة، لن يأبه لمن هم أدنى. صحيح أن إجراءات إداريه قد أتخذت تجاه المسؤولين عن تلك الأفعال، غير إن الإجراءات الإدارية وحدها لا تكفي إن لم تتم التغييرات الهيكلية التي نص عليها الدستور.
ما الذي يترجاه المرء من مثل هذه المفوضية ؟ بادئ ذي بدء نقول أنه كان من الواجب أن تتكون تلك المفوضية من جماعة محددة من القانونيين والإداريين وقدامى الشرطيين، ولكن بدلاً عن ذلك تكونت من ثمانية وعشرين عضوا جاءت أغلبيتهم (24 عضواً) من ممثلين للحزبين إضافة إلى ممثل لحزب الإخوان المسلمين .
ولحكمة ما قرر الطرفان تكوين المفوضية على ذلك النحو من رجال ونساء جديرين بالإحترام، ومنهم كثرٌ ذوو مِرة. رغم ذلك يتبدى لنا أن ذلك التكوين لم يأخذ في الإعتبار طبيعة الواجبات التي أنيطت بالمفوضية، وهذا زلول في الإختيار يتشاركه الطرفان وينبغي أن نعترف به. فدور المفوضية ليس هو التقريب بين أهل الديانات، أو خلق الانسجام فيما بين المسلمين وغير المسلمين، أو شرح مقاصد الشريعة، أو الوعظ حول التسامح الديني.
دورها الأساس هو مراقبة ما تقوم به أجهزة تنفيذ القانون والهيئة القضائية من أجل حماية حقوق غير المسلمين، ومتابعة تدريب أجهزة إنفاذ القانون حتى تصبح أكثر وعياً وحساسية بالتنوع في السودان، ورصد الخروقات الدستورية بغرض رفعها لرئاسة الجمهورية.
لو تم ذلك، لما تكاثرت الشكاوى حول مسلك بعض أجهزة تنفيذ القانون تجاه غير المسلمين من الجنوبيين والأقباط، وعلى رأس الشكاة الحركة الشعبية التي اصدر مكتبها السياسي مؤخراً قراراً في إجتماعه الذي تم في 16 ـ 20 اغسطس 2009 يدعو فيه مؤسسة الرئاسة لتمكين المفوضية من أداء واجبها الرقابي.
ولعل الذي يحثنا اليوم للإفضاء بهذا الرأي المؤتمر الصحفي الذي عقده الأمين العام للمفوضية قبل بضع أسابيع ليتحدث فيه عن دور المفوضية في «تحقيق الوحدة الجاذبة والمحافظة على ترابط المجتمع السوداني ثم الدعوة والتنوير والتنسيق والحوار الوطني والديني بين كافة أبناء الشعب السوداني». خلافنا مع المفوضية، إذن، ليس هو حول هذه المنطلقات الفكرية، إذ أنها محقة كل الحق في الظن بأن رضا غير المسلمين، وبخاصة الجنوبيين في العاصمة، هو أحد المفاتيح لباب الوحدة. الخلاف حول الدور الرئيس للمفوضية، ألا وهو الإطمئنان على تطبيق ما نص عليه الدستور لكيما تبقى الخرطوم عاصمة لكل أهلها، مسلمين كانوا أم غير مسلمين.
وكان آخر ذلك البوار هو إقتياد فتاة قاصرة غير مسلمة (سيلفا كاشف) إلى ساحات القضاء والحكم عليها بثمانين جلدة لإرتدائها لزي فاضح وكأن أمن المجتمع وإطمئنان أهله، بمن فيهم من دخل دار الإسلام مستأمنا، لا يكتمل الا بتتبع ما ترتدي الفتيات من زي خرجن به اما من بيوت أبائهن وامهاتهن، أو من الدور التي يتلقين فيها الدراسة، أو كأنه لا يتم إلا بمعاشرة الذين لا يشاركوننا الديانة على غير أخلاقهم ودينهم.
المجتمع هو الآباء والأمهات من المسلمين والمسلمات، كما هو غير المسلمين الذين أباح لهم دينهم ما لا يُباح للمسلمين. قصة هذه الفتاة كان ينبغي أن تكون محل إهتمام فائق من المفوضية، فأي منطق هذا الذي أباح للقضاء تطبيق حكم شرعي (الجلد) على فتاة قاصرة غير مسلمة ينص الدستور على فرض عقوبة مخففة عليها إن كان لابد من الإدانة، في الوقت الذي قرر فيه نفس القضاء الحكم بالغرامة على سيدة أخرى مسلمة (لبنى حسين) لإدانتها بنفس التهمة ودون أن يمنحها الدستور أي تميز يجيز للقضاء تخفيف الحكم عليها.
أهو أن الباسلة لبنى قد فرضت نفسها على الأيكونومست، والتايمز، ووزارة الخارجية الأميركية، وقصر الأليزيه في باريس فارتعدت فرائص قوم، أم أن القاضي قد إجتهد الرأي ولم يألو فقاده إجتهاده إلى تجاوز الدستور، بل قاده إلى النفور مما جاء به الكتاب «وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكُم بما نزل الله فأولئك هم الفاسقون».

