هذا الكتاب يجمع فيه أسلوب المؤلف بين موهبة السرد الروائي حيث يستعرض تراجيديا إفريقيا بكل ما عانته من مواريث الاستعمار ومن تركة التخلّف والتناحر العرقي.
ويعبر أسلوب المؤلف عن قدرة الباحث الدارس على استيعاب أبعاد وأعماق المشهد الأفريقي المعاصر، بما يحفل به من تناقضات اجتماعية ومشكلات اقتصادية، فضلاً عن أشواق مشروعة تراود الأجيال نحو الحوكمة الديمقراطية والعدل الاجتماعي على مهاد من التنمية التي تنجح في استثمار ما تحفل به أفريقيا من موارد زراعية ومعدنية، وما يرتبط بها من مزايا الموقع البري والسواحل. ويستمد الكتاب سماته من أنه لم يكن مجرد نتاج لبحوث أكاديمية، وإنما تجربة ثرية عاشها المؤلف على الأرض الأفريقية منذ شبابه.
وهذه الحلقة يبرر أسباب تركيزه على أفريقيا جنوب الصحراء بعد أن استبعد التعرض للشمال الأفريقي بحكم ثقافتها وعلاقاتها بالعروبة والإسلام والمتوسط.. كما يسجل أول زيارة قام بها للقارة في 1971 حيث استقر به المقام مدرسا في قرية متواضعة في أوغندا وبعدها ارتبط مصيره بأفريقيا كاتبا وصحافيا وخبيرا في تاريخها وحاضرها. ثمة تصدير بليغ لهذا الكتاب بقلم واحد من أعلام الشخصيات الإبداعية على مستوى أفريقيا والعالم كله هو الروائي الأفريقي «شينوا اتشيبي». في سطور التصدير يؤكد «أشيبي» أن أفريقيا هي أولا وقبل كل شيء قارة يعيش فيها البشر وليست مجرد منتجع للسياح ولا هي موقع للطرافة أو الاستغراب. يضيف الروائي الأفريقي موضحا أن القارة السمراء عاشت، بل عانت تاريخا من العذاب، ومازالت ترزح تحت ميراث من الاضطراب السياسي والعقائدي والاجتماعي فضلا عن الصراعات العرقية والقطرية والعشائرية. لهذا يحمد لمؤلف هذا الكتاب أنه اختار أن يتناول أفريقيا من منظور الناس، البشر الذين يعيشون على أرضها.. وليس من منظور الزائر العابر أو السائح الذي لا يهمه سوى متعة ما قد يقضيه بين ربوعها أو أحراشها من أيام.
أكثر من هذا، فقد أحسن المؤلف صنعا لأنه لم يتعامل مع القارة من منظور الوصاية أو مجرد عطف الكبير على الصغير.. بل تعامل مع أفريقيا وأحوالها ومشاكلها من منظور محاولة الفهم ودراسة التاريخ وجدية التعامل النقدي ـ أو الموضوعي ـ مع قضايا القارة في الحاضر وفي المستقبل. ويتألف كتابنا من 18 فصلا ويتضح لأول وهلة، ومن واقع مطالعة عناوين هذه الفصول، أن المؤلف يتناول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ـ وتلك عادة مؤلفي الغرب الذين يطلقون على هذه المنطقة وصف القارة السوداء.. في حين يستبعدون مناطق الشمال الأفريقي على اعتبار أنها تنتمي في الأساس الى العالم العربي.. مغرب العالم العربي على وجه التدقيق فيما تنتمي بنفس المقياس الى حوض البحر المتوسط. وأيا كان الأمر، فنحن نطالع من الإطلالة الأولى على بدايات كتابنا، أسماء أقطار من قبيل أوغندا والصومال وزيمبابوي وأنغولا والسنغال الى الكونغو وجنوب أفريقيا وكينيا..
وإن كان يلفها جميعا ما يشبه الخيط أو العقد الفكري الذي يطوق هذه البلاد بأسرها.. وهو طوق يبدأ مع الفصل الأول من الكتاب بأن يعرض لما يسميه المؤلف بالصور والحقائق.. الى أن يختتم الكتاب في فصله الأخير بما يسميه المؤلف لدى ختام صفحاته التي قاربت الستمائة بنظرة على أفريقيا الجديدة.
الصيت والحقيقة
لأفريقيا صيت شائع يتمثل في الفقر.. المرض.. الحرب. والغريب أن الزائر لأفريقيا قد يفاجأ بمقدار الترحيب والحفاوة اللذين يلقاهما هناك.. حيث الأفارقة يتمتعون بوفرة مما يمكن أن نطلق عليه وصف كرم الضيافة أو هو المهارات الاجتماعية التي لا يتعلمها الناس في مدرسة، ولكنها تشكل جزءا من الأعراف التي يشبّون وينشأون على احترامها وممارستها.
ثم يعرض المؤلف للانطباعات الأولى التي تراود زائري القارة.. القادمين من أقطار الغرب على وجه الخصوص.. يقول: عند وصول الغربيين الى أفريقيا لأول مرة يروعهم ذلك البهاء الساحر وذلك الحجم الكبير.. هناك.. حتى السماء تبدو أعلى من المعتاد.. هنالك يفاجأ الزائرون بأنهم قد تخففوا من أشياء كثيرة وانفتحوا على أمور أكثر.. يتجردون من الكوابح والقيود يشعرون بدفق زائد من الحياة.. بل والصدق مع النفس.. ومنهم من يبدأ في فهم السبب الذي جعله يشعر أنه إنما كان يعيش نصف حياة لا أكثر.
ويروي المؤلف تجربة حوار مع صحافي جاء الى لندن من قارة أفريقيا.. اسمه سوني عمر.. زائر من شمال نيجيريا (حيث الأغلبية من المسلمين ).. سأله المؤلف: ما الذي يروعك في أول زيارة لك الى لندن؟
أجاب: رأيت الناس يسيرون مسرعين لا يلوون على شيء ولا يتكلمون مع بعضهم البعض.. بل لا يتبادلون تحيات الصباح.
ربما يأتي هذا الشغف الذي لا يزال يستبد بمؤلف هذا الكتاب بكل ما تمثله القارة الأفريقية وخاصة في أجزائها وأقطارها الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى.
يقول في هذا الصدد: ليس معنى هذا الاستبعاد للشمال الأفريقي أو الجزر الأفريقية أن أفريقيا جنوب الصحراء منطقة واحدة أو متجانسة. العكس هو الصحيح: إن أفريقيا السوداء هي أكثر المناطق تنوعا على سطح كوكبنا: ما بين صحارى ناميبيا المحرومة من المطر الى الثلوج المتقلصة بالانكماش فوق جبل كلمنغارو، ما بين أراضي شجيرات السافانا عند الغرب الى الغايات المتكاثفة الباسقة الأشجار في حوض نهر الكونغو.. كل هذه التنوعات تؤكد أن أفريقيا حباها الله سبحانه بتشكيلات واسعة النطاق من أنواع النبات والحيوان.. فما بالك وهي تضم أكثر من 2000 لغة وثقافة.
بدايات الوعي
بعد هذا العرض الاستهلالي يعود بنا الصحافي البريطاني المخضرم مؤلف الكتاب الى بدايات نشأته وإرهاصات ارتباطه بالقارة. في أوائل خمسينات القرن الماضي ذهب جده الى غانا اذ كانت أيامها مستعمرة بريطانية تحمل اسم «ساحل الذهب».. كانت مهمته هي إحصاء المواليد والزيجات والوفيات بمعنى إجراء أول تعداد للسكان هناك..
عاد الجد في أوائل الستينات وفي جعبته أكثر من حكاية يرويها عن أفريقيا.. خلال تلك السنوات ظل مؤلفنا ـ إذ كان صبيا ـ يصغي الى جهاز الراديو العتيق بلونه البني الغامق في ركن منزل أسرته وقد ترامت منه أنباء عن صراعات وحروب وأسماء وجماعات كلها تتعلق بقارة بعيدة اسمها أفريقيا.. في هذا الإطار تسَامَع الصبي عن الماو ـ ماو وهم الجماعات المطالبة باستقلال كينيا..
وعن مذابح ارتكبت في الكونغو (لم يقل المؤلف ان ارتكبها جنود الاستعمار البلجيكي وأعوانهم الأوروبيون الذين اغتالوا باتريس لومومبا الزعيم الذي تحققت على يديه ملحمة استقلال الكونغو).
في نفس الظروف قُيض للمؤلف.. وكان يخطو الى سنوات المراهقة، أن يطلع أيضا على جانب كان مستترا من جوانب الحياة والتاريخ في أفريقيا.
مع الستينات.. جاءت إلى منطقة «ورسستر» بانجلترا حيث تعيش عائلته موجات من موظفي المستعمرات السابقين.. يطلق عليهم المؤلف الوصف التالي:
المنفيون الكولونياليون
رجال لوحت الشمس وجوههم.. يتسمون بأناقة الملبس إذ يختالون في ستراتهم البليزر الداكنة الزرقاء ذات الأزرار المذهبة اللامعة.. ويدققون كثيرا في اتباع آداب وأعراف الاتيكيت: كانوا يعملون موظفين وضباط شرطة في كينيا وغانا وأوغندا (مستعمرات بريطانيا سابقا) وكانوا يتصرفون بروح من الاستعلاء..
أما النساء (زوجاتهم) فكان يفوح بين صفوفهن أريج العطور النفاذة من ملابسهن القطنية مع لمسات الاستعلاء وترديد الشكوى بغير انقطاع.. كان الرجال بشواربهم الكثة.. والنساء بعطورهن القوية.. لا يفتأون يشيرون في أنفة ملحوظة الى أولئك ال.. الأفارقة.. أو هؤلاء ال.. المحليين أولاد البلد.. فيما ظل المؤلف يستمع باستمرار الى معزوفة لا يمّل القادمون من ترديدها وتلخصها عبارة واحدة هي: إنهم ليسوا مستعدين بعد لنْيل الاستقلال.
بعدها كان الرجال من ذوي السترات الأنيقة الزرقاء والأزرار المذهبة اللامعة يسوقون أحاديث عن.. ثورات تندلع.. وشيوعيين يستولون على مقاليد الأمور.. و خدم من الأفريقيين يسرقون.. السكر من مطابخ السادة (الإنجليز)!
مع هذا كله فلم يفت فتانا (المؤلف) أن يلاحظ أن هذه الأحاديث بما حوته من غرور واستعلاء كان يشوبها نغمة حزن وأسى وشعور بالضياع.. وفي هذا يعلق المؤلف قائلاً: فيما كانت جلودهم تقشعر من برودة «ورسستر» كانت أرواحهم تحترق شوقا إلى أفريقيا.. فردوسهم المفقود.
صيحة الحرية
في غمار هذه السنوات التي شهدت عبور المؤلف الى سنوات المراهقة ومن ثم إلى مدارج الشباب.. كان يتوقف مليا (ص12) عند مفارقة ملحوظة من حيث المعنى والدلالة:
بين سلوك هذا الجيل من قدامى الموظفين والمسئولين الاستعماريين (كانوا بقايا الهيلمان الإمبريالي الذي طالما نعمت به إمبراطورية بريطانيا العظمى).
وبين صيحة فريدوم ـ الحرية التي كانت تتردد أصداؤها عبر برامج ورسائل وتحقيقات إذاعات البي بي سي من أقطار أفريقيا نقلا عن المظاهرات والتجمعات والمؤتمرات التي كانت تعقد في حواضر وأرياف وبوادي وغابات تلك الأقطار المتلهفة وقتها على نيل الاستقلال.
أكثر من هذا
صيحة «الحرية» ما لبثت أن تدعمت وتأصلت في نفوس جيل المؤلف نفسه حين التحق بالجامعة في عام ,1968. هو العام الذي شهد ـ كما هو معروف ـ مظاهرات الشباب في فرنسا لتغيير الأعراف المرعية في التعليم الجامعي كما شهد سلسلة من الانتفاضات والمظاهرات المناهضة لدور أميركا في حرب فيتنام.
لكن وسط هذه الأجواء المشحونة.. كان للمؤلف وهو في تلك السن الشابة آراء أخرى..
يقول: لم أكن لأقتنع بمجرد السير في المظاهرات ورفع اللافتات أو ترديد الشعارات.. كم شعرت أن المظاهرات لن تغيّر الأوضاع وكنت أريد أن أفعل شيئا حقيقيا بشأن ما كنت أسمع عنه من أحوال الفقر وصنوف المعاناة.. آمنت يومها بأنك إذا أردت تغيير العالم يتعين عليك أن تذهب إلى هناك.. أن تعيش مع أفقر الفقراء كي تغير حياتهم.
مدرس في أوغندا
هكذا قرر الفتى ريتشارد داودن أن يمتهن حرفة التدريس.. ولم يتردد بدوره في قبول عرض كي يعمل معلما بمدرسة ريفية في أوغندا و.. هكذا تم أول لقاء بينه وبين القارة التي طالما سمع عنها.. عن أحوالها ومعاناة أهلها وكان ذلك بالتحديد يوم 18 مايو عام 1971.
يقول المؤلف: بيتي الجديد كان منزلا صغيرا على حافة جبل.. من نافذته كنت أستطيع رؤية بحيرة فيكتوريا عبر مزارع شاسعة ينبت فيها الموز وتسودها خضرة مترامية بغير حدود..
و.. هكذا بدأ المؤلف منذ فجر شبابه حياته مدرسا متواضعا في أرياف أفريقيا.. وفي منطقة بحيرة فكتوريا الأوغندية على وجه التحديد.
يواصل توضيح أنماط هذه الحياة قائلاً: فيما يعيش الناس في الوديان، فهم يتركون سفوح الجبال المغطاة بخضرة النبات كي ترعى فيها قطعان الحيوان.. وأهمها البقر ذو القرون الطويلة التي تذكرّك ولاشك بالتصاوير التي اكتشفوها في مدافن قدماء المصريين، تلك التي يرجع عمرها إلى فجر تاريخ البشرية.
كان سعيدا.. لكن مشكلته ـ كما يحكي في أواخر الفصل الثاني من الكتاب ـ أن الأفارقة، وخاصة أجيالهم الطالعة، كانوا يتهيئون للتخلي عن ثقافاتهم الشعبية وعن تراثهم الأصيل الموروث.. كانوا مبهورين بالغرب.. ويتطلعون إلى محاكاة أساليب حياته.
تناقضات خطيرة
كان أشد ما أحزنه هو تلك المفارقة التي عايشها ورصدها: بين أسلوب الحياة البسيط.. المفعم بالنقاء والتصالح مع النفس والطبيعة والتطلع إلى المستقبل.. وبين ما استجد من تطلع إلى الأبهّة المغرورة والرخاء المستورد والإسراف في تبديد الموارد بشكل غير راشد وغير مسؤول.
يقول المؤلف في هذا السياق (ص34): وهاائنذا بعد 30 عاما استعيد صور الإسراف المغرور في سلوك عدد من حكام أفريقيا ومسؤوليها.. ما بين وزير في غانا اصطنع سريرا من الذهب الخالص كي ينام عليه.. أو بوكاسا الذي بدد موارد جمهورية أفريقيا الوسطى في حفل تتويجه بلقب إمبراطور، أو موبوتو رئيس الكونغو الأسبق الذي استأجر يوما أفخم طائرة من طراز الكونكورد عابرة المحيطات في رحلة مخصوصة مع أسرته من الكونغو إلى نيويورك.. وكان الهدف ببساطة شديدة هو: هواية التسوق ومتعة التبضع من المحلات الأميركية.
المؤلف في سطور
مؤلف الكتاب «ريتشارد داودن» يشغل موقعا غاية في التميز بالنسبة لموضوع الكتاب وهو: مدير الجمعية الملكية الأفريقية ذات السمعة الطويلة تاريخيا والعريضة من حيث الإنجازات، التي تتجلى في طليعتها تلك الإمكانات التي قدمتها الجمعية البريطانية من أجل استكشاف الأصقاع شبه المجهولة من القارة الأفريقية وخاصة منابع ومسارات أنهارها العظمى..
ما بين نهر الكونغو إلى نهر النيل. وقد أمضى المؤلف عقدا كاملا من الزمان مقيما في أفريقيا ومعايشا لمشاكلها وتطلعتها إذ كان هو المحرر المسؤول عن القضايا الأفريقية في صحيفة «الاندبندنت البريطانية» وبعدها قضى المؤلف عشر سنوات أخرى حين كان مسؤولا عن تحرير مجلة «الايكونومست»..
بهذا استطاع «ريتشارد داودن» أن يجمع بين الخبرة الشخصية المباشرة وبين تجميع وبلورة هذه الخبرات المباشرة بأسلوب الكاتب الصحافي والخبير الإعلامي، سواء في عدد من الأفلام التسجيلية المهمة عن أفريقيا، وقد أذاعتها هيئة البي. بي. سي على شاشات التليفزيون أو في دراسات تجمع بين الرصانة والطلاوة، ومنها هذا الكتاب.
عدد الصفحات 577
الناشر: بابلك افيرز، نيويورك ـ 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي



