استفاق اللبنانيون فجر أمس على خبر كارثة جوية إنسانيّة حلّت في سماء بلدهم، ففوق مياه منطقة الدامور السعديّات المؤدّية إلى جنوب لبنان سقطت طائرة تابعة للخطوط الجويّة الأثيوبيّة بعيد إقلاعها من مطار الشهيد رفيق الحريري الدولي وعلى متنها 90 شخصاً بينهم 54 لبنانياً.. وتتجه كل التحليلات إلى رداءة الطقس مع الاستبعاد الرسمي للاحتمال التخريبي.
وكانت الطائرة الإثيوبية ذات رقم الرحلة 409، وهي من طراز بوينغ 737-800 اختفت من عن شاشات الرادار في برج المراقبة في الساعة 10:2 صباحاً بعد أقلّ من خمس دقائق من إقلاعها من مطار بيروت، على بعد ثلاثة كيلومترات ونصف غربي قرية الناعمة الساحليّة، وفق تحديد رجال الإنقاذ، حيث كانت في طريقها من العاصمة اللبنانية إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. ووفق المعلومات التي ترجحها مصادر من مطار بيروت التي تحدثت إليها «البيان» فإن سبب سقوط الطائرة التي لم يعثر على صندوقها الأسود بعد هو رداءة الأحوال الجويّة التي يشهدها لبنان منذ يوم السبت الفائت.
وفيما ذكر شهود عيان بان الطائرة تحولت إلى كرة نار قبل سقوطها أشار مصدر في غرفة عمليات وزارة الدفاع إلى أن الطائرة «انقسمت بعد دقائق قليلة من إقلاعها إلى أربعة أقسام ثم هوت في البحر» أثناء عاصفة رعدية وأمطار غزيرة.وأكّد وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي لـ «البيان»، في اتصال هاتفي، أن الطائرة أقلعت من مطار بيروت في جوّ عاصف، وأشار إلى أنه «من السابق لأوانه تحديد سبب تحطّم الطائرة»، لافتاً إلى أن أرجحيّة السبب هي للطقس العاصف، و«لكن، لا يجب أن ندخل في تحليلات وتوقعات، لكون المسألة دقيقة جداً»، حسب قوله.
وأعلن العريضي عن تشكيل لجنة تحقيق تضم خبراء مختصين من بينهم مكتب التحقيق الفرنسي المختص بهذا النوع من الحوادث. وبينما واجهت أعمال البحث عن ناجين أحوالاً جوية سيئة للغاية.. أفاد مصدر امني بأنه تم العثور حتى بعد الظهر على 34 جثة. ولفت مسؤول في إحدى فرق الإنقاذ طلب عدم الكشف عن هويته إلى أن غالبية الجثث التي تم العثور عليها «مقطعة الأوصال ومنها جثة احد الأطفال». ووفق مصدر في غرفة عمليات وزارة الدفاع فإن حطام الطائرة موجود على عمق 50 متراً، وتوسعت عمليات البحث مع شروق الشمس ووصلت إلى قبالة شاطئ الأوزاعي على بعد كيلومترات قليلة إلى الجنوب من المطار. وتم العثور على قطع من حطام الطائرة وعلى ثمانية من مقاعدها وعلى بعض الحقائب لفظها البحر إلى الشاطئ.
استنفار كل لبنان
وفيما كانت عمليات البحث والإنقاذ جارية، أطلّ الرئيس اللبناني ميشال سليمان من وزارة الدفاع، في مؤتمر صحافي ليعرب عن أسفه الشديد لـ «الحادث المؤلم والهائل»، مؤكّداً على أن «الكلّ في لبنان مستنفر».
وإذ استبعد نظرية العمل التخريبي، أشار سليمان إلى أن عمليات الإنقاذ ستبقى لأكبر وقت ممكن، لافتاً إلى ضرورة أن يكون هناك جمع لأجزاء الطائرة من أجل معرفة أسباب الحادث».
وأعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري إقفال المجلس النيابي حداداً، لافتاً إلى أن «لبنان صدِم بكارثة وطنية، فقد خلالها العشرات من أبنائه الأحبّاء من مختلف المناطق اللبنانية، والذين نذروا شبابهم وحياتهم في الاغتراب من أجل العيش الكريم»، وفق ما جاء في بيان صدر عن مكتبه الإعلامي.
بدوره، أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري يوم حداد وطني على ركاب الطائرة المنكوبة، ووعد، في مؤتمر صحافي عقده في مطار بيروت، بـ «الوصول إلى الصندوق الأسود الذي سيكشف ما الذي حصل».
وأشار إلى أن لبنان سيستعين بغطاسين وطائرة بحث من الأسطول السادس الأميركي من أجل البحث عن المفقودين والاستعانة بطائرات «بي 3» المزودة بمستشعرات حرارية.
وكان الحريري أعلن الحداد الوطني وإغلاق الدوائر الرسمية والمدارس في عموم لبنان.. في حين ألغيت جلسة كانت مقررة لمجلس النواب حدادا على ضحايا الطائرة، ودعا اللبنانيين إلى التكاتف لمواجهة هذه الكارثة، معرباً عن الأمل في العثور على ناجين من ركاب الطائرة.
وبينما تمنى الحريري على وسائل الإعلام الابتعاد عن التأويلات والاستنتاجات بانتظار جلاء التحقيقات.
ولكن بعد ساعات ظهر وزير الدفاع اللبناني إلياس المر في مؤتمر صحافي وقال إن «عامل الطقس هو مبدئيا سبب الحادث». ووسط هذه المعطيات، ترجح مصادر ملاحية أن عطلا كهربائيا أدى إلى سقوط الطائرة أفقد قائدها السيطرة عليها.
عمليات عسكرية
وكان الجيش اللبناني تدخل على الفور بوحدات تابعة لكل من القوات البحرية والقوات الجوية اللبنانية وفوج مغاوير البحر بمؤازرة طوافات وزوارق بحرية تابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
وتشارك في عملية البحث أيضا طائرة هليكوبتر قبرصية وطائرة هليكوبتر عسكرية بريطانية متمركزة في قبرص وطائرات من الأسطول السادس الأميركي المتمركز في البحر المتوسط.
محققون أثيوبيون
ومن أديس أبابا أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية عن إرسال فريق محققين إلى بيروت. وقال المدير التنفيذي للخطوط الإثيوبية جيرما ويك انه ليست هناك تقارير تفيد بوجود أي ناجين. وصرح في مؤتمر صحافي عقد في العاصمة الإثيوبية: «اتصلت بالسلطات اللبنانية التي لم تؤكد بعد وجود أي ناجين».
وقال انه لا يعتقد أن الطيارين كانوا سيقلعون إذا كانت الأحوال الجوية خطيرة. وأضاف القول: «كانت هناك ظروف جوية سيئة. إلى أي مدى كانت سيئة.. ليس بوسعي أن أقول. ولكن مما أشاهده كان الجو مقبولا على الأرجح إذ أنها أن لم تكن كذلك كانوا لن يقلعوا».
بكاء ونحيب على أحباب لن يعودوا
علت أصوات البكاء وصراخ الأهالي المفجوعين في مطار بيروت الدولي يسألون عن أحبائهم من ضحايا الطائرة الاثيوبية، ويتعلقون بحبال امل.. يضمحل مع مرور الساعات.
وفي قاعة الشرف في مطار رفيق الحريري الدولي التي فتحت لاستقبال الاهالي منذ الصباح الباكر، انهار رجل ستيني وهو يصرخ: «ابني ابني». عناصر الصليب الاحمر تسارع الى نجدته، بينما زوجته تصرخ قربه: «كلهم شباب حلوين، اين ابني؟ أين ابني؟».
ويتنقل الصليب الاحمر من شخص الى آخر، فيما تتعاقب الاغماءات مع ارتفاع الضغط وغياب اليقين عن ركاب الطائرة التسعين وتناقل الاخبار عن انتشال جثث.
وبدأ الأهالي يتدفقون منذ السادسة صباحا إلى المطار وسط طقس عاصف وماطر زاد من أجواء الحزن المسيطرة في المكان. وارتفع عدد السائلين تباعا: العشرات يدخلون، ينظرون يمنة ويسرة، عيونهم مليئة بالدموع، وبينهم عائلات بكامل أفرادها.
في داخل القاعة، تصرخ سيدة محجبة: «يا الله، يا الله، ما هذه المصيبة!». ولا توقف النحيب: «يا رب لماذا، أبي كان يعمل حسنات كثيرة». ثم تتوجه إلى ابنها علي الذي يبدو في الثانية عشرة من عمره وتسأله: «هل من جديد؟» فيجيبها باسى «لا».
وتصرخ سيدة اخرى غطت كذلك رأسها بحجاب: «أريد ان اعرف شيئا عن زوجي. هو عمري هو كل حياتي لا يمكن ان يتركني».
رغم ذلك، يتعلق المفجوعون بكل خبر وكل بصيص امل. يصرخ احدهم وهو يتكلم عبر الهاتف الخليوي: «لقد عثروا على ناجين»، فيتحلق حوله العشرات مرددين: «إن شاء الله، ان شاء الله»، لكن الصراخ والعويل يرتفع مجددا مع تأكيد آخرين بان لا ناجين بعد.
رئيس الحكومة سعد الحريري وسط بينما يعلو الصراخ، فتحلق حوله الأهالي.
المسؤولون وبينهم عدد من الوزراء والنواب متأثرون. ودموع الاهالي تغلب على كل كلام.
رئيس الحكومة يقدم تعازيه ويقول «إنها كارثة، ولحظة صعبة جدا» ويدعو جميع اللبنانيين الى التضامن.
في احدى الزوايا، جلست ثلاث نساء اثيوبيات، لا يفقهن شيئا مما يجري حولهن، ويجبن بصعوبة على سؤال فيوضحن ان رفيقتهن التي كانت تعمل مثلهن خادمة في لبنان كانت على الطائرة.. «انهت عقدها وذهبت لتلاقي عائلتها».
صدى الكارثة
ـ كانت الطائرة تقل بحسب العريضي «90» شخصا: 83 راكبا وطاقمها المؤلف من سبعة أشخاص. والركاب هم بحسب الجنسية: 54 لبنانيا، و22 إثيوبيا، وعراقي واحد، وسوري واحد، وكندي واحد من أصل لبناني، وروسية واحدة من أصل لبناني، وفرنسية واحدة، وبريطانيان من أصل لبناني.
ـ من بين الركاب مارلا بييتون عقيلة السفير الفرنسي في لبنان ديني بييتون.
من بين ركاب الطائرة مدير البرامج السياسية في تلفزيون أم.تي.في خليل الخازن
ـ قال النائب في البرلمان اللبناني نوار الساحلي أنه كان ينوي السفر على متن هذه الطائرة إلى أوغندا من أجل حضور مؤتمر برلماني إسلامي، لكن الجلسة النيابية التي كانت مقررة أمس جعلته يؤجل سفره إلى الثلاثاء.
ـ وقال الساحلي: «كتب الله لي عمرا جديدا. هذا قدر الإنسان... الله يرحم الذين ماتوا والله يصبر أهلهم. لا شك هذه كارثة وطنية كل لبنان مفجوع».
ـ أعلن ياسين جابر احد نواب جنوب لبنان في البرلمان اللبناني ان نحو 15 من الركاب من بلدة واحدة في الجنوب هي بلدة النبطية وكان معظمهم في طريقهم إلى الغابون حيث يعملون.
سمعة جيدة
ـ تحظى الخطوط الجوية الإثيوبية بسمعة تقديم خدمات عالية الكفاءة مقارنة بمثيلاتها من الخطوط الجوية الأفريقية الأخرى، إذ تعرضت فقط لحادثي تحطم طوال الـ 20 عاما الماضية. وأوضح مدير الشركة أن الطائرة المصنعة في العام 2002 أجرت آخر صيانة في 25 في ديسمبر ولم تكن هناك مشاكل تقنية. وأكد الرئيس التنفيذي للخطوط الإثيوبية اتو غيرما واكي أن «حوادث الطيران التي تنجم عن أخطاء في قيادة الطائرة أو في الصيانة لا وجود لها في تاريخ الشركة»، التي كانت تتمتع حتى الساعة بمستوى جيد على صعيد السلامة.
أسماء الضحايا اللبنانيين
حنّا نخول كريدي
حيدر حسن مرجي
علي يوسف جابر
علي أحمد جابر
عباس محمد جابر
محمد مصطفى بدوني
خليل إبراهيم صالح
حسن عدنان كريك
سعيد عبدالحسن زهر
حسين علي فرحات
محمد حسن كريك (مواليد 2006)
علي سهيل ياغي
روان حسن وزنة
باسم قاسم خزعل
هيفاء أحمد وزنة
علي أحمد تاج الدين
تنال عبدالله فردون
مصطفى هيثم أرناؤوط
فؤاد محمد اللقيس
محمد كمال عكوش
طوني الياس الزاخم
حمزة علي جعفر
حسن محمد عيساوي
حسن كمال ابراهيم
غسان ابراهيم قاطرجي
هيفاء ابراهيم الفرّان
حسين يوسف حاج علي
فارس رشيد ذبيان
فريد سعد موللي
محمد علي قاطبي
ياسر يوسف مهدي
أنيس مصطفى صفا
حسين موسى بركات
أنطوان توفيق الحايك
إلياس أنطونيوس رفيع
طارق جورج بركات
خليل ناجي الخازن
رنا يوسف الحركة
محمد عباس الحسين الحاج
جوليا محمد الحاج (مواليد 2007)
حسين كمال حايك
أسعد مسعود الفغالي
زياد نعيم القصيفي
رضا علي مستوكردي
ألبير جرجي عسال
عماد أحمد حازر
فؤاد محمد جابر
خليل محمد مدني
حسن محمد عبدالحسن تاج الدين
ياسر عبدالحسين اسماعيل
جمال علي خاتون
عفيف كريشت
عباس حويلي
آنا محمد عبس
بيروت، أديس أبابا - وفاء عواد والوكالات



