في عام 1985 عندما كان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان لا يزال يطلق على الاتحاد السوفييتي لقب «إمبراطورية الشر»، كان أي شخص يتكهن باختفاء تلك الدولة العظمى يعتبر مجنونا.

ومع ذلك، وفي غضون عام، حدث ما لا يمكن تخيله. وبصورة مشابهة وفي عام 1999، لو ذهب أي مؤلف روايات إلى ناشر في نيويورك بحبكة روائية تقترح إقدام 19 من المتشددين على اختطاف 4 طائرات، والتوجه باثنتين منهما نحو برجي التجارة العالميين هناك، وتفجيرهما، فحتما لن يعتبرها الناشر قصة معقولة. ومع ذلك في غضون عامين حدث المستحيل. وفي عام 1999 أيضا، تأهبت إندونيسيا للوصول إلى وجهة غير سعيدة، وأتذكر أن العديد من الخبراء تكهنوا أن مصيرها سيكون البلقنة كيوغسلافيا. لكن لم يتكهن أي من الخبراء أنه في غضون خمس سنوات، سيتزعمها رئيس فطن يجعل من قصة الديمقراطية فيها نموذجا يحتذى به في الدول النامية.

وقد طُلب مني أخيرا كتابة مقالة عن مصير سنغافورة في عام 2059. وكنت أدرك أنه لو ألفت قصة معقولة أشير فيها إلى استمتاع السنغافوريين بخمسين عاما أخرى من الاستقرار والسلام والازدهار، فإن هذا الأمر المعقول لن يحدث، لذلك وضعت عن قصد بعض التوقعات غير المعقولة على الإطلاق.

فمثلا أشرت إلى أنه في ذلك العام سينتخب في كندا وأستراليا رئيسا وزراء مولودين في سنغافورة.

وبرغم اقتناعي باستحالة حدوث ذلك، إلا أن طبيعة زمننا تجعل المستحيل أمرا معقولا وقابلا للحدوث. كما أن تسارع التاريخ الإنساني يجعل من الشيء المستحيل معقولا.

ولطالما ثبت أن الحكمة التقليدية يجافيها الصواب. فلو أخذنا القوتين العظميين في زمننا الحاضر، وهما الولايات المتحدة والصين، فمن المستحيل التكهن بما سيؤول إليه مصيرهما في المستقبل.

فالولايات المتحدة تواجه أصعب الأوقات في تاريخها حاليا، فالبطالة في أعلى مستوياتها، والنمو الاقتصادي عاد للتباطؤ من جديد. والتوقعات تبدو أكثر تشاؤما. ومن غير المعقول أن يستمر هذا العملاق كسيحا لعقود عدة. لكن المستحيل يمكن أن يصبح معقولا.

وعلى المنوال نفسه يبدو أنه مقدر للصين أن تواصل التمتع بأسرع اقتصاد نامي في العالم، حيث بلغت نسبة النمو 5 .8% وهو أكبر معدل نمو في العالم في عصر الكساد الاقتصادي، منذ الكساد الكبير الذي حدث في مطلع القرن العشرين.

والآن يبدو مستحيلا توقف هذا النمو بسبب الاضطرابات الناجمة عن الفساد المتنامي لدى النخبة من سكانها والزيادة الحادة في تفاوت الدخل بين السكان. ولكن من يدري؟

والآن ما هي العبرة الأخلاقية من ايراد هذه القصص؟ تكمن العبرة في أن على صناع السياسة في هذا العصر من التاريخ البشري المتسارع، أن يفكروا بالسيناريوهات غير المعقولة وكأنهم يخططون للمستقبل.

وهذا ينطبق على القوى العظمى كالولايات المتحدة والصين، والصغرى كسنغافورة على حد سواء.

»ماليزيان إنسايدر»

سؤال وجيه

يتذكر كيشور محبوباني بوضوح ما قاله له نائب رئيس الوزراء السنغافوري السابق جوه كنغ سوي في أحد لقاءاته الصحافية، حيث أخبره أنه في عام 1980 عندما أضرب 16 ألفا من عمال المناجم البولنديين، بدت الدولة البولندية في خطر داهم. وفي عام 1984 عندما أضرب 165 ألفا من عمال المناجم البريطانيين ، واصلت بريطانيا مسيرتها دون تأثير للإضراب يذكر.

وهنا طرح جوه السؤال الجلي: لماذا تتعرض دولة للخطر بسبب إضراب 16 ألفا من عمالها، في حين تسير دولة أخرى أمورها بهدوء وتسير بخطى ثابتة وثقة حتى مع إضراب 165 ألفا من عمالها؟ بالطبع طبيعة الاستقرار السياسي هي السبب.

بقلم: كيشور محبوباني