عرفت عائلة الكرد واحدة من أعرق العائلات الفلسطينية في القدس، معنى النوم مع العدو لايفصل بين رأسها وسن بنادقه سوى حاجز بسيط لا يحمي من عدوان ولا يوفر أمنا. فقد عانت هذه الأسرة منذ عدة أسابيع من اقتحام «جيرانهم الجدد» وهم بعض المستوطنين اليهود، لمنزلهم فجرا تحت حماية شرطة الاحتلال، وقام المستوطنون بنهب المنزل وتحطيم أثاثه وتخريب حديقته، حتى أنهم لم يتركوا فيها ركنا قائما على قواعده.

وتأتي هذه الممارسات في إطار عملية التهويد لمدينة القدس، التي دأبت الحكومة الإسرائيلية على تنفيذها بعد سياستها القائمة على هدم منازل العرب في القدس.

ووفقا لبيانات اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم المنازل، شهد عام 2009 فقط هدم 75 منزلا في القدس الشرقية وحدها، و 56 منزلا آخر في الضفة الغربية، كما تم طرد أربعة من أكبر العائلات الفلسطينية من منازلهم وأصبح هناك ما بين 600 إلى ألف فلسطيني يعيشون في العراء أو يضطرون للبحث عن منازل جديدة لإيوائهم.

وبالرغم من أن إسرائيل دأبت منذ احتلال القدس الشرقية بعد حرب يونيو 1967، على طرد العرب إلا أن تزايد ضحايا سياستها في هذا الشأن تسارع بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، خاصة مع عزم الحكومة الحالية على سياسة طويلة الأجل لتطهير المدينة من العرب.

جدير بالذكر أنه بعد حرب 1948 حصلت 30 أسرة فلسطينية على وضع لاجئين من بينها أسرتا الكرد والجاوي، وكلتاهما تحاول الآن مع باقي الأسر الأخرى، رتق ثقوب الوضع القانوني الذي تمت صياغته على عجل عام 1956 بين الحكومة الأردنية من ناحية ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، وهو الحل الذي تم بمقتضاه تسكين هذه الأسر في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية.

وتناضل أسرة الجاوي التي تضم 37 فردا، منذ ثلاثة عقود أمام المحاكم لإثبات حقها القانوني غير أنها في 2 أغسطس الماضي، استيقظ أهلها على حكم المحكمة العليا في إسرائيل، يحمله على باب منزلهم مجموعة من المستوطنين تساندهم قوة من جنود الاحتلال الإسرائيلي جاؤوا لطردهم من منزلهم ويحتلوا مكانهم.

ويقول نادر الجاوي، أحد أفراد هذه الأسرة الفلسطينية المنكوبة، برغم النزاع الذي استمر 30 عاما أمام المحاكم، لم يستغرق طردنا من المنزل سوى ساعة زمن واحدة، وبعد أقل من ساعة أخرى- يواصل الجاوي بينما يغذي راكية النار التي أوقدها لتقيه وأسرته من برد الشتاء القارس، في الخيمة التي أقامها أمام منزله- استولى المستوطنون على المنزل.

وأصبح نادر الجاوي يرى اليهود كل يوم وهم يدخلون ويخرجون من المنزل الذي احتوى عائلته قرابة نصف قرن، والآن بعد طردهم، سقطوا في حيرة ولم يعد يغمض لهم جفن منذ شهور بسبب التفكير في مستقبلهم الغامض، بعد أن أرغمته العلاقة المتوترة مع «الجيران» ودوريات الشرطة الإسرائيلية المستمرة.

علاوة على مظاهرات النشطاء الفلسطينيين المطالبة بإنهاء الاستيطان والتي يتم تنظيمها بصفة دورية عقب صلاة الجمعة، وتنتهي عادة بمواجهات عنيفة بين قوات الاحتلال والنشطاء، وتؤدي إلى إلقاء القبض على عدد منهم، أرغمته على أن يظل مستيقظا تحسبا لما سوف تسفر عنه الأحداث.

ولم يكن حظ جيرانه من عائلة الكرد أفضل حالا على الرغم من أنهم لا زالوا يحتفظون بمنزلهم، إلا أنهم باتوا يعدون الأيام تحسبا للخطوة التالية من جانب المستوطنين، وما سوف تسفر عنه هذه الخطوة غير مأمونة العواقب، فهم لا يزالوا «يتقاسمون» الجدار والحديقة مع «الجيران»، الذين اقتحموا منزلهم واحتلوا نصفه حتى الآن.

مع ذلك، وبالرغم من سياسة التطهير التي تنتهجها إسرائيل منذ أكثر من 40 عاما، بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، وبالرغم من الصراع الديمغرافي بين العرب واليهود في القدس، تمكن العرب من زيادة نسبتهم السكانية من 25% عند الاحتلال، إلى 35% الآن، وفقا لبيانات اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم المنازل.