احتوت اتفاقية السلام الشامل على فصل كامل حول الترتيبات الأمنية (الفصل السادس) تناول إجراءات وقف إطلاق النار، إعادة انتشار الجيشين، الوحدات المشتركة / المدمجة، ووضع القوات المسلحة الأخرى. ومن أهم تلك الترتيبات لأغراض بحثنا هذا: وضع الجيش الشعبي والوحدات المشتركة المدمجة خلال الفترة الانتقالية وما بعدها.

من بين ما تم الاتفاق عليه بين الطرفين بقاء الجيش الشعبي كجيش مستقل وكالقوة الضاربة الأساسية في الجنوب. ذلك لم يكن أمراً سهلاً، بل هو في حقيقته أمر غيَر مسبوق. فرغم كل المحاولات لإثناء الراحل جون قرنق عن رأيه في بقاء الجيش الشعبي كجيش مستقل خلال الفترة الانتقالية أبى قائد الحركة التخلي عن ذلك الرأي. تلك المحاولات جاءت من قِبل مفاوضي الحكومة ومن الوسطاء (الوسيط الكيني الجنرال سامبييو والمندوب الشخصي الرئيس الأميركي السيناتور دانفورث). وكان السيناتور دانفورث قد اصطحب معه جنرالاً من الجيش الأميركي ليُبين لقائد الحركة خروج مقترحه عن كل ما هو مألوف لدى العسكريين في كل بلاد العالم. قال قرنق للجنرال الأميركي: «السودان أمره مختلف. هو ليس بوطن، بل وطن في طور التخليق»، وكأنه أراد بذلك أن يقول ان الوطن ليس ظاهرة جغرافية فحسب، وإنما هو أيضاً ظاهرة نفسية.

ثم وجه زعيم الحركة، من بعد، السؤال التالي للعسكري الأميركي: «هل تستطيع أن تدلني على وطن واحد ظل أبناؤه يحاربون ويَقتلِّون بعضهم البعض على مدى نصف قرن من الزمان؟».

بصرف النظر عن الاعتبارات المفهومية فثمة سببان، في رأينا، حملا الدكتور جون قرنق على ذلك الموقف: الأول إصراره على أن تُستَوفي الاتفاقية حقها من الضمانات العضوية (organic guarantees) بدلاً من الاكتفاء بالضمانات الدستورية. فإلغاء الرئيس نميري لاتفاق أديس أبابا تم رغم نصوص الدستور، ورغم الاعتراف الدولي الذي حظي به ذلك الاتفاق (قرارا القمة الإفريقية والجمعية العامة للأمم المتحدة).

السبب الثاني هو الممانعة المتوقعة من الجيش الشعبي لأي محاولة لإدماجه في القوات المسلحة، إذ أن واحداً من أسباب اندلاع الحرب من جديد في جنوب السودان في عام 1983 كان هو محاولة الرئيس نميري تجاوز الترتيبات العسكرية في اتفاق أديس أبابا، كما سلفت الإشارة.

ذلك الاتفاق نص على أن تتكون القوات العاملة في الجنوب بنسبة واحد إلى واحد من الجنود وضباط الصف، أي أن يكون مقابل كل فرد من الجيش فرداً من قوات الأنانيا المدمجة. قرار الرئيس نميري بتبديل ذلك الوضع، دون تشاور واتفاق مسبق مع الطرف الآخر، أدى إلى انسلاخ عدد كبير من الجنود وغير قليل من الضباط الذين تم دمجهم في القوات المسلحة، لينشئوا ما عرف فيما بعد بالجيش الشعبي / الحركة الشعبية لتحرير السودان.

حقاً، لو أرجع الرئيس الراحل نميري البصر كرتين، لما أقدم على ذلك القرار. فمن أهم العوامل التي وطدت اتفاقية أديس أبابا الثقة الكبيرة التي أولاها للرئيس الراحل عسكريو الأنانيا، قبل سياسييهم، كان أول ما طلبه نميري من اللواء لاقو عند عودته إلى الخرطوم انتقاء مائتين من رجاله ليضمهم إلى الحرس الجمهوري، أي الحرس الذي يتولى حماية الرئيس.

بذلك أراد نميري أن يؤكد لعسكريي الأنانيا ثقته فيهم، فبادلوه ثقة بثقة وبلغت تلك الثقة الحد الذي طلبت فيه اللجنة العسكرية المشتركة التي كانت مسؤولة عن تنفيذ الجانب العسكري من الاتفاقية: دمج الجيشين، مراقبة وقف إطلاق النار، الاستغناء عن المراقب الدولي الذي حدده الوسطاء لمتابعة تلك الإجراءات الكيني بيثويل كبلقات. ولكن ما أن قلب الرئيس ظهر المِجَن للجنوب، حتى انتاب أولئك العسكريين هلع، واعتراهم غضب دفعاهما لكي يكيلوا له الصاع صاعين.

من تلك اللحظة بدأ موسم الهجرة للجنوب وكان على رأس المهاجرين العقيد كاربينو كواينين بول الذي ترك الحرس الجمهوري ليصبح من أوائل المؤسسين للجيش الشعبي. كما كان من بين الذين تمردوا على القرار أيضاً ضابط الاستخبارات العقيد سلفاكير مايارديت الذي ترك موقعه في بانتيو عندما جاءه أمر الرحيل إلى دارفور.

وعلى كل فقد تراضى الطرفان إزاء إصرار قرنق على حيلة قانونية تحقق استقلال الجيش الشعبي في ذات الوقت الذي تُضفي عليه صفة قومية. تلك الحيلة هي النص في الاتفاقية، كما في الدستور، على أن:

(1)تظل القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان منفصلة وتكون قوات مسلحة نظامية واحترافية وغير حزبية وتعامل معاملة متساوية باعتبارها القوات المسلحة القومية السودانية.

(2)تكون مهمة القوات المسلحة القومية السودانية (أي الجيشين) حماية سيادة البلاد، وتأمين سلامة أراضيها، والمشاركة في تعميرها، والمساعدة في مواجهة الكوارث القومية وذلك وفقاً لهذا الدستور.

(3)تدافع القوات المسلحة القومية السودانية والوحدات المشتركة / المدمجة عن النظام الدستوري واحترام سيادة حكم القانون والحكم المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية وإرادة الشعب، كما تحمل مسؤولية الدفاع عن البلاد في مواجهة التهديدات الخارجية والداخلية في مناطق انتشارها وتشرك في التصدي لحالات الطوارئ المحددة دستورياً.

هذا النص الدستوري، إن أحسنا قراءته والتزمنا به نصاً وروحاً، يجعل من القوات القومية جيشاً مهنياً، احترافياً، وغير حزبي.

(د) الوحدات المشتركة / المدمجة

إضافة إلى ذلك، تم الاتفاق على تأسيس وحدات مشتركة / مدمجة من الجيشين، ومن عدد متساو من كل منهما. لهذه الوحدات أوكلت مهام محددة هي أن: تكون رمزاً للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية

تكون رمزاً للسيادة خلال الفترة الانتقالية

تشارك في الدفاع عن البلاد إلى جانب القوتين (القوات المسلحة والجيش الشعبي)

تكون نواة لجيش السودان مستقبلاً في الفترة ما بعد الانتقالية إذا أكد التصويت في الاستفتاء على الوحدة (الفقرة 104 من فصل الترتيبات الأمنية). ومن الجلي أن الطرفين كانا يدركان أن البلاد، في حالة إقرار الوحدة، تحتاج لجيش وطني يُمكِن للطرفين أن يتعايشا تحت ظله، ويرضيا به.

تباطؤ حكومة الوحدة الوطنية في إنفاذ ما نصت عليه اتفاقية السلام الشامل من ترتيبات لدمج عناصر تلك الوحدات أصبح مدعاة لتساؤل: هل هنالك عزم صادق على ذلك الدمج، أو على إعادة تشكيل جيش السودان المتحد على الوجه الذي جاء في الاتفاقية؟ أم ان هناك توجهاً لفرض أمر واقع، إن اختار الجنوبيون الوحدة.

هذا هو الانطباع الذي ساد في صفوف الجيش الشعبي، لاسيما من بعد أن اختارت القوات المسلحة تشكيل العناصر التي تمثلها في تلك الوحدات من الميليشيات الجنوبية التي كانت ملحقة بها في سني الحرب، وليس من جنود من الشمال الجغرافي. فكيف بربك يمكن القول ان تلك القوات هي رمز للوحدة الوطنية في الفترة الانتقالية؟

ذلك الوضع يستدعي افتراضين: الافتراض الأول هو أن حكومة الوحدة الوطنية تسعى لأن يكون جيش المستقبل للسودان الموحد جيشاً تغلب عليه العناصر الجنوبية، وهو افتراض لا يصدق به عاقل. الافتراض الثاني هو خلق حالة من عدم الاستقرار في الجنوب بوضع فريقين ظلا يتقاتلان طوال فترة الحرب وجهاً لوجه، والذي يغلب الافتراض الثاني هو حادث اللواء قبراييل تينق.

يستبعد المرء أن تكون القوات المسلحة السودانية عازفة كمؤسسة عن تنفيذ ما تقرر في الترتيبات الأمنية المتضمنة في الاتفاقية، لا لسبب إلا لأنها شاركت مشاركة فاعلة مع الجيش الشعبي في صياغة النصوص المتعلقة بتلك الترتيبات. تلك النصوص تقضي، من بين ما تقضي به، أن يكون هناك تدريب وتسليح مشترك لهذه الوحدات، وأن تصمم لها عقيدة عسكرية (military doctrine) جديدة، وأن تدرب على ضوء تلك العقيدة.

تلك المهمة أوكلت لرئاسة الجمهورية حتى لا تُلحق أي من الوحدات بقيادة جيشها الأم. ولتحقيق التنسيق بين قيادتي الجيشين أنشئ مجلس للدفاع المشترك يتبادل رئاسته رئيسا هيئة الأركان في الجيشين. وقد ظل مجلس الدفاع يجتمع بصورة دورية في انسجام تام، لهذا لا نملك إلا أن نقول ان الأزمة لا تعود إلى الأجهزة الفنية بقدر ما هي نتاج لانعدام الإرادة السياسية لتنفيذ ما أقرته الاتفاقية.

لا نستغرب، إذن، إن قاد العجز عن إنفاذ النصوص المتعلقة بدمج هذه الوحدات إلى تناقص الثقة، ليس فقط بين أفراد هذه الوحدات، بل أيضاً بين القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي، وهو أمر لا يبشر بخير.

وفي النهاية، لم تعد الوحدات المشتركة المدمجة وحدات مشتركة أو مدمجة، تماماً كحال الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي يقول المؤرخون انها لم تكن إمبراطورية، أو مقدسة. هي فقط إمارات ودوقيات غير متصالحة في وسط أوروبا، كما لم تكن رومانية على الإطلاق إذ أن روما نفسها لم تكن جزءاً منها.

حكومة الوحدة الوطنية والخدمة العامة

على رأس مستحقات السلام مشاركة الحركة الشعبية في الحكومة القومية بنسبة مقدرة (27%) على أن تتضمن تلك النسبة 7% لشماليي الحركة. من جهة أخرى، قررت الاتفاقية ونص الدستور على تمثيل أبناء وبنات جنوب السودان في الخدمة المدنية القومية تمثيلاً حددت الوثيقتان قوامه، كما وكيفاً. تلك المشاركة، من ناحية الشكل، تمت بوجه كامل في المستوى القومي (الأجهزة التنفيذية والتشريعية) بعد نزاع ومغالبة حول وزارة الطاقة.

كانت الحركة تصر على الاستحواذ على تلك الوزارة لاعتبارين موضوعيين: الأول هو أن الجزء الأكبر من الإنتاج النفطي الحالي يجيء من آبار في الجنوب، والثاني هو اتفاق الطرفين على «اقتسام المناصب والحقائب الوزارية، بما في ذلك الوزارات القومية السيادية، على أساس العدالة والنوعية، ويتفق الطرفان على وضع الوزارات القومية في مجموعات بموجب اتفاق وسائل التنفيذ» (الفقرة 2-5-3) من بروتوكول اقتسام السلطة).

سلفا ووزارة النفط

بموجب ذلك الاتفاق اقترحت الحركة اقتسام الوزارتين الأهم في القطاع الاقتصادي بحيث تترك الحركة وزارة المالية للمؤتمر الوطني على أن تؤول إليها وزارة الطاقة. ذلك موقف ثبتت عنده قيادات الحركة إلا أن رئيسها، سلفا كير، قرر تجاوز المطلب رغم إصرار قيادات الحزب عليه أن لا يتنازل عن وزارة الطاقة إلا مقابل وزارة المالية.

وفي تبريره لتنازله قال سلفا لرفاقه إن الذي يحمله على التنازل سببان: الأول هو التعجيل بقيام الحكومة حتى تبدأ في أداء مهامها، فالبدء في إنفاذ الاتفاقية أهم، في رأيه، من الصراع على منصب وزاري. الثاني هو الاستجابة لطلب من الرئيس البشير بأن من مصلحة قطاع النفط أن يستمر في إدارته الرجل العليم بأسراره منذ الانطلاقة الأولى للقطاع: الدكتور عوض أحمد الجاز.

ولا شك في أن تنازل رئيس الحركة للأسباب التي أبداها يعكس رغبته في تغليب الأساسي (إنفاذ الاتفاقية)، على الهامشي (اقتسام المواقع)، كما أن استجابته لطلب الرئيس، رغم معارضة كثر من رفاقه، كان مؤشراً على حسن نواياه وتغليبه لتنفيذ الاتفاقية على أي شيء آخر، ثم كمال استعداده للتعاون مع قيادة المؤتمر.

ومما يستغرب له أنه لما يَمضِ عامان من قرار رئيس الحركة الشعبية بالتنازل للمؤتمر عن وزارة الطاقة حتى انتقل «الجاز الجاب الجاز»، كما كان يتردد في الهتافات، من الوزارة التي هو «عليم بأسرارها» إلى وزارة أخرى لا يعلم خباياها، وما أكثر خبايا وزارات المال. وهكذا انتهى الأمر باستئثار المؤتمر الوطني بالوزارتين في تعديل وزاري عادي.

يقول أهلنا: «الطمع وَدَّرْ ما جمع»، إلا أن تجارب السياسة السودانية أثبتت بآخرة أن الطمع قد يجمع، ويجمع كثيراً. مع تلك السلاسة التي تم بها إنفاذ الاتفاقية على مستوى حكومة الوحدة الوطنية وقعت أحداث مقلقة تكشف إما عن الجهل بنصوص الاتفاقية، أو تجاهلها، أو على أحسن الاعتبارات التهوين من أمرها.

يشمل هذا تعيينات مرشحي الحركة لبعض المواقع الدستورية، وإنفاذ ما أمرت به الاتفاقية والدستور بشأن تعيين الجنوبيين في الخدمة العامة القومية. كنموذج للحالة الأولى، تكررت ممانعة بعض الولاة في تعيين وزراء سمتهم الحركة لشغل المناصب المخصصة لها في بعض الولايات حسبما جاء في الاتفاقية حول التعيينات لهذه الوظائف في فترة ما قبل الانتخابات، أو في إعفاء آخرين دون مشاورة مع الحزب الذي سماهم. .

ومن المفيد أن نذكر هنا أنه في حالتين: حالة نائب رئيس المجلس التشريعي لجنوب السودان، وحالة وزير التربية في تلك الحكومة، وكلاهما من منسوبي حزب المؤتمر، طلب ذلك الحزب من رئيس حكومة الجنوب استبدال الرجلين بمرشحين آخرين. لم يبطئ رئيس الحركة في الاستجابة لطلب حزب المؤتمر باعتبار أن ذلك هو حقه الدستوري.

ذلك القرار اتخذه رئيس حكومة الجنوب، رئيس الحركة الشعبية، رغم أن الدافع لمطالبة حزب المؤتمر الوطني بعزل هذين المسئولين عن منصبيهما واستبدالهما بشخصين آخرين هو انسلاخهما عن المؤتمر وانضمامهما للحركة الشعبية. لهذا بدت ممانعة رئيس المجلس الوطني في تعيين منسوبي الحركة في المجلس أمراً غريباً ومُستَفِزاً.

(ز) الخدمة العامة القومية

غير قليل من وزراء الحركة الشعبية في الحكومة القومية يقولون أنهم وجدوا أنفسهم غرباء في وزاراتهم لأن تلك الوزارات تدار، على المستوى التنفيذي، بكادر حزبي مصدر توجيهه السياسي، حتى في واجباته الإدارية، هو الحزب الذي ينتمي إليه لا الوزير الذي يترأس المؤسسة.

في حين ينص الدستور على أن «الوزير القومي هو المسؤول الأول في وزارته وتعلو قراراته فيها على أي قرارات أخرى ومع ذلك يجوز لمجلس الوزراء القومي مراجعة تلك القرارات » المادة 13 (1). ذلك وضع يقودنا إلى الحديث عن الخدمة القومية العامة.

واجبات أي حكومة لا تقوم إلا بجناحين: الجناح السياسي الذي يرسم السياسات (الوزراء فرادى أو مجتمعين في مجلس)، والجناح الإداري التنفيذي (الخدمة العامة) الذي يَرفِد المسؤول السياسي بالمعلومات الموضوعية، ونتولى تنفيذ السياسات بأمانة واقتدار. موضوع حيدة الخدمة العامة واحترافيتها في ظل نظام ديمقراطي تعددي لا يغبى، أو ينبغي أن لا يغبى، على أحد.

فمنذ بدايات التفاوض في ماشاكوس كان مفاوضو الحركة يدركون جيداً أن الخدمة العامة في عهد الإنقاذ أضحت مؤسسة حزبية لاعتبارات مُعلنة لا خفاء فيها. من تلك الاعتبارات ما كان يسمى بالتمكين أي أن يجعل الحزب لنفسه سلطاناً على الحكم حتى ينفردَ به وحده.

نتيجة لتلك السياسة أقصي عن الخدمة جمع غفير من الموظفين شمل حتى القضاة. ففي تقرير لصحفي سوداني محقق بلغ عدد الموظفين الذين أحيلوا إلى الاستيداع في الفترة مابين يوليو 1989 وسبتمبر 1993 سبعة وستين ألفاً وستمائة وأربعين (640,76) موظفاً، في حين بلغ عدد المحالين للتقاعد منذ عام 1904 في عهد الاستعمار وإلى حين استلام الإنقاذ للسلطة (نهاية يونيو 1989) اثنين وثلاثين ألفاً وأربعمائة وتسعة عشر (419,32) موظفاً (السر سيد أحمد، الشرق الأوسط 19 مايو 2001م).

بعبارة أخرى، بلغ عدد الموظفين الذين أحيلوا للتقاعد في سني التمكين الأولى أكثر من ضعف من أحيلوا للتقاعد خلال خمس وثمانين عاماً (الفترة بين عامي 1904 و 1989).

أغلب هؤلاء كانوا ممن تركوا الخدمة بسبب المعاش الطبيعي أو الاختياري قبل بلوغ سن المعاش، وقلة منهم نتيجة الفصل الإداري بسبب السلوك غير المهني أو عدم الكفاءة، هذا بالإضافة إلى بضع عشرات من ضحايا «التطهير واجب وطني» في أكتوبر 1964 ومايو 1969م. ونعترف أن ذلك التطهير لم يكن تطهيراً، ولا واجباً، ولا وطنياً. وعلى كل ذهب المتفاوضون مذهبين لمعالجة الموقف الذي ترتب على قرارات الإنقاذ:

حياد وجهاد الخدمة

المذهب الأول هو توافق الطرفين على أن تكون الخدمة المدنية القومية خدمة محايدة، وأن تكون، في مستوياتها العليا والوسيطة ممثلة للشعب السوداني (المادتان 135/136 من الدستور). ولتحقيق ذلك الهدف أقر الدستور المبادئ التالية:

معالجة المفارقات وعدم التكافؤ في التعيين

أهمية الكفاءة وضرورة التدريب

عدم ممارسة أي مستوى للحكم التمييز ضد أي سوداني مؤهل على أساس الدين او العرق أو الإقليم أو النوع.

التنافس النزيه على الوظائف

استخدام التمييز الإيجابي والتدريب الوظيفي لتحقيق أهداف الاستيعاب المنُصِفْ خلال مدى زمني محدد.

توفير فرص تدريب إضافية للمتأثرين بالنزاع.

يفترض المرء أن في هذه المبادئ ما يسُد باب الذرائع: فليس من بين أشراط التعيين للخدمة العامة الولاء لحزب معين لان أسس التعيين، بنص الدستور، هي الكفاءة والتنافس النزيه. وليس من شرائطه، في حالة المرشحين من مناطق النزاع، أن يكون المرشح على قدر عالٍ من الكفاءة إذ يستلزم الدستور تطبيق مبدأ التمييز الإيجابي لتحقيق النصفة في التعيين وتوفير فرص إضافية لتدريب المعينين من أبناء وبنات المناطق المتأثرة بالنزاع بهدف الارتقاء بكفاءتهم المهنية.

كما تتطلب تلك المبادئ، بالضرورة، أن لا تبقى الخدمة العامة على الحالة التي كانت عليها في العهد الشمولي لأن هذا لا يعين على تحقيق ما دعا له الدستور: «معالجة المفارقات وعدم التكافؤ في التعيين».

المذهب الثاني يتعلق بالجنوب حيث نص الاتفاق والدستور على «وضع سياسات تهدف إلى تخصيص نسبة تتراوح بين عشرين إلى ثلاثين بالمائة من وظائف الخدمة المدنية القومية، بما فيها وظائف الوكلاء، بأشخاص مؤهلين من جنوب السودان في السنوات الثلاث الأولى من الفترة الانتقالية (المادة 138 (ب) من الدستور).

وحسب الإحصائيات التي قامت بها وزارة الخدمة العامة تضم تلك الخدمة المدنية القومية المائة ألف من الموظفين (ثمانية وتسعين ألفاً على وجه التحديد). ذلك العدد لا يشمل وظائف الخدمة العامة خارج السلك الإداري (المؤسسات والشركات العامة).

وبحساب دقيق ينبغي أن يكون عدد موظفي الخدمة العامة من الجنوبيين بنهاية عام 2007م قرابة العشرين ألفاً، إلا أن واقع الحال يقول أن قائمة المرشحين الجنوبيين التي اكتملت لشغل المواقع الدنيا المخصصة لهم بنص الدستور لم تتجاوز حتى اليوم الألف وتسعة وثلاثين موظفاً (1039) في الوقت الذي كان ينبغي أن يكون فيه العدد بنهاية عام 2007 عشرين ألفاً.

ومن المؤسي أنه حتى هذا الألف ونيف موظفاً مازال تائهاً بين ديوان الخدمة العامة والوزارات التي ألحقوا بها.

وفيما يتعلق بالوظائف العليا لم يتم تعيين وكيل أو مدير عام في أي وزارة هامة في الخرطوم، أن استبعدنا تعيين مسلم من أبناء جنوب السودان ذي انتماء معروف للحركة الإسلامية وكيلاً لوزارة الشئون الدينية، وتعيين سفير سابق وكيلاً لوزارة الشئون الإنسانية بترشيح من وزيرها الجنوبي.

ودون التقليل من أهمية الوزارتين إلا أنهما لم تكونا بالقطع في خَلَد مفاوضي الحركة الشعبية عندما طالبوا بالمشاركة الفاعلة لمواطني الجنوب في الخدمة العامة القومية. الوزارة الوحيدة التي تحققت فيها مرامي المادة 138 من الدستور هي وزارة الخارجية على عهد الدكتور لام أكول. ولكن، رغم أهمية وزارة الخارجية، فهي ليست من الوزارات التي تؤثر على حياة الناس تأثيراً مباشراً.

3 اخطاء تتجاهل الدستور

أنظار ساسة الجنوب الذين كانوا يجأرون بالشكوى من ضآلة تمثيل إقليمهم في الوظائف العليا والوسيطة بالوزارات القومية الكبرى كانت تتجه إلى وزارات مثل تلك التي تدير شئون المال، أو التعليم، أو الأجهزة العدلية، أو المؤسسات الاقتصادية القومية.

وغني عن القول أن تعيين مواطنين من جنوب السودان في الوظائف العليا والوسيطة في مثل هذه الوزارات كان سيدعم، أكثر من أي شيء آخر، الظن بأن هناك تغييراً واضحاً في سياسات الخرطوم تجاه جنوب السودان.

كما ينبغي أن نستذكر أن واحدة من القضايا التي أثارت ساسة الجنوب عند الاستقلال هي ضآلة تمثيل الجنوبيين في الخدمة العامة عند سودنة الوظائف. لذلك، فإن افتطان الاتفاقية إلى هذا الأمر وإقرار مبدأ تعيين الجنوبيين في الخدمة العامة بقدر يتناسب مع حجمهم السكاني، والنص على التزام مبدأ التمييز الإيجابي، وتوفير فرص أوسع لتدريبهم يكشف عن إدراك واع للمشكل ومحاولة جادة لإيجاد حلول عملية لها.

ثمة خطآن، بل لعلها ثلاثة أخطاء، في إغفال ما نص عليه الدستور حول الخدمة المدنية. الخطأ الأول هو تجاهل نصوص الاتفاقية والدستور حول حيدة الخدمة المدنية. والثاني هو عدم التملي في نتائج هذا التجاهل (بالنسبة للجنوب)، لا سيما فيما يتعلق بجعل الوحدة جاذبة بحق.

والخطأ الثالث، وهو اشد الأخطاء شناعة، هو تنفير الكثيرين من أبناء وبنات السودان من ذوي المهارات في النظام. فما هي مصلحة أي نظام حكم في أن يَحرم المهندس القادر، أو القانوني الخبير، أو الزراعي الذي يستجيد مهنته، من أن يحتل الموقع الذي يؤهله له علمه ودُربته ودرايته، خاصة أن كان الواحد من هؤلاء يستفرغ كل جهده في هذه الحياة الدنيا في المهنة التي تمهر فيها؛ فلا هو بسياسي، ولا بطامع في الحكم.

ما هي الرسالة التي يوجهها الحزب القابض على ناصية الحكم لكل هؤلاء عندما يشهدون حصر كل الوظائف العامة، خاصة في مراقيها العليا، على أنصاره ومن يوالونه كانت الوظيفة هي وظيفة وكيل وزارة، أو مدير عام لمؤسسة اقتصادية أو لمشروع زراعي، أو لإدارة جامعة، أو حتى للأمانات العامة للمفوضيات القومية التي ما أريد من إنشائها إلا الرقابة على سير الأجهزة القومية العامة وتعميق المفاهيم الجديدة التي جاءت بها الاتفاقية في مناهج العمل العام.

قد نقول، بوجه عام، أنه من المستحيل أن يجد المرء موظفاً عاماً لا ينتمي لحزب ولهذا لا ينص الدستور على أن يكون الموظف العام غير حزبي (ََُ-ِفُّْيَّفَ)، بل يتطلب منه الحيدة (يٍِفُّْيفٌيُّ؟) في أداء مهام الخدمة المدنية بعيداً عن أي خيار أو انحياز حزبي.

قد يتذرع البعض بتباطؤ مفوضية الخدمة العامة في أداء واجبها حسبما نص الدستور. تلك ذريعة واهية لأن القضية في جوهرها قضية سياسية أوجبتها دواع سياسية، والتزمت بها أعلى المستويات السياسية في البلاد. ولئن كانت المفوضية، هي حقاً المسؤول الأول عن الإشراف على تنفيذ ما جاءت به الاتفاقية حول حيدة الخدمة العامة وتمكين الجنوبيين من الالتحاق بها، فهي ليست بالمسئول الأخير.

المسؤول الأخير هو الحكومة التي تدرك أن الدستور الذي تحكم به البلاد قد أرسى قيماً معيارية تضبط عمل الخدمة العامة، كما حدد مواعيد معلومة في الاتفاقية والدستور للوفاء باستحقاقات معينة قد تترتب على عدم تحقيقها، أو الإبطاء في ذلك خاصة مثل إكمال تعيين الجنوبيين في الخدمة المدنية القومية نتائج سياسية خطيرة.

السودان، كما قلنا من قبل، ليس هو «فريد عصره». كان من الممكن، مثلاً، أن تكون لنا أسوة بالهند بسب من تنوعها الإثني والثقافي، وبالمظالم التي حاقت بطوائف من المهمشين من بين أهلها، وهي أكثر بكثير من تلك التي عانى منها السودان.

فمنذ إعلان استقلالها أرست الهند في دستورها مبدأ التمييز الإيجابي «ءننيٍْفُّيًّم ءكُّيَُ» لإتاحة الفرصة لأبناء الطوائف المهمشة تاريخياً من الالتحاق بالخدمة المدنية، ولتلقي التعليم الجامعي.

بيد أن الهند لم تكتف بإرساء ذلك المبدأ في الدستور بل ظلت تتابع تطبيقه بصورة دورية. آخر تلك المتابعات كانت بعد مرور ثلاثة عقود من إقرار دستور الهند عندما اكتشف رئيس الوزراء مرا فجي ديساي أن التوازن المطلوب في الخدمة العامة لم يتحقق بعد.

لهذا أنشأ ديساي لجنة أطلق عليها اسم «لجنة التمييز الإيجابي» تحت رئاسة البرلماني الهندي برا ساد ماندال. وقد تضمنت اقتراحات لجنة ماندال التي قبلتها الحكومة أن تكون وظائف بعينها في دور الحكومة، ومواقع محددة في الجامعات العامة، مقفولة حصرياً على المواطنين الهنود الذين حرموا تاريخياً من تلك الوظائف والمواقع.

وعندما فعل ديساي ما فعل لم تكن في الهند ولاية واحدة تهدد بالانفصال، كما لم يكن يترجاه استفتاء على تقرير مصير ولاية. السبب الوحيد الذي حدا به لتلك المراجعة الجذرية هو الحرص على تطبيق الدستور والالتزام بالقيم المعيارية التي وضعها.