في أول رد فعل له على زلزال هاييتي المدمر، وفي سابقة في احترام التزامات واشنطن، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن هاييتي في لحظات محنتها.
وللحيلولة دون تعميق دوامة الموت، يتعين على الولايات المتحدة تحقيق أمور مختلفة عن الماضي. فمؤسسات الإغاثة والتطور الأميركية لا تعمل على النحو الملائم، ولإثبات خطأ هذا الاعتقاد، يتعين أن نعزو الفقر والموت في هاييتي إلى أساطيرنا في هاييتي، لا نواجه كارثة طبيعية مروعة فحسب، ولكن أيضا حركة الطبيعة المدمرة والفقر الشديد، والسياسة. وحتى قبل هذه الهزة الأرضية، كان نحو نصف سكان هاييتي البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، يعيشون في فقر مدقع، بداخل مساكن بائسة، وأكواخ حقيرة، مبنية من الطين والطوب، وبدون دعامات، وجاثمة على التلال بصورة غير مستقرة. ولا تزال البلاد تتعافى من الأعاصير التي ضربتها عام 2008، علاوة على الأضرار الاجتماعية والسياسية المزمنة التي تعاني منها. ويبدو واضحا عجز حكومة هاييتي عن التعامل مع الوضع.
ويسمع الذين زاروا هاييتي ووجدوا هناك لسنوات عدة، بالوعود الدولية الكريمة التي تعقب كل كارثة، وكلها فرقعات هوائية عادة ما تكون الاستجابة فيها غير فعالة.
إلحاق الأذى بهاييتي
يشار إلى أنه، في غضون العقدين الماضيين، تسببت التدخلات الأميركية في إلحاق الأذى بالاقتصاد الهاييتي أكثر مما نفعته. وفي مطلع تسعينات القرن الماضي، فكرت واشنطن في أنها أحسنت إلى هاييتي من خلال فرضها حظرا تجاريا خانقا عليها، في محاولة لتحقيق الديمقراطية هناك، خصوصا إعادة الرئيس المنتخب جون برتراند أرستيد، إلى منصبه. وقد دمر الحظر قطاعات التصنيع الهشة هناك.
ووفقا للتأرجح السياسي في أميركا، أمضى العقائديون في إدارة الرئيس السابق جورج بوش، سنوات عدة وهم يحاولون خلع أرستيد، من خلال الدس والوقيعة، والتجميد غير الشرعي للمساعدات المقدمة إلى وكالات التنمية الدولية في البداية، ثم وبوقاحة منقطعة النظير، من خلال خلعه ونفيه إلى جمهورية وسط إفريقيا. وأجاز مجلس الشيوخ الأميركي مراجعة تلك الأحداث الدنيئة، وتوقف فقط ليعلن محبته للشعب الهاييتي!
والآن آن الأوان لإنقاذ حياة الملايين من سكان هاييتي أو مشاهدة اختفاء جيل كامل منهم، وهلاكه تحت الأنقاض. وتتطلب الاستجابة الجادة استخدام وسيلة جديدة، إذ يتعين على الرئيس أوباما الاعتراف بأن الحكومة الأميركية بمفردها تفتقر إلى الوسائل الضرورية، وأن يولي تلك البلاد الاهتمام الكامل والاحترام الحقيقي.
وفي الأسابيع المقبلة ستكون هناك حاجة ماسة للمساعدات الأميركية الطارئة المنقولة جوا، ويتعين تدويل جهود المساعدة على وجه السرعة، وبطريقة فعالة تعترف بالحقائق السياسية وتعزز المساعدات التي ستقدمها واشنطن.
كارثة بكل المعايير
وكل كارثة، سواء أكانت ناجمة عن الحرب، أو بسبب الطبيعة، عادة ما تعقبها وعود دولية بمنح مليارات الدولارات، ولكن لا تحصل الدولة المنكوبة سوى على مساعدات هزيلة، تصلها بصورة بطيئة.
وتحتاج عملية التعافي من الكارثة إلى إيداع المساعدات المالية كافة في البنوك بشكل مباشر في عملية تحويل واحدة وسريعة في رقم حساب مخصص لهذه الغاية، ويجب على العالم مراقبة مجالات استخدامها وتوزيعها عن كثب. ولا تحتاج هاييتي إلى مؤتمر تعهدات تعقده الدول المانحة، وتهدر عليه الوقت، بل إلى حساب مصرفي لتمويل بقائها وانتشالها من أحضان الموت، وإعادة إعمار البلاد.
وفي وقت قريب جدا، ستنتهي المرحلة الأولى من عمليات التعافي والإنعاش في هاييتي، وبصورة مأساوية سيكون عشرات، وربما مئات الألوف من الهاييتيين، قد لفظوا أنفاسهم تحت الركام، مع وصول مساعدات الإغاثة ومعدات الإنقاذ متأخرة جدا.
والآن هناك سباق مع الزمن لإنقاذ هاييتي، فعاصمتها خالية من احتياطي الطعام والمياه والطاقة وملاجئ المشردين والمستشفيات والأطباء والموارد الحيوية. ويواجه سكانها خطر حدوث مجاعة، وانتشار الأوبئة، والعصيان المدني.
وباقي البلاد أشبه ما يكون بجسد بدون رأس. وأغلق المرفأ الرئيسي في البلاد، وتعاني الحكومة من الارتباك الشديد، وانهارت عملياتها اليومية الهزيلة بالكامل.
وستواجه هاييتي الموت الزؤام والسريع، والجوع، والمرض، ما لم يبادر العالم بالعمل، كما ستواجه الولايات المتحدة موتا أخلاقيا بطيئا ومؤلما إلا إذا استجابت لأوجاع جارتها الشديدة، التي أهملتها لفترة طويلة وعرضتها للأذى.
مبادرات رائدة
جيفري ساش خبير اقتصادي يلقب باقتصادي الاستدامة، وهو معروف بمواقفه الجدلية التي برزت بشكل مكرر. وربما يرجع ذلك لتوليه منصب المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة سابقاً، كما كان مديراً لـ «معهد الأرض» في جامعة كولومبيا، إضافة إلى توليه منصب مدير مشروع الأمم المتحدة «الأهداف التنموية للألفية الجديدة» ما بين عامي 2002 و2006، الهادف للحد من انتشار الجوع والفقر والمرض بحلول عام 2015.
ويعتبر ساش رائد مبادرة الفحم النظيف، والتي وجه فيها دعوة لأميركا والصين والهند للتخلي عن الاعتماد على الفحم الحجري كمصدر من مصادر الطاقة.
وذكر ساش أن السعي وراء تطبيق وإصدار قوانين لتجميع ضرائب الكربون وتحديد نسبة قانونية لانبعاث غازات الدفيئة، وغيرها من الإجراءات التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرا، تؤدي جميعها إلى تعطيل الاتجاهات الأخرى الجادة للتعامل مع التغيرات المناخية، والتي تتمثل في تطوير الحلول التقنية الحديثة في قطاع الطاقة النظيفة.
بقلم: جيفري ساش
ترجمة: عمر حرز الله

