يسعى العالم بأسره إلى أن تتمتع كافة الناس بالأمن الغذائي والتي تعنى إمكانية الوصول إلى قدر كاف وجيد ومتنوع من الغذاء والذي يمكن معه الحفاظ على حياة مليئة بالصحة والنشاط. وقد حققت الغالبية من الدول المتقدمة هذا الهدف من خلال خطوات كبيرة من التقدم في التقنيات الزراعية، والإنتاج الزراعي، وهندسة خطط الري والصرف، وفى نفس الوقت أصبح لهذه التقنيات أثرا كبيرا على الدول النامية.

وقد تم تفادى الكابوس المالتوسى والذي كان من المتوقع أن يحد من النمو السكاني بسبب المجاعات حيث نرى أن النمو السكاني في العالم يتنامى دون توقف، وقد حققت العديد من المجتمعات التي لم يحدث لها نمو سريع في السكان قدرا من التقدم في توفير الأمن الغذائي والذي لم يكن من الأمور الوارد التفكير فيها على الإطلاق منذ نصف قرن.

حيث إن الهند، والتي لم تكن قادرة على إطعام 450 مليون نسمة في عام 1960، أصبحت الآن قادرة على توفير الطاقة الغذائية الضرورية مليار نسمة، بالإضافة إلى أنه قد تم تحقيق ذلك بالرغم من أن كميات المياه والأراضي لديها ظلت في جوهرها دون تغير.

زيادة الإنتاج

وبالرغم من ذلك فأنه لازال هناك الكثير الذي يجب القيام به، وأن تحقيق الأمن الغذائي العالمي يتطلب تحقيق تقدم في المجالات التالية:

1- زيادة الإنتاج من أجل مضاعفة مردود السعرات الحرارية للغذاء والتغذية بمعدلات تتناسب مع أو تفوق كمية وجودة الاحتياجات المطلوبة للنمو السكاني والذي تتغير نظمه ومتطلباته الغذائية بسبب الزيادة في الدخول.

2- إن تحقيق الزيادة الإنتاجية يتطلب كافة أشكال التكنولوجيا المتاحة، بما في ذلك استخدام التكنولوجيا البيولوجية.

3- أثرت التغيرات المناخية على المزارعين من الفقراء في المناطق التي يتم ريها بمياه الأمطار وكذلك على السكان الذين يعتمدون عليهم بطريقة أكثر. ولذلك يجب الاهتمام بشكل خاص بالإنتاج الزراعي.

4- هناك احتياج للمزيد من الأبحاث من أجل تطوير التقنيات الضرورية لخفض خسائر ما بعد الحصاد، ورفع إمكانية التخزين والنقل، وزيادة المحتوى الغذائي في الأطعمة الشعبية.

5- لا يمكن الاستمرار في السماح باستخدام الغذاء الخاص بالفقراء من أجل أن يستطيع الأغنياء قيادة سياراتهم.

6- إن سعى كل بلد بمفردها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء يعتبر أمر غير عملي ولذلك فإن هناك حاجة للحفاظ على نظام تجارى دولي عادل.

7- يقع على عاتق المجتمعات العلمية والطبية والأكاديمية عبء ضرورة أن تقود حملات للتوعية العامة عن الأمن الغذائي وعادات الطعام السليمة.

تقنيات جديدة

لا يمكن الاعتماد على إجراءات وحلول منفردة للوصول إلى حل لكافة مشكلات الجوع في العالم. إلا أن هناك عدد من المسارات المتاحة والتي إذا تم اتباعها سوف يتحقق تغيراً ملحوظًا في خلال خمسة أعوام أو من خلال خطة خمسية، وخاصة أن هناك بالفعل الكثير من السياسات التي أصبحت واضحة، ولكنها تفتقد الإرادة الكافية لتنفيذها.

ورغم ذلك فهناك ضرورة لعدد من الإجراءات الأخرى والتي يمكن ان تصبح فعالة بعد استحداث تقنيات جديدة وهي على وشك الانتهاء بالفعل. هذا بالإضافة إلى إن إحراز تقدم جذري وهائل في مجال الأراضي والمياه والزراعات والموارد المائية.. وذلك على النحو التالي:

أولاً ـ الأرض: يعد النشاط الزراعي هو المستحوذ الأكبر على الأرض الموجودة في الطبيعة. وقد أقدم البشر على قطع وحرق ملايين الهكتارات من الغابات ليمهدوا الأرض للزراعة. وللأسف، ونظراً لسوء الإشراف والإدارة، فإن الكثير من الاراضي الزراعية فقدت التربة الفوقية، بالإضافة إلى جرف الكثير من ألأراض الخصبة.

كما أن هناك ضغوطا كثيرة تتعاظم لزيادة التوسع في الرقعة الزراعية، مما يؤدى إلى المزيد من خسارة التنوع البيولوجي نظراً لفقد المواطن الطبيعية لهذه الكائنات. ولذلك يجب مقاومة مثل هذه الضغوط ومحاولة حماية الغابات الاستوائية في أميركا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا. كما أن هذه المجموعة من المشكلات تقتضى أن يقوم العلماء بما يلي:

ــ الإسراع في نشر الجهود المنتظمة لجمع وتصنيف كافة أنواع السلالات الزراعية واستخدام بصمة الحمض النووي لعمل تصنيف علمي.

ــ استخدام صور الأقمار الصناعية لتصنيف أنواع التربة ومراقبة حالة التربة (بما في ذلك مدى رطوبتها.

الاهتمام بالمياه

ثانياً ـ المياه: المياه هي الحياة. ويحتاج البشر من أجل البقاء إلى عدد محدود من اللترات من المياه للاستهلاك اليومي وكذلك إلى ما بين 50 إلى 100 لتر من المياه لتمتعه بحياة كريمة، إلا أنه وبالإضافة إلى ذلك فانه يتم في المتوسط استهلاك 2700 لتر من المياه يومياً من أجل الغذاء الذي يستهلكه الإنسان: أي حوالي لتر واحد لكل سعر حراري، غير أن الاستهلاك من المياه يزيد عن ذلك بالنسبة للغذاء الذي يتميز بالغني في البروتين الحيواني، وخاصة من اللحوم الحمراء.

من الجدير بالذكر، أن إنتاج طن من القمح يتطلب في الوقت الحالي 1200 طن من المياه، كما يتطلب إنتاج طن الأرز ما بين 2000 إلى 5000 طن من المياه.

هذا ومن المرجح أن يصبح سقوط الأمطار أقل انتظاماً في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية حيث تعيش الغالبية العظمى من فقراء العالم.

هذا بالإضافة إلا ن تعاقب الفيضانات مع فترات الجفاف سوف يؤدى إلى تدمير بعض المزارعين الذين يعانون من الفقر المدقع، والذين لا يملكون الوسائل اللازمة لمواجهة الظروف الموسمية السيئة.

ولذلك يجب أن نستغل كل قطرة مياه لإنتاج المزيد من المحاصيل. ويمكن انجاز بعض الأمور التي نحتاجها عن طريق استخدام تقنيات بسيطة ومنها تسوية الأراضي، وتحسين إدارة الري والصرف.

وكما أن هناك احتياج أيضاً إلى زراعات تتناسب بشكل أفضل مع الحالات المناخية التي نتوقعها مستقبلاً. ولذلك يمكن الاستفادة بشكل كبير من المعرفة والتقنيات الحالية، غير انه يمكن تحقيق نجاحات أكبر في حالة تحقيق تقدم في أربعة مجالات بحثية ضرورية وتشتمل على ما يلي:

ــ يمكن وعن طريق استخدام التقنيات الحديثة لوضع خرائط لمخزون المياه الجوفية من خلال صور الأقمار الصناعية. كما أن هناك حاجة ملحة لوضع خرائط دولية لمواقع الطبقات الصخرية المائية ومداها.

ــ تتسبب التغيرات المناخية في ظهور العديد من المشكلات وبالرغم من وجود بعض النماذج الدولية التي تتصدى لهذه التغيرات فإنها لا تعتبر مفيدة لاتخاذ إجراءات محلية. ولذلك فمن الضروري أن يتم وضع نماذج إقليمية يمكن استخدامها للإجراءات المحلية.

ــ هناك حاجة إلى إعادة تدوير المياه وإعادة استخدامها، وخاصة لأغراض الزراعة في المناطق المحيطة بالحضر.

ــ إن عمليات تحلية مياه البحر هامة لدعم كافة أشكال الزراعة الحالية والاستخدام المنزلي والصناعي.

تطوير الزراعة

ثالثاً ـ النباتات: من المتوقع أن يؤدي التغير المناخي إلى تقليل الإنتاجية في المحاصيل ما لم نعمل على هندسة الزراعات بشكل خاص لمواجهة التحديات القادمة. ولذلك فإن هناك احتياج إلى عملية تحول كبرى للزراعات الحالية وحتى تصبح أكثر قدرة على مقاومة الحرارة والملوحة والجفاف، بالإضافة إلى أن تكون قادرة على اكتمال النضج في مواسم نمو أقصر.

كما يمكن للأبحاث أيضاً أن تعمل على تحسين الجودة الغذائية للمحاصيل، كما حدث في زيادة نسبة فيتامين (أ) في الأرز ولذلك فإن هناك ضرورة لدعم الأبحاث الجديدة. فعلى سبيل المثال، فإن استكشاف المسارات البيوكيميائية في أشجار المنغروف والتي عن طريقها استطاعت الازدهار في المياه المالحة قد يفتح المجال أمام إمكانيات إضافة هذه القدرة إلى زراعات أخرى.

لقد ركزت الكثير من الأبحاث على دراسة المحاصيل الفردية وكيفية تطوير منشآت الزراعات الأحادية الكبيرة، مما أدى إلى ممارسات كان لها ثمنها البيئي والاجتماعي الواضح.

ولذلك ينبغي إعادة توجيه الدعم المخصص للأبحاث إلى تقديم دفعة قوية للزراعات التي تنمو في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، والمناطق الجافة وشبه الجافة. كما أن هناك حاجة للتركيز على نظم الزراعة المناسبة للنظم البيئية المعقدة لدى المزارعين الصغار في الدول الفقيرة.

وينبغي التعامل مع هذا النوع من البحث العلمي على اعتبار انه يخدم مصالح البشر في العالم، كما يجب دعمه من مصادر التمويل العام، وان تتاح ثمار نتائجه بدون مقابل للفقراء، حيث إن مثل هذا الاستثمار كفيل بخفض الحاجة إلى المساعدات الإنسانية لاحقاً.

الأغذية البحرية

رابعاً ـ الموارد البحرية: يعتبر كل العاملين في كل مجالات إنتاج الغذاء من المزارعين، باستثناء من يعملون في قطاع الموارد البحرية، حيث يعتبرون من الصيادين وجامعي الغذاء.

وقد حدث في القرن التاسع عشر أن قام الصيادون بالقضاء على وإبادة الثيران التي كانت تعيش في السهول الشاسعة في بالولايات المتحدة. وفي الوقت الحالي زادت وبشكل كبير عمليات صيد الأسماك في كل الأماكن التي تتواجد فيها الأسماك البحرية في العالم، وخاصة مع توافر الجهود التي تركزت على تنمية تقنيات صيد أكثر كفاءة وتدميراً.

وبالإضافة إلي أنه يوجد حاليا عددا من السفن التجارية الضخمة والتي يمكنها البقاء في عرض البحر لشهور عديدة، وهو الأمر الذي أمكن من خلاله إبادة بعض الأنواع من أجل التجارة.

ولذلك فإن هناك حاجة للاستثمار في أشكال التكنولوجيا الجديدة الخاصة بالمزارع السمكية. ويجرى حاليا تركيز بعض الجهود لتعزيز تربية أسماك البلطي بالمزارع السمكية، والذي يعرف أحياناً باسم الدجاج البحري.

وذلك بالإضافة إلى انه يتم حاليا عمليات دمج لبعض أشكال التربية السمكية مع التقنيات الزراعية المتعارف عليها لدى صغار المزارعين التي أثبتت إمكانية تطبيقها وفعاليتها من الناحية البيئية والاقتصادية.

كما يقوم حاليا القطاع الخاص بالاستثمار في بعض المنتجات العالية القيمة، مثل أسماك السالمون والجمبري، إلا أن التربية السمكية لا تزال في طور البداية بالمقارنة مع غيرها من مجالات الإنتاج الغذائي. ولذلك فإن هناك حاجة لبرنامج دولي ضخم.

هذا ورغم انه من المعروف إن الكائنات البحرية تتكاثر بشكل سريع وبأعداد هائلة، إلا أن التربية العلمية للموارد البحرية تكاد تكون معدومة. ولذلك يمكن العمل على ابتكار نظم تربية سليمة تصبح قادرة على توفير بروتينات زهيدة الثمن وصحية للأعداد المتزايدة من السكان.

وخاصة أن حوالي نصف السكان في العالم تقريباً يعيشون بالقرب من البحار، كما انه وفى ضوء البلايين التي يتم إنفاقها في عمليات دعم أساطيل الصيد التجارية، فمن غير المعقول أن لا تعطى أيه أولوية لهذا النوع من الأبحاث الواعدة. كما ينبغي على صانعي القرار الاهتمام فورا بهذا الموضوع.

التركيز على الفقراء

لقد استطاع العلم ونجح في استحداث نظام للإنتاج الغذائي من الزراعات الخضراء، والذي تميز بقدرته على الوفاء باحتياجات سكان كوكب الأرض والبشر. وهو الأمر الذي يؤكد على انه لن يصعب على العلماء في تحويل هذا الخير الوفير للنظام الإنتاجي إلى غذاء لأكثر الناس احتياجًا وضعفًا في الأسرة الإنسانية.

من المعروف أن العلم والتكنولوجيا والابتكار قد ساعد على إنتاج سلسلة لا نهائية من خطوات التقدم التي أفادت البشرية. ولذلك حان الوقت لأن يتم تحويل هذا الإبداع والابتكار إلى تطبيقات عملية لمواجهة التحديات البيئية الشديدة التي تواجهنا وحتى يمكن ضمان حصول الناس جميعا على الحق في الأمن الغذائي وهو حق من الحقوق الأساسية للإنسان.

هذا وتتوافر حاليا أغلب المعرفة الضرورية كما أن الكثير من تقنياتها على وشك التطبيق. ولذلك فانه من الممكن الوصول إلى طريقة لتحويل إنتاج خيرات هذه الأرض وتوزيعها. كما انه من الممكن أيضاً استخدام الموارد المتاحة بشكل مستدام وكذلك من الممكن أيضاً أن نقضي بالفعل على الجوع في المستقبل القريب، حيث أننا في حاجة لتحقيق ذلك من أجل الإنسانية جمعاء.

د. إسماعيل سراج الدين