يطالب كتاب «اغتنام المستقبل للبروفيسور مايكل زيي أستاذ علم الإدارة بالجامعات الأميركية، بألا تقتصر جهود التقدم أو التنمية على المجال الاقتصادي، بل لابد في رأي البروفيسور المذكور أن يصبح هذا كله جزءا لا يتجزأ من الحوار السياسي على اختلاف النظم والأقطار والقارات، وهو ما يفضي بحكم التعريف أيضا إلى التشديد على سبل التواصل بين سائر الأطراف في العالم.

وفيما أصبح يعرف بدوره بأنه ظاهرة «التشبيك» التي كفلتها ولا تزال إمكانات التقدم الإعلامي على شكل فضائيات الإعلام، إضافة إلى الإمكانات الهائلة دائبة التطور التي ما برحت تكفلها طفرة التطور الالكتروني متمثلة في شبكة المعلومات الكوكبية ـ الانترنت. ورغم أن هذه الإمكانات الالكترونية ـ الهائلة من حيث جوهرها وثمارها يمكن أن تدر وعودا بمستقبل أفضل.. إلا أن علماء المستقبليات واختصاصيي العمليات الاستشرافية كما قد نسميها، لا يلبثون يحذرون من عنصر مزدوج الخطورة يمكن أن يظل متربصا بمستقبل الإنسانية.. وهي على أعتاب عقد جديد هو الثاني من هذا القرن الحادي والعشرين.

الخطر المزدوج تلخصه عبارة «تزايد البشر مع تناقص الموارد».

نبوءة مالثوس

وقد نضيف موضحين أن هذا التحذير أو هذه النبوءة الإنذارية في قراءة سفر المستقبل ليست بالأمر الجديد على تاريخ الإنسان في العصر الحديث: إنها نبوءة عمرها الآن يزيد على 220 سنة بالتمام والكمال.

اسمها باختصار شديد أيضا: «نبوءة مالثوس».

وهي منسوبة كما هو معروف إلى الاقتصادي الإنجليزي توماس روبرت مالثوس (1766 ـ 1834) الذي سبق إلى التحذير من نفس الظاهرة التي ألمحنا إليها ظاهرة تزايد البشر بوتيرة أو متوالية أسرع من وتيرة، أو متوالية إمدادات الموارد الغذائية.. وقد ظلت دراسته الشهيرة بعنوان: «مقال بشأن مبدأ السكان» محور تحليلات الساسة والاقتصاديين.. ومنهم من أعلن اتفاقه مع مقولاته، ومنهم من اتهم «مالثوس» بالإغراق في التشاؤم وكآبة المنهج.. خاصة في ضوء ما كشفت عنه عقود القرن العشرين من إنجازات، جاء بعضها أقرب إلى الفتوحات العلمية وكلها تعلقت على نحو أو آخر بجانبي المعادلة الخطيرة المزدوجة وهما السكان والموارد..

نعم، استطاع العلم الحديث في القرن الماضي أن يتوصل، سواء إلى إمكانات وأساليب طبية مأمونة للحد من حجم السكان.. أو تنظيم الأسرة على نحو ما يقول الشعار الديموغرافي المطروح، أو لاستنباط أساليب أفضت إيجابا إلى مضاعفة الغلات المحصولية ومن ثم زيادة العرض المطروح من المواد الغذائية وما في حكمها بحيث يتوازى مع الطلب إن لم يزد عليه في بعض الأحيان.

مع هذا كله.. فها نحن بإزاء أحدث تنبؤات علمية تحاول استشراف مستقبل آفاق عقد زمني جديد بدأ منذ أسابيع قليلة مع مستهل هذا العام.. وهذه التنبؤات تقول ما يلي في باب البيئة والموارد: إن تناقص الموارد إلى حد الشح أو الندرة من المرجح أن يزيد من أسعار بعض السلع الحيوية التي تمس الحاجة إليها.

المعهد العالمي للموارد

وليس هذا مجرد رجم بالغيب ولا هي مجرد نبوءة متشائمة.. إنه اجتهاد ؟ استشرافي كما قد نسميه ـ من جانب مؤسسة علمية محترمة هي «المعهد العالمي للموارد» الذي عمد مؤخرا إلى التنبيه من أن الشركات والمؤسسات والدوائر التي تتعامل مع الموارد السلعية والاحتياجات الأساسية للبشر قد تعاني تناقصا فادحا في أرباحها إذا لم تعمد إلى وضع استراتيجيات تعالج أمر التكاليف الباهظة التي من المقدر لهذه الدوائر أن تنوء بها بحكم حالة التناقص المتفاقمة في الموارد، وهي العامل الكفيل بداهة برفع أسعار هذه الموارد.

مع هذا، فثمة جانب إيجابي لهذا الوعي بتناقص الموارد والسلع الحيوية: إن هذا الوعي كفيل بأن يقود البشر.. الناس على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والطبقية إلى ضرورة ترشيد ؟ بمعنى تقليل وعقلنة ـ استخدامهم للموارد المتاحة في كوكبنا.. وفي مقدمتها بطبيعة الحال الماء والغذاء.

وداعا إذن لسلوكيات الاستهلاك المفرط إلى حدود الاهتلاك.. وللتعامل مع موارد الطبيعة لا بمنطق الحرص ولكن بمنطق السرف إلى حد البطر.

في هذا المضمار تقول دراسة أميركية نشرت مؤخرا بعنوان: «تقييم الاتجاهات العالمية لعام 2025«: إن استهلاك السلع والبضائع في أميركا كفيل بأن يعود إلى مستوياته المعتادة تاريخيا (بعيدا عن الإسراف والتبذير إلى حد لا مبالاة الإهدار) وذلك مع بلوغ جيل الألفية الثالثة سن الرشد (قرب عام 2025 وما بعده).. وبالذات عندما يكون الجيل المذكور على وشك مغادرة أبواب الكلية أو المعهد أو المدرسة كي يطرق أبواب الرزق في ميدان الحياة العملية.

وبمناسبة فرص العمل المتاحة، تقول التنبؤات التي نشرتها مجلة «المستقبلي» (ذي فيوتشرست) الصادرة عن الجمعية العالمية للمستقبل، ونحن نحيل إليها في هذا السياق: أن العمل قد تتعرض للتضييق أمام البشر بالذات حيث تطورت إمكانات الذكاء الاصطناعي التي تجسدها الأجيال السوبر ؟ متطورة من الحواسيب الالكترونية التي تتيح سبل التواصل اللحظي وبكفاءة مشهودة بين الموظف وبين موقع العمل الذي يؤديه.. من هنا تسود ظاهرة «أداء العمل عن بُعْد».

ومن هنا أيضا تقلّ وربما تتلاشى، الاحتياجات إلى عمال وموظفي الخدمات في مواقع العمل التي من المقرر مع السنوات القليلة الماضية أن تصبح مجرد مواقع مفهومية ؟ افتراضية لا تحتاج سوى إلى اتصال بين طرفي الموظف والشركة أو المؤسسة أو الوزارة التي ينخرط في سلك موظفيها.. وهو اتصال ؟ يكفله بداهة ذلك الكائن الخطير الذي أصبح يحمل لقب الحاسوب.

تضيف مجلة «المستقبلي» في هذا المضمار: إن مثل هذا التغيير من شأنه أن يفضي إلى حالات تسريح هائلة للعاملين المستخدمين، والى حالات يضطر فيها الموظفون إلى انتهاج سبل التقاعد ـ المعاش المبكر، والى انخفاض شديد في حجم عمالة الخدمات وما في حكمها.

من ناحية أخرى.. ورغم ما يسود العالم من ظواهر وحوارات بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري التي أدت ؟ كما هو معروف ؟ إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بكل ما ارتبط بذلك من تحذيرات جاء بعضها أقرب إلى النذير المتشائم وليس أقلها خطورة ارتفاع سطح الغطاء المائي المحيط بكوكب الأرض مما يؤدي إلى اختفاء جزر وغرق دلتاوات الأنهار ؟ رغم هذا كله فقد لفت أنظارنا ـ كباحثين ومهتمين بالشأن الايكولوجي ـ البيئي بند استشرافي وارد ضمن تنبؤات عام 2010 ونعرضه على الوجه التالي:

رغم أن النماذج المناخية المتعارف عليها حاليا تتنبأ بارتفاعات تطرأ على درجة حرارة الأرض في مواقع شتى، إلا أن ثمة بحوثا جديدة في هذا الخصوص تم إجراؤها مؤخرا استنادا إلى أنماط الرياح التي تهب على المحيطات والبحار في عالمنا.

عصر جليدي مصغر

وهذه البحوث تشير إلى احتمال أن تتعرض الكرة الأرضية خلال السنوات القريبة المقبلة إلى ما يمكن وصفه بأنه عصر جليدي مصّغر.

وهو عصر يسود فيه برد قارس ومواسم شتوية قاسية الصقيع في أنحاء شتى من الكرة الأرضية مما قد يحدث اضطرابا واسع النطاق في مواسم الزراعة وفي أحوال ومرافق الاقتصاد مما يمكن أن ينجم عنه بالتالي مشاكل وتوترات اجتماعية واقتصادية في طول عالمنا وعرضه.

أخيرا يبقى السؤال المطروح هو: ماذا عن الساحة العالمية.. شؤونها وشجونها وآفاق تطوراتها؟

في هذا النطاق.. تفيد التنبؤات المستقبلية بما يمكن أن نوجزه على النحو التالي: من المتوقع إحباط المد الإرهابي في العالم بفضل البرامج التي تكفل معالجة الأسباب الثقافية وربما الاقتصادية التي تشكل جذور التطرف وخاصة بين أجيال الشباب.. هذه البرامج يتم تطبيقها في إطار سياسات مكافحة الإرهاب، وهي لا تنتهج أساسا أساليب المواجهة بالسلاح أو الاعتقال..

بقدر ما تلجأ إلى أساليب العلاج النفساني وخلق فرص العمل المنتج الشريف، والصبر على فعاليات الحوار الموضوعي المثمر والبنّاء مع العناصر التي يمكن أن تقع ضحية الأحكام المسبقة أو الانعزال الاجتماعي أو التطرف العنيف.

منافسون لأميركا

تتوقع المجلة الأميركية أيضا أن تجد الولايات المتحدة من ينافسها ـ أو حتى يتحداها ـ خلال السنوات المقبلة على مكانة الدولة العظمى الوحيدة على مستوى العالم.. هذه النبوءة يحيلون فيها إلى توقعات برلماني أميركي مخضرم هو السياسي الجمهوري «نيوت جنجريش» رئيس مجلس النواب الأسبق، وفحواها أن نفوذ وسلطة أميركا قد يتعرضان للهبوط خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.. حتى ولو لم يمتد هذا الهبوط إلى قوتها الاقتصادية أو نفوذها السياسي أو قدراتها العسكرية.

والحاصل هو توقع زيادة نسبية في قدرات أقطار أخرى مثل الصين والهند وربما تنضم إليها روسيا وما في حكمها من بلدان تصنّف حاليا في خانة الأطراف الصاعدة أو الناهضة في ميزان القوى العالمي.

مع ذلك فثمة تحذير يذهب إليه التحليل المستقبلي الأميركي، ويتمثل في خطر أن تندلع مواجهة بالأسلحة النووية بين طرفين يملكان هذا النوع من الأسلحة في آسيا وهما الهند وباكستان.

وهنا تعود الدراسة مرة أخرى إلى «نيوت جنجريش» الذي يعمد بدوره إلى التذكير بأحداث انفجارات بومباي التي أدت إلى تصعيد حالة التوتر بين العملاقين الآسيويين.

أخيرا يتنبأ المستقبليون بحرب من نوع غير مسبوق يمكن أن تشتعل بين عدة أطراف من عالمنا. وهي لحسن الحظ ليست حربا نووية ولا حتى بالسلاح التقليدي: إنها حرب تكنولوجيات المعلومات.. حرب المعلوماتية كما قد نسميها.. إن ظاهرة التشبيك التي ألمحنا إليها في مستهل هذا المبحث.. وبعد أن أفضت إلى هذا الترابط والتواصل ـ اللحظي بين أطراف كوكبنا..

وفي ظل التطور المطرد في البنى والهياكل الأساسية المتعلقة بهذه الظاهرة.. يمكن أن تؤدي يوما إلى خطر يتمثل في اندلاع صراع بين هذا الطرف أو ذاك من أطراف هذا التشابك الكوكبي، وقد يأتي على شكل تدمير لقواعد البيانات أو النفاذ إلى أدق الأسرار القومية والوطنية المودعة في ذاكرة الحواسيب الالكترونية.

وفي هذا السياق، يؤكد اثنان من علماء المستقبليات هما «مارتن سترون» و«أوين ديفيز» في دراسة لهما بعنوان: «الحرب العالمية رقم 3» أن العالم بات يضم 120 حكومة أصبح لديها برامج معتمدة من أجل خوض حرب الكترونية إذا ما اقتضت ذلك ظروف المستقبل.

وبمناسبة الحديث عن الدول الصاعدة في مضمار النفوذ الدولي يصل بنا هذا الاستعراض العلمي لتيارات المستقبل في عالمنا إلى سطور تقول:

إن الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم قبل حلول عام 2025 استنادا إلى معدلات الناتج المحلي الإجمالي المقرر أن تحققها بيجين خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة، والصين جديرة بأن تتحول من حالة اقتصاد تصديري إلى حالة اقتصاد مدفوع بقوى الاستهلاك.. زد على ذلك أن اليابان سوف تتحول بمعظم صادراتها إلى الصين بدلا من أميركا.

.. و.. مازال في جعبة الاختصاصيين تنبؤات كثيرة فيما يحاولون قراءة دفاتر المستقبل.. قد يصيبون وقد يخطئون.. ولكنهم جديرون من جانبنا بالمتابعة والتدقيق والتحليل.. فما يمارسونه هو اجتهاد محمود في كل حال.

محمد الخولي