يوما بعد يوم تتجه العلاقات الإسرائيلية ـ التركية نحو مزيد من التصدع، التي بدأت بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وكان من مظاهرها المشادة بين اردوغان وبيريز في دافوس، وإلغاء التمرينات العسكرية المشتركة، ومواصلة تركيا حملتها على إسرائيل، باعتبارها تتسبب بإثارة العنف والفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.

على ذلك يمكن القول إن الأيام الماضية كانت أياما تركية بامتياز بالنسبة لإسرائيل، حيث تسببت التصرفات الحمقاء لنائب وزير الخارجية الإسرائيلي، والتي تمثلت بمعاملة السفير التركي بشكل غير لائق، بأزمة دبلوماسية، هددت فيها تركيا بسحب سفيرها من إسرائيل، في حال لم تعتذر هذه بشكل واضح عن هذا التصرف الفظ، ما اضطر إسرائيل للتراجع والاعتذار.

وبديهي فإن هذه الحادثة الدبلوماسية، أثارت ردود فعل متباينة في إسرائيل، فثمة من طالب بإبداء مزيد من التشدد في التعامل مع تركيا، وثمة من طالب بتصحيح العلاقات معها. ومع ذلك فإن النقاش الإسرائيلي بشأن تركيا، على تبايناته، يؤكد القلق الذي ينتاب الإسرائيليين، بشأن تحولات الدور التركي في المنطقة، وأثره على مكانة إسرائيل فيها، كما يبين الأهمية التي توليها إسرائيل لعلاقاتها مع تركية، في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وكنموذج على المواقف المتشددة يمكن أخذ رأي بخور الذي يرى أن: «من حق الحكم التركي أن يكون أكثر تماثلا مع الأنظمة المنبوذة في إيران، وسوريا وفنزويلا. وأن يعرض تركيا كدولة سعت ذات مرة لان تكون جزءا من الغرب وتحلم اليوم بدولة إسلامية كجزء من الشرق..لكن.. ليس من حق الحزب الإسلامي الحاكم أن يحول إسرائيل إلى وسيلة يغازل..

من خلالها العالم العربي..ليس من حقه أن..يندد بها وان ينثر التصريحات اللاسامية..إسرائيل تجلدت على ذلك، وكان هذا خطأ..حان الوقت لطرح ثمن على الحكم التركي..حسنا فعلت وزارة الخارجية».

ويحاول بخور التحريض على تركيا، والتقليل من شأنها بقوله: «ما الذي يمكن لإسرائيل أن تجبيه من تركيا؟ نحن نشتري من تركيا بـ 2 مليار دولار في السنة، وهم يشترون من إسرائيل بـ 1 مليار دولار..إذا قاطع المال اليهودي العالمي تركيا، فهذه ستكون قصة أخرى تماما..إسرائيل هي قوة عظمى في التكنولوجيا العليا..وإذا ما واصلت تركيا الهجمات عليها سيتوقف التعاون التكنولوجي معها، وكذا التعاون الأمني أيضا..لتركيا الكثير مما تخسره جراء ذلك..

الحكم الحالي تقرب جدا من دول محور الشر..محظور على الدول الغربية تجاهل ذلك..هذه تركيا أخرى..اليهود في تركيا هم النخبة التجارية ومنذ اليوم يوجد غير قليل ممن يحزمون الحقائب. سياح إسرائيليون كثيرون لن تراهم تركيا في المستقبل المنظور..الإسرائيليون لن ينسوا أنها خانتهم..سيتعين عليها أن تدفع الثمن. (يديعوت أحرونوت 14/1)

أما ألوف بن فقد انتقد التصرف إزاء السفير التركي، ووصفه ب «الرد العدواني»، وبرأيه «يمكن النظر إلى هذه القضية من ثلاث دوائر. الدائرة الإسرائيلية الداخلية، حيث حاول ليبرمان إظهار أنه يحافظ على الكرامة القومية..دائرة العلاقات الخارجية، حيث العلاقات بين إسرائيل وتركيا..

تعاني من أزمة خطيرة..في الدائرة الثالثة، الاستراتيجية، تحتل تركيا مكانا متقدما في قائمة إخفاقات الرئيس الأميركي باراك أوباما. فحملة المصالحة التي قام بها أوباما مع العالم الإسلامي بدأت من أنقرة، لكن الأتراك لم يستجيبوا لدعواته وفضلوا «التوجه شرقا»، بحسب تعريف نتنياهو، باتجاه طهران ودمشق.» («هآرتس» 12/1/2010)

مقابل ذلك سخر ايتان هابر من تعبير الكرامة الوطنية، لتفسير الحادثة الدبلوماسية، وبرأيه فإن «ايالون يعرف أن الكرامة الوطنية لا يأخذها أحد، الكرامة الوطنية تعطى..تركيا لا تحتاج إسرائيل. نحن الدولة المحاصرة، نحتاج الأتراك لألف سبب وسبب.

علينا أن نشكر الأتراك صباح مساء على ما يقدمونه من مساعدة لنا حتى عندما يشتمنا رئيس وزرائهم.. نصيحة لايالون: في المرة القادمة عندما تفتح فمك، انتبه يسارا، يمينا والى الوراء. إذا رأيت كاميرات؟ فأغلق فمك. وهذه قاعدة أولى يتعلمونها في دورة المتدربين الدبلوماسيين.» («يديعوت أحرونوت»، 3/11)

ويعرض سمدار بيري صورة كاريكاتيرية لنشاط الخارجية الإسرائيلية، يقول بيري: «لا يكفي الخازوق الذي أعددناه للسفير التركي..ينبغي استدعاء السفير الأردني وإعطاؤه ضربات على رأسه. يوجد ألف سبب وسبب لإجلاسه على أريكة منخفضة: فمنذ سنتين لم تزرنا شخصية أردنية كبيرة..

في تظاهرات الشوارع في عمان يحرقون علم إسرائيل؛ سفيرنا يتعرض للتهديد؛ الاتحادات المهنية تقاطعه.. ثمة مئة سبب وسبب لأن ندعو أيضا السفير المصري..الكاريكاتيرات اللاذعة عن نتنياهو في صحف القاهرة..الاتحادات المهنية المصرية..تقاطعنا. لندعُ السفير ونصوره وهو يتلقى الصفعات. توجد فقط مشكلة فنية صغيرة: السفير المصري، طويل جداً، ورأسه قد يبرز أيضا حتى لو أجلسناه على الأريكة المنخفضة..

كيف كنا سنرد لو أن وزارة الخارجية في أنقرة أجلست سفيرنا، على أريكة منخفضة وصفعته أمام عدسات الكاميرا؟» («يديعوت أحرونوت»، 14/1)، ويستنتج من كل ذلك بأن الشرخ في العلاقات مع تركيا يسبب قلقا كبيرا لإسرائيل والإسرائيليين.

إضاءة

رسالة الاعتذار حضرة السفير التركي سيدي المبجل بودي أن اعبر أمامك عن الاحترام الذي أكنه لك بشكل شخصي، وللشعب التركي بأسره وان أعدك بأنه رغم الخلافات بيننا في عدة مواضيع، ينبغي البحث فيها وحلها فقط عبر القنوات الدبلوماسية المفتوحة، المتبادلة والمحترمة بين حكومتينا.

لم تكن لدي نية لاهانتك بشكل شخصي، وأنا اعتذر على الشكل الذي تمت فيها الخطوة وكيف نظر إليها. رجائي انقل هذه الرسالة إلى الشعب التركي الذي نكن له احتراما كبيرا. آمل أن تسعى إسرائيل وتركيا على حد سواء إلى نقل الرسائل بقنوات دبلوماسية ومحترمة مثلما ينبغي لحليفين أن يفعلا باحترام داني ايالون نائب وزير الخارجية الإسرائيلي.

ماجد كيالي