فتحي الديب ـ 55عاما ـ سائق جرافة تابعة لوزارة الاشغال العامة بقطاع غزة يلقب بـ «منقب» الشهداء لأنه تمكن من دفن أكثر من مائتي جثة لأشخاص قضوا في حرب الاحتلال الإسرائيلي على غزة تحت القصف والتدمير..السائق الشهير بغزة الديب يذكر كيف تسبب صاروخ إسرائيلي بدفن جرافته لمدة ستّ ساعات وسط الركام، في حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة.

ويقول الديب، وهو يستذكر تلك اللحظات العصيبة التي مرّ بها قبل سنة «جميعهم كانوا قتلى. وأنا أيضاً شعرت بأنني سألقى المصير نفسه». وعندما بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، طُلب مني أن أقوم بانتشال جثث الضحايا الذين سقطوا في نلك المنطقة. ويقول «المنظر كان مفزعاً، فهناك ستة شهداء في موقع أمني قرب خان يونس، فارقوا الحياة».

ويشرح الظرف الصعب الذي عاشه قائلا «سحبت جثامين الشهداء من بين الركام، ثم توجّهت إلى مدينة الزهراء رغم قصف الطيران الإسرائيلي للطرقات». ومكثت أيام العدوان الإسرائيلي داخل جرافتي متنقلا بها بين مناطق الدمار، بحثاً عن الأحياء والأموات الذين استُشهدوا في تلك الحرب.

وأكثر ما كان يبعث الهلع في قلبي صواريخ الموت الإسرائيلية التي كانت تستهدف المواطنين الفلسطينيين، عندما كنت أحاول انتشال الأشلاء البشرية من تحت الركام في مواقع شتى من قطاع غزة. وقال الديب: في بلدة بيت حانون المتاخمة للحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948 «انتشلت حوالي مائتي جثة خلال الحرب، كان بينهم شاب واحد فقط على قيد الحياة».

وأضاف «عندما انسحب جيش الاحتلال توجّهت إلى منطقة العطاطرة شمال القطاع، وبدأت عملي، وإذ بشاب يرفع يده من بين الركام» فقفزت من الجرافة نحوه وانتشلته من بين الركام، ووضعته داخل الجرافة، لكنّه فارق الحياة قبل أن نصل إلى مستشفى كمال عدوان، شمال القطاع. وقد انتشلت شباباً ونساء وشيوخاً وأسراً بأكملها؛ كانت مدفونة تحت الركام».

كما انتشلت سبعة عشر فرداً من عائلة الداية، التي استهدفها الطيران الحربي الإسرائيلي داخل منزلها، خلال اليوم الخامس عشر للحرب، في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.

ويقول «المجزرة التي ألمّت بتلك العائلة لن تفارق ذاكرتي. لقد شعرت بالموت في كثير من الأحيان؛ لكني دائماً استذكر كيف كنت أنتشل جثامين أفراد تلك العائلة». ومن المفارقات التي مرّت بالديب أنه دفن جثماني شهيدين في مقبرة الشيخ رضوان بمدينة غزة عصراً، وبعد ساعتين لملم بقايا رفاتهما أشلاءً بعدما قصفها جيش الاحتلال داخل القبور، فتطايرت أجزاء الشهداء في كلّ اتجاه.

يتابع «لقد صُعقت من هول المشاهد التي رأيتها بالإضافة إلى عدد القتلى الذي لم يسبق وأن حدث في هكذا فترة قصيرة».

وأكثر ما يؤثر في الديب ليس فقط المشاهد التي كانت تفجعه خلال عمليات التنقيب أثناء العدوان وما بعده؛ وإنما أولئك الذين من قبل الجيش الإسرائيلي. وبعد مرور سنة على العدوان؛ لا يزال الديب يعمل على جرافته في إزالة الركام الذي أحدثته آلة الحرب الإسرائيلية.

غزة ـ ماهرابراهيم